كتاب قصه نفس ومؤلفات زكي نجيب محمود
زكي نجيب محمود
رحلة طويلة لسيرة ذاتية عميقة قُسمت على ثلاثة
أشخاص مختلفين،يلتقون في جسد ونفس واحدة.
بين الأحدب
رياض عطا وإبراهيم الخولي وفوزي الراوي للقصة العديد من المواقف والأحاديث
والنظرات والاختلافات حياة تنكشف أسرارها منذ الولادة والموت مرورا بكل محطات
العمر،ونصيبا من كل شيء في وضوح أو غموض بصوت العقل والعاطفة في عتمة العزلة وسطوع
التواجد في العلاقات والرغبات بين الأفراد والمجتمع.
ولد العملاق زكي نجيب محمود في قرية ميت الخولي مركز دكرنس – دكرنس هي محل
مولدي أيضا ولي الشرف- في عام 1905 وفي رأيي أن قراءته الآن ستكون بمثابة الدواء
لكثير من مشكلاتنا الثقافية واليوم أختار من بين أسفاره الماتعة كتاب قصة عقل التي
لن تكتمل ثقافة قاريء عربي في رأيي إلا بعد قراءته والآن أترككم - مع تعليق وشرح
متواضع مني - مع ابن بلدي المرحوم الجميل زكي نجيب محمود:
- في
المرحلة الإعدادية وبينما زارنا أعظم مفتش في اللغة العربية كان يرهب المدرسة كلها
بعلمه وهيبته فقد كان معمما ذا صوت جهير وعلم غزير وتواضع جم وبعدما سأل كل
التلاميذ في مسألة من مسائل النحو فلم يستطيعوا بل ولم يستطع المعلم يومها أن يجيب
وفتح الله تعالى لي فأجبت وهنا كاد الشيخ يطير من الفرح وأخذ يربت على كتفي ويقول
لي: أعظم ما يمكن أن أكافئك به يا بني هو نصيحة غالية لك: إني أرى في عينيك نبوغا
فإن أردت أن تزداد نبوغا ونورا فابتعد عن المرأة...سبحان الله ....نصيحة غريبة
خاصة لطفل في الصف الأول الإعدادي لكنها تزداد قيمة كلما مرت عليها السنون.
يقترن هذا الكتاب بكتاب آخر سبقه وهو قصة نفس التي
أراد من خلالها محمود أن تكون ترجمة ذاتية له لكن من الباطن لا الظاهر يعني ألا
يغفل الأحداث البسيطة التي قد لا يهتم بها البعض في حين أنها قد تكون عاملاً في
تغيير الشخصية بل ومسار الحياة كلها. وأما في كتابنا هذا فقد أبان محمود عن قيمة
العقل في حياته هو ودعوته الخالدة بإعطاء العلم في حياتنا مزيدا من الاهتمام. وقد
رتب محمود نشاطه على مدار السنين كما يلي: من عام 30 إلى عام 40 كان عقله يقتصر
على مجرد نقل أفكار الغير ثم من 40 إلى 50 كان ينقد الحياة المصرية في مقالات
مركزة ثم من 50 إلى 60 فإنه قد حشد طاقاته في التأليف
للجامعة ثم من 60 إلى 70 حلل الأفكار التي شاعت في تلك الفترة ثم من 70 إلى 80 - وهي
يا قارئي أهم ما أود التركيز عليه في مقالي هذا – انصرفت همته لمحاولة البحث عن
نقاط يلتقي فيها جوهر تراثنا بجوهر العصر الحاضر لإيجاد صيغة تجمعهما في وعاء
ثقافي واحد. في قصة نفس يقول محمود إنه رأى شخصية يصنعها الآخرون لكن في قصة عقل
رأى عقلا يصارع لصنع نفسه بنفسه. بدأ الفصل الأول من الكتاب بعنوان عقل يلتمس
الطريق تحدث فيه عن تكوين شخصيته ومواقفه السلوكية منذ نعومة أظفاره وتحدث عن كيف
أن الدين كان يسري في أوصاله سريانا إلى حد الخشوع الذي يتصدع له الجبل وقد ختم
عمره بذلك أيضا في كتابه رؤية إسلامية الذي كان بمثابة تغريدة البجعة. ثم تحدث عن
الأفكار التي صدمته وهو شاب فأثارت في نفسه حب الفكر من مثل الوحدة الموضوعية في
الأدب ونظرية التطور لداروين وهل القرآن مخلوق أم أزلي وما تبع ذلك من محنة الإمام
أحمد ثم قراءاته عن الجمال ثم لأول مرة يقرأ موقف الإسلام من الخلافة وفكرة المنهج
وكيف أن الحياة الثقافية والجامعية حينئذ كانت خصبة.
يطيل محمود في الحديث عن أثر الفلسفة عليه والأدب والنتاج
الثقافي الأوروبي عليه وبالتحديد في الثلاثينيات من عمره. تكلم محمود في الفصل
الثاني عن مرحلة الانتقال وتحدث عن توأمته الفكرية مع أحمد أمين للخروج بتاريخ
للقصة في العالم وللأدب على غرار ما قام به من مجهود مماثل في مجال
الفلسفة (وإن كنت قد قرأت للأديب الكبير أنيس منصور أن هذا العمل قام
به محمود وحده) ثم تحدث عن دراساته ومرحلة الدكتوراه في انجلترا في موضوع الجبر
الذاتي ومعناه أن الإنسان لا تسيره ذاته وهو كلام وإن بدا سهلا إلا أن من الصعب
كما يقول محمود إخضاعه للمنهج الفلسفي الدقيق.
ثم تحدث عن بطاقات التموين وضيق ذات اليد وتأثير ذلك على
التحصيل العلمي وهي الفترة التي أخرج فيها كتابه جنة العبيط الذي يجمع بعضا من
المقالات الساخرة التي تناولت حياة الناس ومشقات الحياة وقتئذ في ظل الحروب مركزا
على حياته هو.
وقد حكى كيف أنه ثار على القيم والحياة العلمية والتي
أسمى العلم فيها ضربا من العبث لأنه لم يكن علما بالمعنى الحقيقي وقد شرح ذلك
بأسلوب عذب ورائع الجمال في سخريته في مقالة له بعنوان بيضة الفيل ثم أطال الحديث
عن حياته الجامعية سواء في مصر أو خارجها وعن أساتذته ومنهج التجريبية العلمية
الذي تبناه بعد ذلك. وأما الفصل الثالث فقد كان بعنوان دعوة إلى ثقافة العصر وتحدث
كما هو ظاهر من العنوان عن الثقافة الحديثة وقد أطال شرح الكوميديا الإلهية لدانتي
ومحاورات أفلاطون ثم انتقل إلى تبني فلسفة العلم التجريبي ونموذج التمدن وتكلم عن
دون كيخوتة الذي تحدث عن الفروسية بينما لم يعش عصرها فجاء كلامه مضحكا من وجهة
نظر محمود. ولكن يا قارئي صحصح كده معايا الله يخليك وانظر إلى محمود وهو يصف أكبر
مشكلة في الفكر العربي والتي لخصها بيت شعر عربي قديم يقول: لسان الفتى نصف ونصف
فؤاده.. فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.
يعني أننا ننفق الشطر الأعظم من طاقتنا في الكلام. تحدث عن
زيارته لأمريكا وكيف أنه رأى عقولا ونماذج بشرية مختلفة وهو ما جمعه بين دفتي
كتابه:"أيام في أمريكا" بأسلوب أدبي فائق وتكلم عن صفتين جميلتين أراد
هو ومفكروا عصره إضفاءهما على الفكر العربي آنذاك وهما الحرية والتعقيل. انتقل
محمود معنا إلى الفصل الرابع بعنوان التجريبية العلمية وتكلم عن الوضعية المنطقية
التي كان يقرأ عنها في مكتبة لندن والتي أطلق عليها فيما بعد اسم التجريبية
العلمية التي دعا إليها واتخذها هاديا ونبراسا وخلاصتها أن تقتصر رؤية الباحث على
حدود ما هو واقع وما يخضع للتجربة وقد كانت هذه هي المرحلة الثالثة في فكر البشرية
بعد اللاهوتية والميتافيزيقية وانظر إلى مثاله الجميل الذي يقول فيه إن عبارات
المجال الرياضي كالمعادلة مثلا هي تكرار للحقيقة مرتين يعني مثلا 2+3= 5 الشطر
الأول وهو 2+3 هو هو الشطر الثاني =5.
ومن هنا كان تركيز محمود على العلوم الطبيعية التي يحتمل
فيها الخبر نتيجة غير مكررة للمبتدأ. وعليه فقد فرق محمود بين ما أسماه العبارات
الوجدانية والأخرى العلمية والخلط بيهما قد يؤدي أحيانا إلى تكفير بعض الكتاب وقد
توسع محمود في إيراد أمثلة كثيرة على ذلك خاصة علم المنطق الذي عشقه من أول سنة له
في أثناء دراسته في كلية الآداب وقد استشهد بكتابه خرافة الميتافيزيقا الذي كتبه
في عام 1953 وشنع فيه على الإغراق في استخدام ألفاظ لا تدل على محسوسات وأشياء
يمكن إخضاعها للمنهج العلمي وتحدث عن دراسته للفلاسفة كانط وراسل وهيوم. ثم يأتي
بعد ذلك الفصل الخامس بعنوان دفاع عن العقل حيث يقول إننا كشعوب نختلف عن باقي
شعوب العالم في أننا لا نثق بالعقل ونؤمن بأن له حدودا لا بد أن يقف أمامها عاجزا
لكنه أكد في كتابه "مجتمع جديد أو الكارثة" أنه حتى هذه الأمور الغيبية
ليست من دعائم ولوازم بناء الحضارات حتى في الإسلام نفسه وقد مدح المناخ الفكري
الثوري في مصر إبان فترة الستينيات.
ومن جميل ما قرأته لمحمود تفرقته بين المثقف
والمثقف الثوري وقد مثل لذلك بابن عربي ومحمد إقبال. وقد أسهب محمود في الحديث عن
أزمة العقل في مجتمعنا ويمكن أن أقول يا قارئي إن كلام محمود جاء كأنه لم يمر عليه
كل هذا الزمن فنحن أحوج إليه الآن في حياتنا التي غلبت فيها الخطابة الكتابة وغلبت
فيها الوجدانيات العلوم الطبيعية والتفكير المنهجي. وقد أسهب في تجلية الجانب
العقلي في تراثنا وبناء نظرية نقدية عربية وهو ما أفرد له كل الباب السادس والذي
أتبعه في السابع بتفصيل جامع بين العقل والوجدان وأثبت قدرة فائقة في نقد الشعر
والترث العربي في الفصل الثامن الذي جاء بعنوان رحلة في دنيا التراث ثم تكلم في
الفصل التاسع عن الأصالة والمعاصرة وختم كتابه بالفصل العاشر الذي كان بعنوان مصري
يتحدث عن مصر ....وإلى هنا يا قارئي فعساك أن تشعر الآن كم أصابني من الوهن وأدركت
كم أنه من العسير تلخيص كتاب كل سطر فيه يحمل فكرة وهدفا وعمقا...وكل ما أرجوه أن
نعيد قراءة هذا الجيل الذي خاض معاركا عظيمة في ساحات العلم والثقافة والمعرفة
والأدب وخرج بنتائج عظيمة لم يزدر فيها تراثنا أو يتعالى عليه لكنه في كل الأحوال
لم يُخف ألمه مما آلت إليه أحوال أناس كانوا في يوم من الأيام يملكون الدنيا
ويصنعون من دينهم العظيم حضارة سطرت بحروف من نور في كتب التاريخ على مر العصور.
حواش:
- أفضل ما قرأته وسط اللغط القبيح في الحديث عن ناصر والسادات قرأته
لأديب غير مبرز في السياسة وهو نجيب محفوظ – رحمه الله- حينما قال: السادات أخطأ
مثلما أخطأ كثيرون لكنه أصاب فيما لم يصب فيه غيره.
- دكتورة مصرة على أن تتحدث في الفضائيات أمام الملايين من مختلف الأعمار
والثقافات عن الجنس وتشرح بالتفصيل المخجل ما يدور من علاقة حميمية بين الزوج
وزوجته يتصل بها رجل يقول: يا دكتورة أنا عندي سبعين سنة وبعاني من ضعف في الانتصاب
حضرتك ممكن تساعديني وتوصفيلي دوا لأني نفسي أمارس حياتي طبيعي. ترد عليه هذه
المرأة الجريئة جدا: طبعا طبعا وتعيش حياتك وتبقى كويس جدا .
وتعليقي هو: هذا يا سادة نموذج من نماذج التخلف
العربي الأصيل وعلى رأي محمود المليجي في فيلم إسكندرية ليه: وعايزيني أكسبها؟
الراجل عنده سبعين سنة وكل مشكلته في الحياة هو ضعف الانتصاب يا نهار اسود طب أنا
عندي سبعة وعشرين سنة والحمد لله أمور حتى البنات هي اللي بتعاكسني في الشارع
وافتكر إن آخر مرة السحنة اللي انتوا شايفينها في الصورة دي ضحكت وابتسمت كان من
حوالي سنتين لما واد صاحبي مريش عزمني على أكلة كوارع في العتبة وهو كان زميلي
و ساب التعليم واشتغل صنايعي راح ليبيا اشتغل هناك فترة ورجع بنى بيت تلات
أدوار قاللي علي الطلاق يا عم انت فاشل....عاملي فيها أستاذ التفكير قولتلك تعالى
معايا ليبيا وسيبك من التعليم هشغلك في مزرعة دواجن تنضف تحت الفراخ وهتعمل قرشين
حلوين وتخلي أمك واخواتك الغلابة دول يا جدع يعيشولهم يومين روحت
تجيبلي ممتاز مع مرتبة الشرف ده بلد تحبط الجن يا جدع...كول يا فاشل كول...وكانت
الكوارع لذيذة بشكل.
ولتحميل الكتاب اضغط على العنوان.
مكتبة خالدية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق