الأربعاء، 28 يناير 2015

الذي يأتي ولا يأتي - الصادق النيهوم ...

الذي يأتي ولا يأتي
الصادق النيهوم

    الصادق النيهوم كان كاتباً غير عادي، وقد أثارت كتاباته، طيلة حياته - وربما ما تزال في تقديرنا - أصداء ستتردد لفترة طويلة.
وإحساساً بقيمة هذا الكاتب وعطائه الغزير. بادرت (دار تالة) إلى تجميع نتاج النيهوم المتناثر في عديد من الصحف والدوريات، سواء في ليبيا أو خارجها. مما لم يسبق إصداره، بعد الاتفاق مع ورثته، ونشره في سلاسل تحوي أعماله كافة ورأت أن تطلق عليها اسم (مكتبة النيهوم) .
-----
النيهوم والبياتي :

   عرف عن الصادق النيهوم دراساته الفلسفية والاجتماعية وإبداعاته الروائية أما الدراسات الأدبية فقد كانت غائبة عند خصوصاً في آخر أيامه، أو في حياته الأخيرة حيث ركز على الأمور الفلسفية ولكن بعد رحيله تولت إحدى دور النشر جمع ما كتبه من المقالات والأبحاث أياً  كانت وأخذت تصدرها في سلسلة متوالية - مقالات - دراسات - روايات - أبحاث.
     وكتابه الذي يأتي ولا يأتي هو دراسات عن شعر الشاعر العراقي الراحل عبدالوهاب البياتي شملت عناوين منها: البياتي نطلق مرة أخرى إلى بعد شعري جديد - الرؤية الشعرية المركبة، اتجاه جديد لأعمال البياتي - تطور التعبير في اتجاه فكر القناع المحاور لموضوع خارجي، فكرة القناع الخارجي لا تحقق أعلى مستوياتها في هذا الديوان - بداية القناع الداخلي جاءت خلال عام 1957م - لقاء في المعرة كانت خطوة مباشرة - من البيركامو إلى الحلاج - الطريق عبر اللامنتمي.
    وتصدرت الأبحاث والدراسات الأدبية التي كتبها عن الشاعر البياتي حيث شكلت كتاباً قيماً يربطه خيط قوي يجمع الدراسات بشكل عضوي متكامل وعلى قدرة النيهوم النقدية، وتمكنه من الدخول إلى الأعماق في الشأن الإبداعي لدى الآخر من جراء اتكاله على خلفية ذوقية - ثقافية رفيعة ففي موضوع (الرؤية الشعرية المركبة يدخل الصادق النيهوم إلى عالم الكتاب بتمهيد عريض يبدأه ب "كانت الفكرة قد تحققت بصورة بدائية في (موت المتنبي) التي نشرت بين قصائد (كلمات لا تموت)، وكان البياتي هدف بوضوح إلى إقرار فكرة (القناع) باعتبارها أحسن ما لديه في مقابل التقديرية الحادة، فقد اكتشف الشاعر - خلال تطوافه المرهق وراء وسيلة مجدية التعبير - إن (الكلمات) وحدها لا تكفي لملاحقة أبعاد رؤياه الشاسعة، فالشعر أكبر من الكلمات في نهاية المطاف، وتحقيق الرؤيا بأدوات الخطابة عمل سيئ انتهى عصره منذ (سامي البارودي).
   وقد اتجه البياتي إلى الفور إلى تطوير فكرة (القناع) باعتبارها أكثر الوسائل جدوى لملاحقة رؤياه الشعرية، وهي فكرة تهدف إلى إيجاد زاوية تاريخية للتعبير عن موقف درامي معاصر، وكان ت.س. اليوت قد قام بتحقيقها على نطاق الفلسفة العالمية، وحققها (شارلي شابلن) في (أضواء المدينة)، و(شوقي) في مسرحية (عنترة)، وكانت الفكرة ذاتها مألوفة للشعر العربي فيما يخص البناء اللفظي باسم (الازدواج)، ولكنها ظلت سطحية مشوهة من الأصالة حتى كتب (جبران) كتابه النبي) الذي استمد زواياه من كتاب (نيتشه): (هكذا تكلم زرادشت):
   وبالنسبة للبياتي فقد بدت الفكرة أكثر مباشرة، وتحققت الخطوة الأولى عندما برز (أبو زيد السروجي) في إحدى قصائد البياتي اعتباره (قناعاً تاريخياً) لكل الرجال المشوهين ذوي الموقف الزئبقي في مواجهة الثورة:
كان يغني
عندما أغار هولاكو على بغداد
واستسلمت "طرواد"
وعلقت في قلب مدريد وفي أبوابها الأعواد
لأنه كان بلا ميعاد
يظهر في كل زمان، راكباً
بغلته البرصاء
يتبعه الجراد والوباء)
   وكان البياتي - حتى نهاية عام 1960م - ما يزال يحمل (قناعة) في يده ويضعه على وجوه الآخرين، فيما يتخذ (هو) موقف الراوي الذي كان يتخذه الحريري وشهرزاد، وبقية القصاصين في أزقة الشرق، وكان من المتوقع أن يحذو البياتي حذو ت.س. اليوت ويضع (القناع) فوق وجهه في أية لحظة عبر محاولات البحث المرهق عن زوايا الرؤية. 
جريدة الرياض - الخميس 16 رمضان 1423العدد 12571 السنة 38 - 21 نوفمبر 2002 .


  
حمله من هنا  أو  حمله من هنا

ليست هناك تعليقات:

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة