رواية عليك اللهفة
الكاتب : أحلام مستغانمي
على مدى عمرٍ خنت الشعر
كنت دائمة الانشغال عنه بكتابة ما يفوقه شاعرية
حرصت أن تكون الحياة هي قصيدتي الأجمل
لاتبحثوا في هذه النصوص عن أشعاري
ما هذه المجموعة سوى مراكب ورقية لإمرأة
محمولة على أمواج اللهفة، ما ترك لها الحب
من يد سوى للتجديف بقلم
أريج جمال – التقرير
في كتابها الصادر مؤخرًا عن دار نوفل للنشر ببيروت، تجمع أحلام مُستغانمي النصوص الشعَّرية التي كانت قد كتبتها منذ بدأت الكتابة في العام 1973، وحتى العام 2014 في كتاب واحد تضع له عنوانًا رُبما يوجِز كثيرًا من ملامح تجربتها في الكتابة عامة. “عليك اللهفة”، إنها اللعبة اللغوية التي مررت من خلالها أحلام أفكارها ورؤاها وخُلاصات تجربتها في الحياة. اللعبة التي لا تخلو من الفتنة ولا ينقصها العُمق، وماتزال تأسرْ القُراء في العالم العربي بنفس القوة.
مُعظم النصوص التي جاءت في الكتاب كان قد سبق نشرها في أعمال أخرى لأحلام بشكل منفصل، سواءً في كُتبها أو في مقالاتها الأسبوعية بمجلة زهرة الخليج. أحلام التي لا يمكن فصل تجربتها عن سمات الشعِّرية، تُقرر هُنا أن تقدم كتاباتها التي تتخذ شكل القصائد مجموعةً دون أن تُعنون الكتاب بكلمة “ديوان” أو كلمة “شعِّر” مثلًا، وهي تقول على الغلاف الخلفي للكتاب “لا تبحثوا في هذه النصوص عن أشعاري، ما هذه المجموعة سوى مراكب ورقيّة، لامرأةٍ محمولة على أمواج اللهفة، ما ترك لها الحُب من يدٍ سوى للتجذيف بقلم”.
ربما تكون هذه العبارة التي يمكن اعتبارها افتتاحية للكتاب، نوعًا من المراوغة الفنيّة التي تمارسها أحلام كي تهرب من فخ تصيُدات النُقاد في العالم العربي، كثيرون منهم لا يحبون كتابات أحلام لأسباب لا يمكن عزلها عن مُعطى أن كتب مُستغانمي رائجة تجاريًا بشدة في عالمنا العربي، الذي يعرف الجميع أنه لا يقرأ، على الأقل لا يقرأ جيدًا، هُنا يكون السؤال سيئ النية حاضرًا: ماذا تُقدم أحلام مُستغانمي في كتاباتها كي تجتذب كل هؤلاء القُراء؟. الإجابة الجاهزة عن السؤال: ربما تكون أن أحلام تكتب عن “الحُب”، والحديث في الحب أمر مرذول عندنا، أو على الأقل موضوع سطحي بالنسبة للنقاد والمُثقفين، يمكن الكتابة عنه ضمنيًّا، لكنه لا ينبغي أن يكون كُل شيء كما تكتب أحلام.
“عليك اللهفة”: هو الإجابة غير المُتسرعة ولا المُتشنجة على هذا السؤال، الكتاب الذي تحظى نصوصه بنسب مُرتفعة جدًا للمشاركة على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن النظر إليه على اعتباره إكسير الكتابة المُستغانمية. إن أحلام تُقدم في نصوص هذا الكتاب صورة لامرأة شرقيّة تكتب عن الحُب، الحُب الذي يُلخِّص العُقد الشرقية للمرأة والرجل، الحب الذي يُرمِز العلاقة مع الوطن، المُنسحِب في الصورة من مُعادلة الأمان الذي تحتاجه المرأة، الحاضر كألمْ مُستمر أسفل الجلد يزيد من الشعور بالُغربة والفقدْ، حتى في العلاقة العاطفيّة.
أحلام التي عاشت آلام بلدها الجزائر ما بعد الاستعمار، وكانت ابنة لمناضل وطني، تكتب عن فعل الكتابة الذي تلوذ به من حالة الجزر في الحُب مع رجل غير مُتاح دائمًا في قصائد مثل “أحتاج أن أحبَك ككاتبة”، و”أكتبني”، تقول مثلًا في “أحتاج أن أحبك ككاتبة” ص 8:
أحيانًا..
أحتاجُ أن أكتُبَكْ
أكثر من حاجتي لحُبّكْ
أن أصِفَكْ
أكثر من حاجتي لرؤيتكْ
أن أبكيكَ.. أن أفتقدَكْ
أن أشتَهِيَكَ.. أن أستَحضِرَكْ
الرجل الذي تكتب له الذات الشاعرة في “عليك اللهفة” هو رجل شرقيّ، رجل القبيلة والغيرة، الرجل المُتمنع الذي عرف أخريات كثيرات، مع ذلك يُحب فعلًا امرأة واحدة، الرجل الذي ستتقرّب منه امرأة شرقيّة بالصلاة إلى الله، إنه خارج النص رجل متكرر، نمطي، ابن لكل الثقافة الشرقية وأسوء ما فيها: الثقافة التي لا تتغير مُعتقداتها حول أهيمة الرجل وتفوقه وفحولته أبدًا، مع ذلك فإن الرجل نفسه داخل النص هو رجل متفرد، ربما تبتعدْ عنه الذات الشاعرة ربما ترفضه، لكنها تبقى في حنين مُتصل إليه، إنه رجلها المُخلِّصْ، الرجل الذي يكون كُل شيء، في قصيدة “كُنت سانجب منك قبيلة” تقول في ص 60:
“عذراءُ كلُّ امرأةٍ لم تعرفْكَ
عزباءُ مَن لن تعقدَ قِراَنك عليها
عاقرُ كلُّ لم تنجبْكَ
يتيمةُ من لن تكون أباها
ثكلى الحياةُ من قبلِ أن تأتيَها
أرملةُ يومَ ترحلُ عنها“.
مع ذلك لا تستسلم الذات الشاعرة تمامًا لهذا الرجل، صحيح أنها لا تتمكن من التخلُص منه نهائيًا- كيف وهو النتيجة الطبيعية لمُجتمعها مُفرِط الشرقية-، لكنها مثلًا يمكن أن تُجافيه أحيانًا، إنه اللعب على حالات عاطفيّة عديدة تُعبر عنها أحلام في الكتاب، مثلًا في ” كُنت سيدهم وغدوت أحدهم” تتكلّم عن موت الحب، تقول ص 144:
“أصبحتَ أحدَهم..
عندما ما استطعتُ إنقاذَك
من لامبالاتي أمامَ موتك
أدري سبق أن متَّ أكثرَ من مرّة
لكنّك اليومَ تموتُ آخرَ مرّة
لفرْطِ ما متَّ
لا أحدَ عزّاني فيك
ولا مَن دلّني أينَ أواريك
كي لا أنفضِحَ بجثمانِك“
في “تشي بك شفاه الأشياء” تقدم أحلام نصًا جريئًا في تخيلاته، يلامس الرغبة الجسدية، والتفاصيل الحميمية للرجل، ويتهيأ دائمًا أوضاعًا أكثر قربًا والتصاقًا بالحبيب ولو كانت مُستهجَنة أحيانًا، إنها مساحة قرب لا تكسر الحياء الشرقيّ المتعصب ضد الجنس، لكنها فقط تتحرش به، تقول ص 110:
“أريدُ أن أكونَ ليومٍ شغّالتَك
لأعقّمَ أدوات جرائمِكَ العشقيّة
وأذيبَ برّادَك من دموعي المجلّدة
مكعّبات ثلجٍ لسهَراتِك
أن أستجوبَ أحذيتَكَ الفاخرةَ
المحفوظةَ في أكياسِها القُطنيّة
عمّا علقَ بنعالِها من خطى خطاياك
أن أخفيَها عنك، كي أمنعَك من السفر”.
تقول أيضًا في نفس القصيدة:
“أحبّ.. التجسس على جواريرِك
على جواربِك.. وأحزمتِك الجلديّة
وربطاتِ عنقِك.. وثيابك الداخليّة
على مناشِفِك وأدواتِ حِلاقتِك
وأشيائِك الفائقةِ الترتيب كأكاذيب نسائية“.
كأي عمل؛ يضمّ “عليك اللهفة” نصوصًا متفاوتة في مستواها الفنيّ، ثمة نصوص تحمل جماليّات أكثر ومباشرة أقل مثل “أيها النسيان هبني قُبلتك”، “وستائر من دانتيل الذكرى” و”حان لهذا القلب أن ينسحبْ”، مع ذلك يبقى الكتاب ككُل أفضل مُمثل لتجربة أحلام مُستغانمي التي تكتب لجمهور عريض يعيش قصص حُب مُتطابقة مع ما يقرأه في كتاباتها قصص حب مأزومة بالسقف المنخفض للسياسة والثقافة والتقاليد، تكتب أحلام من واقع تفاصيل حياة هؤلاء المُحبين دون أن تتعالى عليهم أو على أهمية صورة الحُب في حياتهم وخاصة للمرأة، الحُب المُخلِّص والأمان، تكتب من واقع تفاصيل البيوت العربيّة وتفضيلاتها الموسيقية والسينمائية، في نص “عليّك اللهفة” عنوان الكتاب، تكتب عن الفن، والكتابة، والمهجر والحُب، أخيرًا تقول ص 57:
“في أوّلِ حافلةٍ أخذْتني
إلى ثانوية “عائشة أم المؤمنين”
في أوّل طائرةٍ ركبتُها سنةَ 73
إلى “مهرجان الشباب العالميّ في برلين”
في الحقيبة الأولى لغربتي
في مطارِ أورلي الدولي سنة 76
في أوّل ميترو أخذني للسوربون
في الباص رقم 42 في باريس الدائرة الـ 15
حيثُ أقمتُ لسنين
على مدى رحلتي
كنتُ سائق الباص وقائدَ الطائرة
كنتَ الغريبَ
الجالسَ على المقعدِ المجاورِ للحبّ
وكنتَ وُجْهتي
عليكَ اللّهفة يا رجُل
كم انتظَرَتْك أنوثتي!
أو
أو
نبذة عن المؤلفة
أحلام مستغانمي
من مواليد تونس ،ترجع أصولها إلى مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري حيث ولد أبوها محمد الشريف حيث كان والدها مشاركا في الثورة الجزائرية،ّ عرف السجون الفرنسية, بسبب مشاركته في مظاهرات 8 ماي 1945 . وبعد أن أطلق سراحه سنة 1947 كان قد فقد عمله بالبلدية, ومع ذلك فإنه يعتبر محظوظًا إذ لم يلق حتفه مع من مات آنذاك ( 45 ألف شهيد سقطوا خلال تلك المظاهرات) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسية, بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزب الشعب الجزائري. الذي أدّى إلى ولادة حزب جبهة التحرير الوطني FLN . عملت في الإذاعة الوطنية مما خلق لها شهرة كشاعرة، انتقلت إلى فرنسا في سبعينات القرن الماضي ، حيث تزوجت من صحفي لبناني، وفي الثمانينات نالت شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون. تقطن حاليا في بيروت. وهي حائزة على جائزة نجيب محفوظ للعام 1998 عن روايتها ذاكرة الجسد.
أحلام مستغانمي كاتبة تخفي خلف روايتها أبًا لطالما طبع حياتها بشخصيته الفذّة وتاريخه النضاليّ. لن نذهب إلى القول بأنّها أخذت عنه محاور رواياتها اقتباسًا. ولكن ما من شك في أنّ مسيرة حياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعًا عبر مؤلِّفاتها.
كان والدها "محمد الشريف" من هواة الأدب الفرنسي. وقارئًا ذا ميول كلاسيكيّ لأمثال Victor Hugo, Voltaire Jean Jaques, Rousseau,. يستشف ذلك كلّ من يجالسه لأوّل مرّة. كما كانت له القدرة على سرد الكثير من القصص عن مدينته الأصليّة مسقط رأسه "قسنطينة" مع إدماج عنصر الوطنيّة وتاريخ الجزائر في كلّ حوار يخوضه. وذلك بفصاحة فرنسيّة وخطابة نادرة.
وأمّا عن الجدّة فاطمة الزهراء, فقد كانت أكثر ما تخشاه, هو فقدان آخر أبنائها بعد أن ثكلت كل إخوته, أثناء مظاهرات 1945 في مدينة قالمة. هذه المأساة, لم تكن مصيرًا لأسرة المستغانمي فقط. بل لكلّ الجزائر من خلال ملايين العائلات التي وجدت نفسها ممزّقة تحت وطأة الدمار الذي خلّفه الاستعمار. بعد أشهر قليلة, يتوّجه محمد الشريف مع أمّه وزوجته وأحزانه إلى تونس كما لو أنّ روحه سحبت منه. فقد ودّع مدينة قسنطينة أرض آبائه وأجداده.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق