الجمعة، 30 يناير 2015

ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة (التراث العربي) قراءة في كتاب - الصادق النيهوم ...

ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة (التراث العربي)




قراءة في كتاب - الصادق النيهوم - ياسر مرزوق

      كتابنا اليوم ضمن السلسلة الخامسة من دراسات مكتبة النيهوم، الصادرة عن دار تالة، دراستين نُشِرَتا في صحيفة الحقيقة عامَي 1969 و1970. تحمل الأولى عنوان: «ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة "التراث العربي"»، والثانية: «قليل من المنطق». والسلسلة المذكورة تهدف إلى جمع تراث النيهوم المتناثر في الصحف والدوريات، داخل ليبيا وخارجها. وقد أقدمت الدار على هذا العمل تقديرًا لقيمة الكاتب وعطائه الغزير ونظرًا لما أثارتْه كتاباتُه من أصداء، كما يشار إلى ذلك على ظهر أغلب إصدارات النيهوم. بهذه الخطوة ستصل أسئلة النيهوم ونقده اللاذع أحيانًا إلى أجيال الشباب في الحاضر والمستقبل، وسيُنقَذ من خطر التجاهل والنسيان. وسنكتفي اليوم بقراءة للدراسة الأولى، مع وعدٍ بأن لا يغيب النيهوم طويلاً عن صفحات سوريتنا.
يبدأ النيهوم بعرض قضية التراث العربي عبر تساؤلين أولهما: هل تابع التراث العربي آمال الإنسان ؟
ذلك أن التراث العربي مجرد مرحلة عادية في مسيرة الفكر السياسي عبر الواقع، محاولاً أن يعرض هذه الحقيقة داخل أبعاد التراث العربي ضمن نطاقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك حين يؤكد " أن النظام السياسي الذي تبنته الدولة العربية بمجرد أن بدأت ترسي قواعدها في دمشق لم يكن مستمداً من القرآن الكريم بل كان مستمداً من تجربة التاريخ الحضاري وحدها، وقد عمد معاوية بن أبي سفيان إلى مقايضة المساواة والشورى بمبدأ الملكية المطلقة".
ثم يضيف على ذلك ما قوله: " وعندما ألقي معاوية خطبة العرش في نهاية المطاف، ثم هبط من فوق المنبر محاطاً بالحراس، وموظفي الديوان كان في الواقع نسخة طبق الأصل من أي ملك وراثي مطلق، ولكنه كان يدعو نفسه رسمياً (أمير المؤمنين) وخليفة الله أيضاً، والقرآن الكريمة الذي جعل الشورى أي النقاش والانتخاب قاعدة الحكم الوحيدة المعترف بها في الإسلام لا يمكن أن يبقي مصدراً لأفكار معاوية رضي الله عنه، فالطموح السياسي المحض شيء والنص الديني القاطع شيء أخر ".
والحقيقة إنه ليس من جديد فيما عرضناه من موقف الصادق النيهوم حتى الآن حول قضية (الخلافة) وتحولها من الشورى إلى ملك وراثي إذ إن هذه القضية تضرب بجذورها في تاريخ التراث العربي، وهي من ضمن القضايا الكلاسيكية المعروفة بداهة، والتي تناولها العديد من الباحثين والمفكرين العرب عبر مراحل مختلفة، فها هو ابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر يؤكد هذا المعني، وذلك بقوله: " ثم اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، لم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها، واستشعرته بنو أمية ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق في إتباعهم فأعصوصبوا عليه واستماتوا دونه".
وأما على صعيد الفكر العربي الحديث، فها هو إسماعيل مظهر ومن خلال تأكيده على ضرورة فصل السلطات يؤكد على أن:" الخلافة نظام شاذ كل الشذوذ، ليس هو بسلطة روحية فقط، ولا هو بسلطة زمانية فقط، هو نظام يجمع بين السلطتين، ومزيج من قوتين يجب أن تظلا متفرقتين، هو نظام الدنيا، والآخرة، حصر في نظام فرد واحد فكان الحاكم بأمره في الناس، وظل الله فوق الأرض معاً". "والخلافة فوق ذلك نظام ورث ظاهرة وترك لبه، فأصبحت ميراثاً بعد أن كانت بالبيعة ".
وعلى السياق نفسه، نجد الصادق النيهوم يؤكد على أن "النظام الملكي الوراثي هو الشكل السياسي للدولة العربية، وهو الوجه الحقيقي الذي يراه المرء بلا انقطاع طوال مسيرة أمتنا من قصر الخلافة في دمشق إلى بغداد، والأندلس، والقاهرة، وإسطنبول، أما الشورى، القائمة على مبدأ النقاش والاختيار فقد انتهت كلية بعد بضع سنوات من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ".
كما يؤكد على أن هذا هو واقع التراث العربي ونحن لا نسيء إليه عندما نقرر واقعه طبقاً لواقع عصرنا الحالي، مما يؤكد على أنه من التجني أن نحكم على التراث العربي بمنظار الديمقراطية الإنسانية المعاصرة، فذلك لا يتحقق بدون رذيلة التجني، إلا إذا أراد أحد ما أن يفرض أبعاد ذلك التراث على عصر الديمقراطية الإنسانية.
أما التساؤل الذي سبق وأن طرحه النيهوم، وهو هل تابع التراث العربي آمال الإنسان ؟
فإذا كان المقصود بهذا التساؤل يخص كل ما ساهم به الفكر العربي والإسلامي من، علم وفكر وأدب، فإن الإجابة تكون نعم، ثم نعم إلا إذا استثنينا وجود حضارة أو ثقافة عربية إسلامية من على خارطة التاريخ. والحق أننا لو أمعنا النظر فيما سبق وإن عرضاه من موقف النيهوم من التراث نجد أنه لا يفصل بين ما هو فكري، وما هو سياسي لذلك نجده يضع كل ما أنتجته الثقافة العربية الإسلامية ضمن الإطار السياسي بوجه عام.
غير أن الصادق النيهوم يعود ويفرق بين التراث الذي ورثناه عن تجربة العرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتراث الحقيقي الذي يخص تعاليم القرآن الكريم وسنة الخلفاء الراشدين، وذلك بقوله: " هذه الظاهرة تدعوني هنا إلى أن أقول مرة أخرى: إن الحكم على التراث العربي بأنه لا يليق بروح العصر، حكم يقتصر على التراث العربي الذي وصل إلينا عبر تجربة العرب لسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يشمل بأي حال شيئاً آخر يخض تعاليم القرآن الكريم أو سنة الخلفاء الراشدين، أو سيرة الحكام الذين عرفهم تاريخنا بين حين وآخر باعتبارهم نقاطاً بيضاء في ثورنا الأسود".
أما التساؤل الثاني الذي طرحه الصادق النيهوم فهو: ماذا نريد أن نصون من التراث العربي ؟
ويقدم لنا الإجابة، وذلك حين يؤكد "بأن عزمنا" على صيانة التراث العربي "لابد أن يعني" تنقية ذلك التراث من أخطائه، وليس حفظه فوق رفوف المكتبة، وفرضه على أولادنا الصغار بدافع التعصب وحده فنحن نملك ظاهرة فكرية مليئة بالأخطاء، وليس بوسعنا أن "نصونها" حقاً في وجه التيار التقدمي المعاصر إلا إذا غسلناها من أمراضها البالغة الخطورة ومنحناها هبة الحياة الطبيعية ". فالتنقية نفسها لا تتم إلا بحلول الفكر الواعي القادر على الرؤية الواقعية، لأننا إن تجاهلنا هذه الحقيقة، فإن العالم لن ينتظرنا لحظة واحدة.
هذه الفكرة –فكرة- صيانة التراث عن طريق تنقيته، يتردد صداها في مواضع أخرى من كتابات الصادق النيهوم، إذ نراه يؤكد على " أن الظاهرة الفكرية التي تلوح على الدوام وراء ثقافتنا المعاصرة في ليبيا هي ظاهرة مشلولة مقامة على أساس الاعتزاز بتراث مليء بالأخطاء يفرض نفسه على مسيرتنا باسم صيانة مقدسات آبائنا وأجدادنا".
" فالمشكلة من الداخل مشكلة الإنسان فنحن نفتقر للإنسان الصافي من كل الميراث الإنسان النقي، والمتوفرة له القدرة على الرؤية الجيدة، وأن يعاود الإنسان العربي تنظيم صفوفه الداخلية من أجل أن يأخذ مكانه الصحيح من الصف الثاني إلى الصف الأول المواجه للواقع تماماً ".
ثم نراه يؤكد على ضرورة بناء الإنسان – الإنسان أولاً وثانياً ؛ لأنها من أصعب المهام، فطالما أن الطفل يتعلم في حصة الحساب أن التفاحة زائد تفاحة تساوي تفاحتين، إلا أنه غالباً ما يحتاج إلى سنوات طويلة من ممارسة الواقع لكي يتعلم أن مئة طوبة زائد مئة طوبة لا تساوي مائتين، بل تساوي بيتاً جاهزاً للسكن.
ومن خلال تأكيده على ضرورة التواصل بين التراث والثقافة المعاصرة نراه يؤكد على أن " الذي يعود علينا بالنفع العظيم من حيث الحفاظ على كيان لنا عربي الخصائص هو أن ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا، أو قل بعبارة أخرى، أن نحتكم في حلولنا لمشكلاتنا إلى المعايير نفسها التي كانوا قد احتكموا هم إليها".
أخيراً لابد من التأكيد أن النيهوم ظاهرة أدبية مقروءة وجديدة، ظل نتاجه يثير اهتمام القراء بمختلف مستوياتهم ونقاشاتهم سواء مع أو ضد، في كل ما يطرحه، وكلمة " نعرف " تلخص وتختزل لنا تجربة النيهوم كلها.. هذه التجربة الناهضة على محاولة المعرفة والتعرف على كل المحيط وكل ما يحتويه هذا المحيط من أسرار وأمور محيّرة ومستفزة للتفكير والتدبر. هو كاتب يريد من القارئ أن يعرف لماذا يفعل هذا ولا يفعل ذلك وهذه المعرفة لا تتم إلا بتأمل الشيء وتحليله وتكبيره وتفكيكه إلى أجزاء وفهمه منفصلاً ومجتمعاً. لقد بدأ النيهوم رحلته في الكتابة ككاتب تنويري وجد نفسه في مجتمع شبه أمي خارج من أتون الحروب والأمراض والمجاعات.. وحتى الناس الذين تحصلوا على تعليم بسيط في الكتاتيب أو المدارس العربية والإيطالية تمكنوا من القراءة والكتابة وشغل بعض الوظائف الإدارية والخدمية يعتبرون في المفهوم العام شبه أميين فليس محو الأمية أن تتحول إلى إنسان يفك الحرف ويقرأه فقط فالخروج من الأمية هو الخروج إلى الفضاء الشاسع من الثقافة 

سوريتنا | العدد السابع والستون | 30 كانون الأول 2012 

فريق تحرير سوريتنا | لن نكون إلا أحرار


لتحميل كتاب العدد:إضغط هنا 




ليست هناك تعليقات:

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة