حسن السوسي شاعر الغزل والمحبة حتى النفس الأخير
دنيا الوطن - 18 - 01 - 2008 م - بقلم: عبدالسلام محمد المسماري- المحامي - شاعر وكاتب ليبي :
"كان ذلك في أحد أيام شهر يناير 1945 حينما تسلمت رسالة تخصيصي كمعلم بمدرسة "الأبيار" التي تبعد عن بنغازي بحوالي 60 كم ، والمدرسة صغيرة بها حجرتان وصفان دراسيان ، الصف الأول وبه حوالي 25 تلميذا والثاني به حوالي ثمانية تلاميذ وتلاميذ الصفين مجموعون في حجرة واحدة ، ويقوم المدرس بالتدريس لكل الصفين في وقت واحد وكان في ذلك مشقة وعناء لما يتطلبه من مواءمة بين مواد الدروس ولكن للضرورة أحكام."
بهذه الكلمات البسيطة في سيرة ذاتية نشرت في جريدة المشهد العدد 16 المؤرخ في 9/4/2003 يفتتح شاعرنا الراحل سرده عن الأيام الأولى لعمله كمدرس بمدرسة "الأبيار".. تلك المدرسة التي على بساطتها وقلة حيلتها تتلمذ فيها أعلام هم مفخرة لهذا الوطن. ولا غرابة في ذلك فقد كانوا ثمرة جهد معلمين مخلصين محبين لوطنهم أمثال الراحل حسن السوسي. رغم عدم تخصص كثير منهم التربوي!
وبالنسبة لشاعرنا الراحل فقد مثلت حياته في مدرسة الأبيار- وأقول حياته- فقد كانت حقا بداية حياة الشاعر المهنية كمعلم حينها لم تتجاوز سنه الواحدة والعشرين، قضى فيها زهرة شبابه حتى نقل ناظرا لمدرسة مسة سنة 1954. كما شهدت الأبيار ولادته كشاعر حسبما أكده الراحل بنفسه، ففي مستهل حوار طويل على صفحات العدد الرابع لمجلة الثقافة العربية الصادر في أبريل 1984 أجرته معه الصحفية والكاتبة النشطة ليلى النيهوم يقول شاعرنا: " في الأبيار ولدت أول محاولة لكتابة الشعر لي، حيث كتبت مقطوعة بعثت بها إلى صديق لي في القاهرة وتقول المقطوعة:-
أشاقك بين الرمل والنخل موضع
فــبت كما بات السقـــيم الموجع
تذكرت أحـبابا هناك وصحبـــــــة
فعيــنك بالقـاني تـــسح وتدمــــع"
(هذا الحوارمنشور في مجلة الثقافة العربية السنة 11 العدد 4 صادر في شهر أبريل 1984).
وكانت تلك المحاولة الأولى لشاعرنا صدى لأصوات شعرية استهوته قصائدها التي كانت ترددها الأوساط الأدبية أنذاك لاسيما شعر شوقي وحافظ وابن الفارض - كما يقول الشاعر نفسه في الحوار المشار إليه- بيد أنه لم يلبث حتى بلور أسلوبه الخاص وأوجد لنفسه صوتا شعريا مستقلا لينطلق في فضاء الشعر بلبلا مغردا.. يسكب في أذن الزمان أرق قصائد الغزل .. فمع تناوله لأغراض شعرية أخرى بنسب متفاوتة بيد أن القصائد الغزلية كان هي اللون الطاغي على شعر السوسي وهو لون كان مجيدا فيه إلى حد كبير. لنقرأ له هذه الأبيات من قصيدته " يا حلوة العينين أنت قصيدتي" التي يقول فيها:-
أنا طارق الحب المغامر، مبحـــر
في مقلتـــيك، فأمّـــــني مينـائــي
نظراتك الحـيرى، تضلل زورقـي
فأظــلُّ ، بــين تخــوفي ورجـائي
فهما ببحر هواجسي، وخواطري
شــــط الأمــــان، ومرفأ الإرساء
وهما بصحرائي الكئيبة واحــــة
أغـــفو على أهدابها الخـضـراء
وقد كان شاعرنا الراحل يقول :" أحب الشعر إلى قلبي هو الغزل، لأنه يخاطب الوجدان ويتعلق بالعاطفة.. والإنسان وجدان قبل كل شيء في اعتقادي." ( الحوار سالف الإشارة الذي أجرته مع الشاعر الراحل الصحفية ليلى النيهوم)
وهكذا كلما نقرأ نصا لشاعرنا الراحل نلاحظ تميز كتاباته بلغة رصينة أهلته لاحتلال مكانة بارزة بين رواد الشعر الكلاسيكي في ليبيا ، ومع أن شاعرنا ظل وفيا للنمط التقليدي في كتابته للشعر فإنه لم يتخذ موقفا سلبيا حيال الشعر الحديث، ففي الحوار سالف الإشارة الذي أجرته معه الصحفية ليلى النيهوم قال حسن السوسي عن الشعر الحديث:- " ربما هو نقلة أملاها التطورالثقافي ... والإنسان خصوصا الإنسان الشاعر يضيق بالرتابة والروتينية ويصبو دائما إلى الجديد "، ولذا فإن التزام شاعرنا بالنمط العمودي في كتابة الشعر لم يحل بينه وبين ارتياد أنماط من الكتابة الشعرية الحداثية حين كتب قصيدته امرأة فوق العادة التي تعد أروع قصائده على الإطلاق.. ونحن في ذلك نشاطر رأي الكثيرين بشأنها حيث تعتبر رائعة السوسي.. فلنستمع إليه حين يصف المرأة التي يقصدها:-
مَنْ أعنيها لا تشبهها أمرأةٌ أخرى
يضحك في عينيها فرحُ الدنيا..
وعلى شفتيها يندى الورد..
وترتسم البُشرى
تلك امرأةٌ أخرى
***
تلك امرأةٌ فوق العاده
هي – أحياناً - ألمح فيها "مَيْ زياده"
وأرى فيها - حيناً آخرَ - شيئاً من "ولاّده"
لكنْ.. تبقى نمطا..
تبقى.. وسطا
بين "الحلوِ" وبين"الساده"
فليستْ "ميَّ" ولا "ولاده".
***
لم تكتب فوق عصابتها: إني للحبْ.
أو تسكبْ فوق كتابتها من جرح القلبْ
أُبصر فيها - فوق الأنثى-
بلداً.. وطنا
أهلاً.. سكنا
فيها من فطرة أُمّتها..
وطباعِ عشيرتها..
كِبْرٌ لا يحتمل الزيفْ
ولا يغتفر الحيفْ
وببِشرٍ تلقى زائرها.. كلقاء الضيفْ
تأسرُهُ بمودّتها أَسْرا
تغمره ببشاشتها غَمْرا
فيُشرّف فوق العين... وفوق الراسْ
***
بنصاعة "بنغازي"،
ووداعة "جربهْ"
ووقارِ "قُسنطينةَ"،
وأصالة فاسْ..
تُكرِم زائرَها..
فإذا ما غيّر جلدتَه،
أو جاوز رتبتَهُ..
نظرتْ شزرا..
شمختْ كِبْرا..
تلك امرأةٌ فوق العادة
تلك امرأةٌ أخرى.
***
تشعر - حينَ حضوركَ - في حضرتها..
أنكَ ضائعْ
تتلاشى في ملكوت السحرِ الرائعْ
تُبحر في غسق العينينِ..
وفي شفق الخدّينِ
وفي ورد الشفتين الراعشتينِ
ويضيع صوابُـكَ في لفتات الجيدِ الناصع.
تتعلّم - حين تكون بحضرتها - فنَّ الإصغاءْ
تأسركَ اللفتةُ، والإيماءة، والإيحاءْ
تتحدّث عن كل الأشياءْ..
وتُحلّق في كل الأجواءْ..
وتُلامس كلَّ المحظوراتْ
فتحسّ بصدق مودّتها، وبراءة ألفتها، وبما هو آتْ.
نحن بالكاد نكتفي بهذا القدر من هذه القصيدة الرائعة التي ما أن تعانق عيناك أول كلمة فيها حتى تحسب أنك تلج دوحة على ضفاف جدول رائق رقراق تغري بالنهل من عبق كلماتها حتى آخر حرف فيها ، لا شك في أنها نص يتوج المرأة.. كل امرأة.. فيها من تلك المرأة فوق العادة.
بيد أن شاعرنا مع إيغاله في شعر الغزل الذي شغل المساحة الكبرى من نتاجه الشعري لم يكن ذاهلاً عن الشأن العام .. فكما نجده رقيقا رهيفا راقيا في غزله .. نجده بالمقابل مهموما غاضبا ثائرا حين يتعلق الأمر بوجع الأمة وآلامها..
فعلى سبيل المثال نجده في قصيدته "الإنتفاضة" يقول:-
لا عذرَ للشعر إن لم ينتــــفض غضبا
وينـفث الحـــرف عن أنفـاسـه لهبــــا
وأن يــبارك كفـا أطلــــقت حجــــــــرا
في وجه من سلب الأوطان واغتصبا
راعــــوه.. فارتــاع واسـتذرى بوالده
لكن قــضاء الله عنه ما احتجبـــــــــا
هوى كسـوســـنةٍ فيــحاءَ قدعصــفتْ
بها الريــــاحُ وهزَّتْ غصنها الرَّطبا
ثم يأتي ليصف غضبة الشعر بالبلسم لجرح الأمة والمواسي لوجع الفقد فيقول:
وأن يبلـــسم في أعـــماق أمتنــــــــا
جرحا تمادى عليه الدهر فالتهبـــــا
وأن يُؤَبِّــن طــــفلاً ضمّ والــــــــــده
رفاتَه .. وبكى كالطفل منتحبـــــــــا
ولا ينسيه الغضب الذي يمور في نفسه ويتجلى في حرفه أن يعلن في قصيدته التمسك بالأمل.. الذي يشرع في إلقاء بذرته بإنكار الإمعان في التباكي والبكاء فيقول..
لقــد بـكــينا كثـــيرا ثــــم آن لنـــــــا
ألا نرى الدمع في الأجفان مضطربا
لينتقل إلى دور الشعر التحريضي فيقول:
فــبارك الله والأحـــرار صـحوتكم
لا يهدأ الثأر حتى تبلـغوا الأربـــا
فأجــجوها وأصـلوهم جواحــمها
واطْعِموا النارَ من أشلائهم حطبا
فخلفـــكم الدنيا تهـتف لصيحــتكم
وتستـخفُّ بمن مارى ومن شجبا
لا مـجد إلا لـمن ألـــقى بمهجتــه
فيها.. وجشّمها الأخطار والتعبـا
ثم لا ينسى أن يستخف بالحكام العرب الذين لا يتعدى نفيرهم حدود الخطب والكلام الأجوف.. فيقول..
والآخرون قصارى جهدهم خطبٌ
نارية ضمــنّوها الزيـــفَ والكذبا
لا تقبــلوا من مشير أن يصدكمو
عـما بدأتم فإن الصـــبر قد نضبا
ولسنا نزعم أننا نلم هنا بكامل الآثار الشعرية للراحل حسن السوسي .. والتي تتمثل في النتاج الذي تشكل عبر ما يربو عن ستة عقود بدءا من أولى محاولاته الشعرية في الأربعينيات من القرن الماضي وحتى وافاه الأجل.. فقد كان الراحل شاعرا حتى الرمق الأخير.. وكانت حياته رحلة من العطاء الشعري الغزير، وقد لا نجافي الدقة لو قلنا أنه لم يبلغ زخم تدفقه الشعري سوى قلة من مجايليه فقد كان نتاجه الشعري من الغزارة بحيث لم تستوعبه دواوينه العشرة التي صدرت تباعا بدءا من "الركب التائه عن وزارة الإعلام سنة 1963 الناشر وزارة الإعلام"، "ليالي الصيف عن دار الخراز سنة 1970"، " نماذج عن الدار العربية للكتاب سنة 1981" ،" المواسم عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان سنة 1986"، "نوافذ، عن الدار العربية للكتاب سنة 1987"، " الفراشة، مجلة الثقافة العربية سنة 1988"، "الزهرة والعصفور، عن الدار الجماهيرية 1992" ، " الجسور عن الدار الجماهيرية سنة 1998" ، "ألحان ليبية، عن الدار الجماهيرية سنة 1998"، " تقاسيم على أوتار مغاربية، عن الدار الجماهيرية سنة 1998"
هذا هو الشاعر حسن السوسي الذي أطل على دنيا الشعر منذ أربعينيات القرن الماضي بقصائده التي نشرت في الصحف والمجلات الليبية والعربية نذكر منها برقة الجديدة ، البشائر، الثقافة العربية، العربي الكويتية ، الثورة ، الضاد السوريتين، وملحق العالم الأسبوعي المغربية، وغيرها، كما نشرت مختلف المواقع الإلكترونية كثيرا من أعماله ونذكر منها على سبيل المثال موقع مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري التي نشرت أيضا بعض أعماله ضمن إصدارتها الورقية كديوان الشهيد محمد الدرة، وكتاب مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين.
شاعرنا الكبير حسن السوسي الذي لم تتمكن السنون من كبح عنفوان شعره، وهو الذي قال حين أحس بتقدم العمر عند بلوغه سن الستين في قصيدته " هاجس العمر":
هاجس العمر، وحلم الأبـــــــــــد
موعــــــد .. ميقاته بعد غــــــــد
عشت أرجوه على جمر الغضـــا
راعـش المهــجة واهي الجـــسد
حــــيرة التـائه من زادي لـــــــه
واضـــطراب الخــائف المرتعـــد
يلهب الشوق الرؤى في خاطري
ويصــحي حلـــما في خلــــــــدي
هذا هو شاعرنا الكبير الراحل حسن السوسي الذي كان شاعرا معجونا بالمحبة في كل تفاصيل حياته والذي يبدو أن هاجس العمر هذا لم يكبح عنفوان شعره فقد كانت هذه القصيدة سنة 1984 أي بعد صدور ديوانه الثالث "نماذج" ثم أردفه بسبعة دواوين أخرى على مدى السنوات التالية ناهيك عن المخطوط الذي لم ينشر. فإذا به يغادرنا بعد صراع طويل مع مرض نتج عن خطأ طبي!!! وكما عاش شاعرا كبيرا دون ضجيج هاهويرحل بهدوء ودون ضجيج في ساعة متأخرة من ليل الأربعاء الموافق 21/11/2007، يرحل عنا هذا الشاعر الرقيق مجنيا عليه في خطأ طبي وهو الذي لم يجن على أحد في حياته! وهنا لا يسعني سوى أن أكرر سؤالي الحائر الذي زفرت به في مرارة فور قراءتي نعي شاعرنا الراحل: إلام يظل هذا العبث الطبي في بلادنا؟؟ هذا العبث الذي كم اغتالت يداه نفوسا وأعطبت أجساد!
كانت فجيعتي بخبر الوفاة حين طالعت الخبر في صحيفة ليبيا اليوم الإلكترونية عند الساعة الثالثة صباح الخميس الموافق 22/7/2007 .
برزت لي لقاءاتي القليلة معه حين تشرفت بالمشاركة معه في أمسية شعرية نظمت بدعوة من الأستاذ الشاعر رجب الماجري وبرعايته كرئيس للجنة الثقافية لنقابة المحامين صحبة الشعراء محمد المهدي وراشد الزبير السنوسي . سنة 2003" كما برزت أيضاً المرات التي قابلته فيها في البركة وشارع مصراتة، كان شاعرا رهيفا حتى في تعامله كما كان سمته الخجول هو الغالب، كذلك تذكرت أحاديث أستاذي وصديقي الأستاذ حسين مخلوف عن شاعرنا الراحل الذي كثيرا ما كان محورا لحديثنا.
وهكذا وجدتني أدون تعليقا على الخبر في صحيفة ليبيا اليوم عن ذلك الفارس الذي ترجل.. غاب حسن السوسي أو ترجل عن جواده كما يقال لكنه سيظل حيا بيننا في قصائده ودواوينه التي خلفها.. الموت حق وهناك حقيقة لا كفر فيها .. الشاعر لا يموت.. الشاعر لا يموت!
فما بالك بشاعر كالمرحوم حسن السوسي الذي كان شاعرا في كل شيء في تعامله في سمته الحيي الخجول.. كان يشع بالمحبة لكل من يلتقيه مهما كانت درجة معرفته به وهكذا كان الراحل حسن السوسي شاعرا حتى الرمق الأخير.. وكأني أتخيله وهو يودعنا قائلا:
ذات صمت
في سكون ليلة أربعاء
مضيت...
كي أريح هامتي
من ركام سنين
أعياها الرحيل
في صحارى العشق
وبين مرافئ الكلمات
أموت؟!
وأنا القائل منذ سنوات:
"إذا السبعون ما وعظت** وقد زدنا لها خمسا"
أنا لن أموت
الموت حق
لكن هناك حقيقة لا كفر فيها
الشاعر لا يموت
الشاعر لا يموت!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق