الخيال الشعري عند العرب
أبو القاسم الشابي
حمله من هنا أو حمله من هنا
حمله من هنا أو حمله من هنا
حمله من هنا أو حمله من هنا
تحتفل تونس هذا العام،
2004، بمرور سبعين عاما على رحيل الشاعر أبي القاسم الشابي الذي توفي في خريف 1934
عن سن تناهز 25 عاما. وبرغم موته المبكر، فإنه ترك إنتاجا شعريا ونثريا مهما دل
على موهبة عالية، وعلى ثقافة عميقة، وعلى إحساس فني نادر في الحقبة الزمنية التي
عاش فيها، وحتى في الحقب اللاحقة، لا على مستوى تونس، فحسب، وإنما على مستوى
العالم العربي برمته. فبالإضافة الى ديوانه «أغاني الحياة» ترك أبو القاسم الشابي مذكرات
ورسائل، رسم فيها بدقة وصدق صورة للحياة الثقافية والسياسية في زمنه، كما ترك العديد
من المقالات حول الشعر التونسي والمغربي، وأثرا نقديا فريدا من نوعه، اعني بذلك، «الخيال
الشعري عند العرب» الذي هو بمثابة قراءة معمقة للشعر العربي القديم، وللأساطير
التي أنتجها خيال العرب قبل الإسلام وبعده.
يرى الشّابي أنّ الإنسان مضطرٌّ إلى الخيال بطبعه، ومحتاج إليه بفطرته، لأنّ فيه غذاءَه الرّوحي والمادّي. وإنّ اضطراره إليه جعله في نظره حقيقة لا خيالا، وما أصبح يَعرف الخيال من الحقيقة إلا بعد أنْ تطورت نظرته إلى الحياة ومظاهرها المختلفة.
ولكنه رغم كل ذلك لم يزَل بحاجة إلى الخيال، لأنه، وإن أصبح يحتكم إلى العقل، ويستطيع التعبير عن خوالـج نفسه، فهو لم يزل يحتكم إلى الشعور، وسيظل كذلك، لأنّ الشعور هو العنصر الفعال والأساس عـند البشر.
والخيال أنواع، هناك الخيال الفنّي الذي تنطبع فيه النظرة الفنيّة التي يُلقيها الإنسان على هذا العالم الواسع، والخيال الشعري الذي يضرب بجذوره إلى أبعد غَوْر في صميم الشعور. والخيال الصناعي الذي هو ضرب من الصناعات اللفظيّة، ويسمى أيضا "الخيال المجازي" لأنه مجاز على كل حال، سواء قصد منه المجاز ، أو لم يقصد منه ذلك كما عند الإنسان القديم.
وحدّد الشابي مجال بحث "الخيال الشعري عند العرب" في الخيال الذي يتكشّـف عن نهر الإنسانية الجميل الذي أوله لا نهاية الإنسان، وهي الروح، وآخره لا نهاية الحياة، وهي الذات الإلهية. أي البحث عند العرب عـن الخيال الشعري أو الخيال الفني عبر تلك الثروة الأدبية والمعرفية الطائلة حتى تُبيّـنُ ما عليه هذا الخيال من قوة إنتاج وإبداع، وصُوَرٍ مُغرية من فنون الخيال.
ولكنه رغم كل ذلك لم يزَل بحاجة إلى الخيال، لأنه، وإن أصبح يحتكم إلى العقل، ويستطيع التعبير عن خوالـج نفسه، فهو لم يزل يحتكم إلى الشعور، وسيظل كذلك، لأنّ الشعور هو العنصر الفعال والأساس عـند البشر.
والخيال أنواع، هناك الخيال الفنّي الذي تنطبع فيه النظرة الفنيّة التي يُلقيها الإنسان على هذا العالم الواسع، والخيال الشعري الذي يضرب بجذوره إلى أبعد غَوْر في صميم الشعور. والخيال الصناعي الذي هو ضرب من الصناعات اللفظيّة، ويسمى أيضا "الخيال المجازي" لأنه مجاز على كل حال، سواء قصد منه المجاز ، أو لم يقصد منه ذلك كما عند الإنسان القديم.
وحدّد الشابي مجال بحث "الخيال الشعري عند العرب" في الخيال الذي يتكشّـف عن نهر الإنسانية الجميل الذي أوله لا نهاية الإنسان، وهي الروح، وآخره لا نهاية الحياة، وهي الذات الإلهية. أي البحث عند العرب عـن الخيال الشعري أو الخيال الفني عبر تلك الثروة الأدبية والمعرفية الطائلة حتى تُبيّـنُ ما عليه هذا الخيال من قوة إنتاج وإبداع، وصُوَرٍ مُغرية من فنون الخيال.
حمله من هنا أو حمله من هنا
حمله من هنا أو حمله من هنا
حمله من هنا أو حمله من هنا
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي
* شاعر الخضراء *
الشابي حياة قصيرة زاخرة بالأشعار
* شاعر الخضراء *
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي شاعر تونسي، وينتمي لشعراء العصر الحديث، أطلع على الشعر العربي القديم والحديث بالإضافة للشعر الغربي وكانت له أرائه الأدبية المميزة، عاني أبو القاسم الشابي من المرض الذي أودى بحياته وهو ما يزال في ريعان الشباب، وعلى الرغم من رحلته القصيرة في هذه الحياة إلا أنه قدم عدد من المؤلفات، بالإضافة لديوان شعر تضمن قصائده التي قدمها خلال حياته.
تميز الشابي بأشعاره الرومانسية، ولغته المشرقة وكان أحد صور التجديد في المدرسة الشعرية الكلاسيكية.
النشأة
ولد أبو القاسم الشابي عام 1909م بقرية الشابية من ضواحي توزر عاصمة الواحات التونسية بالجنوب، كان والده محمد الشابي قاضياً تلقى دراسته بالأزهر الشريف بمصر وحصل على الإجازة المصرية، وقد كان أبو القاسم مرافقاً لوالده في جميع المدن التونسية التي عمل بها.
حصل أبو القاسم على شهادة الابتدائية ثم أنتقل إلى تونس العاصمة وهناك واصل دراسته الثانوية بجامع الزيتونة، درس كل من الفقه واللغة العربية وكان دائم الذهاب إلى المكتبة للإطلاع على المزيد من الكتب، فكانت كل من مكتبة قدماء الصادقية والمكتبة الخلدونية هما المكانين الأساسيين اللذان يفد عليهما أبو القاسم ليستقي معارفه فأطلع على الأدب العربي القديم والحديث، والدواوين الشعرية، كما سعى للإطلاع على الأدب الأوروبي عن طريق المترجمات العربية، بالإضافة لحرصه على حضور المجالس الأدبية والفكرية.
بعد أن أنتهي الشابي من دراسته الثانوية قام بالالتحاق بمدرسة الحقوق بتونس وحصل منها على شهادته في الحقوق عام 1930م.
رحلته الأدبية والشعرية
قدم أبو القاسم الشابي العديد من الآراء الجريئة والتي عبر عنها في كتاب " الخيال الشعري عند العرب" والذي استعرض فيه كل ما أنتجه العرب من شعر، فتحدث فيه عن الصورة الشعرية واضعاً الأمثلة الدالة على ما يذهب إليه الشعر العربي في العصور المختلفة، وعمل على عقد مقارنة بين نماذج من الشعر العربي ومقتطفات من أدب الغرب، وذلك ليثبت أن العرب تمسكوا بالصورة المادية في شعرهم وجعلوا منها محور القول والتفكير وأن الغرب تمعنوا أكثر فيما وراء الماديات مما زاد في الخرافات والأساطير في الشعر والنثر عندهم.
عكف أبو القاسم الشابي على كتابة الشعر والإطلاع على الكتب الأدبية وحضور المجالس الأدبية وعلى الرغم من فترة حياته القصيرة إلا انه تمكن من إصدار عدد من المؤلفات وقدم العديد من القصائد الشعرية المتميزة.
قام بكتابة مذكراته وله ديوان شعر مطبوع بعنوان " أغاني الحياة"، وكتاب الخيال الشعري عند العرب، وأثار الشلبي، ومذكرات.
تميز شعر أبو القاسم الشابي بالرومانسية وحب الطبيعة، وقد سيطر عليه في بعض قصائده إحساسه بالخوف من الموت ورفضه له فظهرت قصائده محتوية على الكثير من الأسى، وقد دعا أبو القاسم في شعره إلى تأمل النفس وحب الطبيعة، وظهر إحساسه العميق بكل ما يحيط به، وقد تضمن شعره العديد من العناصر فعبر عن الكون والحياة والموت والبشر والحب والمرأة.
مما قاله:
سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ
كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ
أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً
بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ
لا أرْمقُ الظِّلَّ الكئيبَ ولا أرَى
مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّوداءِ
وأَسيرُ في دُنيا المَشَاعرِ حالِماً
غَرِداً وتلكَ سَعادةُ الشعَراءِ
أُصْغي لمُوسيقى الحَياةِ وَوَحْيِها
وأذيبُ روحَ الكَوْنِ في إنْشَائي
|
وفي قصيدة أخرى يقول
ليتَ لي أنْ أعيشَ في هذه الدُّنيا
سَعيداً بِوَحْدتي وانفرادي
أصرِفُ العُمْرَ في الجبالِ وفي الغاباتِ
بَيْنَ الصّنوبرِ الميَّادِ
لَيْسَ لي من شواغلِ العيشِ مَا يصرف
نَفْسي عنِ استماع فؤادي
أرْقُبُ الموتَ والحياةَ وأصغي
لحديثِ الآزالِ والآبادِ
وأغنِّي مع البلابلِ في الغابِ
وأُصْغي إلى خريرِ الوادي
وأُناجي النُّجومَ والفجرَ والأطيارَ
والنَّهرَ والضّياءَ الهادي
|
الوفاة
جاءت وفاة والد أبا القاسم لتكون واحدة من الضربات الموجعة التي تلقاها في حياته، هذا بالإضافة لإصابته بداء في القلب ومعاناته في ظل المرض وملازمته للفراش حتى جاءت وفاته، توفي أبو القاسم الشابي وهو ما يزال في ريعان الشباب عام 1934م وتم دفنه بروضة الشابي بقريته.
من قصائده نذكر
أَيُّها الشَّعْبُ ليتني كنتُ حطَّاباً
فأهوي على الجذوعِ بفأسي
ليتني كنتُ كالسُّيولِ إِذا سالتْ
تَهُدُّ القبورَ رمساً برمسِ
ليتني كنتُ كالرِّياحِ فأطوي
كلَّ مَا يخنقُ الزُّهُورَ بنحسي
ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّي
كلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي
ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبي
فأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي
|
قصيدة "صلوات في هيكل الحب"
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام
كاللحن كالصباح الجديد
كالسَّماء الضَّحُوكِ كاللَّيلَةِ القمراءِ
كالوردِ كابتسامِ الوليدِ
يا لها مِنْ وَداعةٍ وجمالٍ
وشَبابٍ مُنعَّمٍ أُمْلُودِ
يا لها من طهارةٍ تبعثُ التَّقديسَ
في مهجَةِ الشَّقيِّ العنيدِ
يا لها رقَّةً تَكادُ يَرفُّ الوَرْدُ
منها في الصَّخْرَةِ الجُلْمودِ
أَيُّ شيءٍ تُراكِ هلْ أَنْتِ فينيسُ
تَهادتْ بَيْنَ الوَرَى مِنْ جديدِ
|
قصيدة إرادة الحياة
إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ
ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِ
تَبَخَّرَ في جَوِّها واندَثَرْ
فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُ
من صَفْعَةِ العَدَمِ المنتصرْ
|
هل تطاول أبو
القاسم الشّابي على الخيال الشّعري؟.
مجلة الدوحة - د.نزار شقرون
هل تطرّف الشّاعر أبو القاسم الشابي في نثره مثلما تطرّف في شعره في منظور أبناء جيله حين اعتبروا «إرادة الحياة» تطاولاً على القدر؟ هل خدش الشابّي الصّورة النّموذجيّة للخيال عند العرب، فـ«تطاول» على ذاكرتهم البلاغيّة وقدرتهم على بناء العالم التخييلي في الشعر؟.
لقد وقف الشّابي ضدّ مألوف الرّؤية الشّعريّة بشكل متناظر مع سعيه إلى التّجديد. فاصطدم بالذّائقة العربيّة حين واجه بشكل متميّز وعجيب «الخيال الشّعري عند العرب». لقد توقّف الشّابي عند جوهر ماهيّة الشّعر، أي عند الرّؤية الشّعريّة التي تكون بمثابة المولّد الرّئيسي للفعل الإبداعي، وهو في هذا الوقوف ما يزال راهنيّاً، فمجمل الكتابات والتّجارب العربيّة الرّائدة ما تزال تواجه «الرّؤية المحنّطة للخيال العربي» التي تحوّلت لدى المتلقّي العربي إلى نوع من الطّوطم، لا تنبغي مهاجمته ولا زحزحته عن كاهل الشّعريّة العربيّة. لقد اختار الشّابي أن يكون في رؤيته متّصلاً بالرّؤية الغربيّة التي لها «رنّة عميقة داوية» في مقابل الرّؤية العربيّة ذات «الرنّة السّاذجة البسيطة»، وما هذه الرّنّة إلا إيقاعيّة الشّعريّة الثّائرة التي تتوهّج في أعماق الحياة والوجود، وبقدر ما تلمّس الشّابي راهنيّة «لامارتين» و«غوته» في عصره نستشعر راهنيّة الشابّي اليوم دون أن نخفي موقفنا النّقدي من كلّ الكتابات التي زعمت قراءة الشّابي دون أن تقرأه فعلاً.
لذلك عدّ كتاب الشابي «الخيال الشّعري عند العرب» في نوعه صيغة متداخلة للنّقد والتّنظير والتّبشير، فعلاً، ثمّة بعد تبشيري في الكتاب وهو سمة البيانات التي تنزع إلى تحطيم السّائد ثمّ التّلويح بأفق جديد. ولئن صحّ القول، بنسبة ضئيلة، إنّ الشّابي شحيح في الحديث عن تجربته فإنّه في تنظيره للشعر مفهوماً وتشكيلاً جعل من ذات الشّاعر ذاتاً نموذجيّة حامت حولها جميع تصوّراته. ففي حديثه عن الشّاعر بإطلاقٍ إدماجٌ لذاته في هذه الذّات الشّعريّة الكونيّة، وإذا ما فهمنا هذا الأسلوب الذي يتّبعه الشّابي فإنّنا نسحب، بذلك، جميع مكوّنات الرؤية الشعريّة العامّة للشّعر إلى رؤيته المخصوصة، فندرك، بهذا، أنّ رؤيته لـ«الشعريّة الجديدة» نابعة من تجربته الذّاتيّة عكس ما ذهب إليه بعض النّقّاد، ومن بينهم إحسان عبّاس حين أنكر على الشّابي ذلك بقوله: «لا يحدّثنا الشّابي عن لحظة الإبداع في حياته الشعرّية، وهو في حديثه عن الخيال الشعري عند العرب يستشهد بتجارب غيره، ولا يقف عند تجربته الذّاتيّة في هذا المجال» ولكنّ كتاب «الخيال الشعري عند العرب» يصدر عن تجربة مخصوصة لذات الشّابي، وربّما مثل التباس تصنيف نوع الكتاب في هذا الحكم القاسي.
واجه الشّابي معارضة من قبل النّقاد في تونس وفي المشرق، فنقدُ الشعر العربي القديم أثار مواقف ضديّة قديمة وحديثة تفيد نوعاً من الاتّفاق النّقدي المشرقي أساساً حول «مغالاة» الشّابي وإفراطه في الحماسة. واللاّفت أنّ الشابي دفع بالكتاب إلى المطبعة بعد سنة من إلقاء محتواه في شكل محاضرات «دون أيّ تنقيح أو زيادة أو حذف» كما أكّد هو نفسه في تصدير الكتاب، و يرسّخ هذا التشديد إمعان صاحبه في المحافظة على أفكاره رغم عداوة البعض لها، وهي ممارسة تجنح إلى بيان إصراره على تأكيد سمتين أساسيّتين في الكتاب: أولاهما نبرة التّمرّد والجرأة، وثانيتهما عدم التّراجع عن أفكار الكتاب.
بعد صدور الكتاب ببضع سنوات، يقدّمه الكاتب مختار الوكيل في مقالة بمجلّة «أبولو»، فيعارض ما ذهب إليه الشّابي من إنكار الخيال الشعري عند العرب، عادّاً هذا الحكم متطرّفاً، ولئن التمس عذراً للشابي بردّ الحكم إلى «شحذ القرائح واستنهاض الهمم حتّى يصل الخيال الشعري على أيدي الشباب العرب إلى درجة سامية لم يحلم بها السّابقون في هذا الميدان». فإنّنا نجد في هذا العذر/المبرّر نوعاً من النّقد الملطّف، وهو ما يتكرّر في كتابات نقديّة أكثر عمقاً ومعاصرة، فنعثر على الموقف ذاته للنّاقدة سلمى الخضراء الجيّوسي التي اتّهمت الشّابي بعدم فهمه لروح العالم القديم وشعره وحركة الفنّ في المجتمع الجاهلي أو الإسلامي، وهو اتّهام ينقض -كلّيّة- مشروع الشابي في كتابه «الخيال الشعري عند العرب»، ويعني ذلك أنّ الشابي يفتقر إلى آليّات قراءة النّتاج الشعري القديم، وهذا ما صرّحت به الجيّوسي.
إنّ مجمل الموقف النّقدي يفنّد تصوّرات الشابي، ويحكم على ثقافته بالهشاشة، وهو ما تسبّب نسبيّاً في إهمال النّقد لهذا الكتاب، وكأنّ نتائجه هزيلة ومردودة على صاحبها حيث لم يقع غير تثمين نبرة الشابي دون محتوى رؤيته في صيغة تنفي عنه صفة النّاقد والمنظّر، ولا تجلّ غير صفة الشاعر. ولا يعني ذلك أنّ المتعاطفين مع كتاب الشابي قد أنصفوه أيضاً لأنّ تمجيدهم للكتاب وُجِّه نحو مساندة الشابي في هجومه على الجمود في الشعر القديم. فمن بين معاصري الشابي ينتصر زين العابدين السنوسي للكتاب بقوله: «الشيخ أبو القاسم لم يتحاشَ أن يصادم، في كثير من النقد بخطابه ذاك، مراكز كانت نفوسنا متوطّنة عليها. إذ صارحنا في هذا السّمر بنقد الأدب العربي، الذي خلدت نفوسنا، منذ أمد الدّراسة، على أنّه مقدّس وعلى أنّه المثال الأعلى الذي يجب أن يرفع له ذوو الكفاءات نتائجهم في وجل». ومن بين اللاّحقين من النقّاد نعثر على رأي شوقي أبو شقرا بقوله: «أهميّة الشابي في هذا الكتاب هي وقفته الرّافضة»، فيتوافق المساندون مع الرّافضين في إقرار «نبر الشابي»، ويهاجم الرافضون محتوى الكتاب بينما يسكت المساندون عن الخصائص التّثويريّة له.
إزاء التّلقّي السلبي للنّقاد سارع الشّابي إلى الردّ على المشارقة دون التّونسيين، متّهماً إيّاهم بقصور الفهم وعدم التّمييز بين نوعين من الخيال: «الخيال الصّناعي»، و«الخيال الفنّي». ولكنّ هذا الردّ والتّوضيح لم يلجما النّقد «المشرقي» عن مواصلة تأكيد الحكم بتسرّع الشابي في دراسته للأدب العربي وافتقاره لثقافة واسعة تجعله على بيّنة بخصائص الشعريّة العربيّة. ولقد حدس الشابي أنّه يتعرّض لمسألة في غاية التّركيب وهي مسألة «الخيال»، بل إنّه لامس أخطر مكوّن في العمليّة الشعريّة برياديّة واضحة، حيث لم تشهد تلك الفترة التّاريخيّة تناولاً لـ«الخيال الشعري العربي»، وحسبه أنّه كان فاتحاً لهذا المدار الفكري في نقد الشعر. لذلك جاء خطاب كتابه ملتبَساً بين روح الشّاعر الذي اكتشف أرضاً بكراً في التّفكير العربي وبين بناء كتابي يجمع بين صنعة النّقد وأدوات المفكّر والمنظّر.
هل تطرّف الشّاعر أبو القاسم الشابي في نثره مثلما تطرّف في شعره في منظور أبناء جيله حين اعتبروا «إرادة الحياة» تطاولاً على القدر؟ هل خدش الشابّي الصّورة النّموذجيّة للخيال عند العرب، فـ«تطاول» على ذاكرتهم البلاغيّة وقدرتهم على بناء العالم التخييلي في الشعر؟.
لقد وقف الشّابي ضدّ مألوف الرّؤية الشّعريّة بشكل متناظر مع سعيه إلى التّجديد. فاصطدم بالذّائقة العربيّة حين واجه بشكل متميّز وعجيب «الخيال الشّعري عند العرب». لقد توقّف الشّابي عند جوهر ماهيّة الشّعر، أي عند الرّؤية الشّعريّة التي تكون بمثابة المولّد الرّئيسي للفعل الإبداعي، وهو في هذا الوقوف ما يزال راهنيّاً، فمجمل الكتابات والتّجارب العربيّة الرّائدة ما تزال تواجه «الرّؤية المحنّطة للخيال العربي» التي تحوّلت لدى المتلقّي العربي إلى نوع من الطّوطم، لا تنبغي مهاجمته ولا زحزحته عن كاهل الشّعريّة العربيّة. لقد اختار الشّابي أن يكون في رؤيته متّصلاً بالرّؤية الغربيّة التي لها «رنّة عميقة داوية» في مقابل الرّؤية العربيّة ذات «الرنّة السّاذجة البسيطة»، وما هذه الرّنّة إلا إيقاعيّة الشّعريّة الثّائرة التي تتوهّج في أعماق الحياة والوجود، وبقدر ما تلمّس الشّابي راهنيّة «لامارتين» و«غوته» في عصره نستشعر راهنيّة الشابّي اليوم دون أن نخفي موقفنا النّقدي من كلّ الكتابات التي زعمت قراءة الشّابي دون أن تقرأه فعلاً.
لذلك عدّ كتاب الشابي «الخيال الشّعري عند العرب» في نوعه صيغة متداخلة للنّقد والتّنظير والتّبشير، فعلاً، ثمّة بعد تبشيري في الكتاب وهو سمة البيانات التي تنزع إلى تحطيم السّائد ثمّ التّلويح بأفق جديد. ولئن صحّ القول، بنسبة ضئيلة، إنّ الشّابي شحيح في الحديث عن تجربته فإنّه في تنظيره للشعر مفهوماً وتشكيلاً جعل من ذات الشّاعر ذاتاً نموذجيّة حامت حولها جميع تصوّراته. ففي حديثه عن الشّاعر بإطلاقٍ إدماجٌ لذاته في هذه الذّات الشّعريّة الكونيّة، وإذا ما فهمنا هذا الأسلوب الذي يتّبعه الشّابي فإنّنا نسحب، بذلك، جميع مكوّنات الرؤية الشعريّة العامّة للشّعر إلى رؤيته المخصوصة، فندرك، بهذا، أنّ رؤيته لـ«الشعريّة الجديدة» نابعة من تجربته الذّاتيّة عكس ما ذهب إليه بعض النّقّاد، ومن بينهم إحسان عبّاس حين أنكر على الشّابي ذلك بقوله: «لا يحدّثنا الشّابي عن لحظة الإبداع في حياته الشعرّية، وهو في حديثه عن الخيال الشعري عند العرب يستشهد بتجارب غيره، ولا يقف عند تجربته الذّاتيّة في هذا المجال» ولكنّ كتاب «الخيال الشعري عند العرب» يصدر عن تجربة مخصوصة لذات الشّابي، وربّما مثل التباس تصنيف نوع الكتاب في هذا الحكم القاسي.
واجه الشّابي معارضة من قبل النّقاد في تونس وفي المشرق، فنقدُ الشعر العربي القديم أثار مواقف ضديّة قديمة وحديثة تفيد نوعاً من الاتّفاق النّقدي المشرقي أساساً حول «مغالاة» الشّابي وإفراطه في الحماسة. واللاّفت أنّ الشابي دفع بالكتاب إلى المطبعة بعد سنة من إلقاء محتواه في شكل محاضرات «دون أيّ تنقيح أو زيادة أو حذف» كما أكّد هو نفسه في تصدير الكتاب، و يرسّخ هذا التشديد إمعان صاحبه في المحافظة على أفكاره رغم عداوة البعض لها، وهي ممارسة تجنح إلى بيان إصراره على تأكيد سمتين أساسيّتين في الكتاب: أولاهما نبرة التّمرّد والجرأة، وثانيتهما عدم التّراجع عن أفكار الكتاب.
بعد صدور الكتاب ببضع سنوات، يقدّمه الكاتب مختار الوكيل في مقالة بمجلّة «أبولو»، فيعارض ما ذهب إليه الشّابي من إنكار الخيال الشعري عند العرب، عادّاً هذا الحكم متطرّفاً، ولئن التمس عذراً للشابي بردّ الحكم إلى «شحذ القرائح واستنهاض الهمم حتّى يصل الخيال الشعري على أيدي الشباب العرب إلى درجة سامية لم يحلم بها السّابقون في هذا الميدان». فإنّنا نجد في هذا العذر/المبرّر نوعاً من النّقد الملطّف، وهو ما يتكرّر في كتابات نقديّة أكثر عمقاً ومعاصرة، فنعثر على الموقف ذاته للنّاقدة سلمى الخضراء الجيّوسي التي اتّهمت الشّابي بعدم فهمه لروح العالم القديم وشعره وحركة الفنّ في المجتمع الجاهلي أو الإسلامي، وهو اتّهام ينقض -كلّيّة- مشروع الشابي في كتابه «الخيال الشعري عند العرب»، ويعني ذلك أنّ الشابي يفتقر إلى آليّات قراءة النّتاج الشعري القديم، وهذا ما صرّحت به الجيّوسي.
إنّ مجمل الموقف النّقدي يفنّد تصوّرات الشابي، ويحكم على ثقافته بالهشاشة، وهو ما تسبّب نسبيّاً في إهمال النّقد لهذا الكتاب، وكأنّ نتائجه هزيلة ومردودة على صاحبها حيث لم يقع غير تثمين نبرة الشابي دون محتوى رؤيته في صيغة تنفي عنه صفة النّاقد والمنظّر، ولا تجلّ غير صفة الشاعر. ولا يعني ذلك أنّ المتعاطفين مع كتاب الشابي قد أنصفوه أيضاً لأنّ تمجيدهم للكتاب وُجِّه نحو مساندة الشابي في هجومه على الجمود في الشعر القديم. فمن بين معاصري الشابي ينتصر زين العابدين السنوسي للكتاب بقوله: «الشيخ أبو القاسم لم يتحاشَ أن يصادم، في كثير من النقد بخطابه ذاك، مراكز كانت نفوسنا متوطّنة عليها. إذ صارحنا في هذا السّمر بنقد الأدب العربي، الذي خلدت نفوسنا، منذ أمد الدّراسة، على أنّه مقدّس وعلى أنّه المثال الأعلى الذي يجب أن يرفع له ذوو الكفاءات نتائجهم في وجل». ومن بين اللاّحقين من النقّاد نعثر على رأي شوقي أبو شقرا بقوله: «أهميّة الشابي في هذا الكتاب هي وقفته الرّافضة»، فيتوافق المساندون مع الرّافضين في إقرار «نبر الشابي»، ويهاجم الرافضون محتوى الكتاب بينما يسكت المساندون عن الخصائص التّثويريّة له.
إزاء التّلقّي السلبي للنّقاد سارع الشّابي إلى الردّ على المشارقة دون التّونسيين، متّهماً إيّاهم بقصور الفهم وعدم التّمييز بين نوعين من الخيال: «الخيال الصّناعي»، و«الخيال الفنّي». ولكنّ هذا الردّ والتّوضيح لم يلجما النّقد «المشرقي» عن مواصلة تأكيد الحكم بتسرّع الشابي في دراسته للأدب العربي وافتقاره لثقافة واسعة تجعله على بيّنة بخصائص الشعريّة العربيّة. ولقد حدس الشابي أنّه يتعرّض لمسألة في غاية التّركيب وهي مسألة «الخيال»، بل إنّه لامس أخطر مكوّن في العمليّة الشعريّة برياديّة واضحة، حيث لم تشهد تلك الفترة التّاريخيّة تناولاً لـ«الخيال الشعري العربي»، وحسبه أنّه كان فاتحاً لهذا المدار الفكري في نقد الشعر. لذلك جاء خطاب كتابه ملتبَساً بين روح الشّاعر الذي اكتشف أرضاً بكراً في التّفكير العربي وبين بناء كتابي يجمع بين صنعة النّقد وأدوات المفكّر والمنظّر.
أبو القاسم الشابي: نظرة الشاعر العربي إلى المرأة نظرة دنيئة
سبعون عاما على رحيل صاحب «أغاني الحياة» ومحاضرة له مثيرة للجدل
جريدة الشرق الأوسط -السبـت 08 ذو الحجـة 1424هـ 31 يناير 2004 العدد 9195 :
حسونة المصباحي :
و«الخيال الشعري عند
العرب» هو في الأصل محاضرة كان أبو القاسم الشابي قد ألقاها وهو في الثامنة عشرة
من عمره في قاعة الخلدونية عام 1929، ولأن المحاضرة كانت مثيرة للجدل والنقاش،
خصوصا في أوساط الشباب المثقف، فإن زين العابدين السنوسي، الذي كان معروفا آنذاك
بتحمسه الشديد للظواهر الجديدة في النثر كما في الشعر، قرر إصدارها في كتاب بعد
حوالي سنة من إلقائها. وفي المقدمة كتب يقول: «لما سمعت هذه المحاضرة لأول مرة
خرجت من قاعة الاجتماع مهتمّ العقل أكثر مما كنت منبسط النفس، بل يكفيني ان أقول إنني
خرجت من تلك الجلسة منكمش النفس واجفها مع إنني كنت ممن صفقوا لأكثر مقدماتها
والمعجبين بدعاماتها ولغتها الشعرية الصريحة، بل كنت أنا نفسي الذي قدم حضرة
المسامر الى مئات المستمعين منوها بنبوغه الباكر ووجهته في التجديد الأدبي».
ويشير السنوسي في
المقدمة الى ان الجانب اللافت للانتباه في محاضرة الشاعر الشاب أبي القاسم الشابي هو
أنها كانت صادمة للعواطف والعقول، منتقدة لتلك الأفكار القديمة التي كان يطمئن إليها
أبناء الشرق، ولا يجرؤون على التنبيه لعيوبها ونقائصها. فهي بالنسبة لهم بمثابة «المقدس»
الذي لا يستحق منهم سوى التبجيل والتكريم والتنويه.
وبالفعل، فإن المحاضرة
المذكورة كانت صادمة في ذلك الوقت، تماما مثلما كان حال كتاب طه حسين «في الشعر
الجاهلي»، بل يمكن القول أنها لا تزال صادمة الى حد هذه الساعة، وجريئة إلى أبعد
حدود الجرأة، إذ أن صاحبها ذهب بعيدا في نقد الشعر العربي القديم، مشيرا الى عيوبه
وجفافه وخشونة ألفاظه وضعف صوره واستعاراته، ملمحا هنا وهناك الى ان العرب ليسوا
امة الشعر كما هم يزعمون، وأن هناك أمما أخرى تفوقهم في هذا المجال.
والواضح أن أبا القاسم
الشابي أعد لمحاضرته مواد جد متنوعة وجد ثرية استغرق جمعها وقتا طويلا. وبالرغم من
أنه كان يمشي «على ساق واحدة» مثلما كان يحب أن يقول، إي أنه لم يكن يعرف أية لغة أجنبية،
فإنه استعان ببعض من أصدقائه وتحديدا بالناقد القيرواني (نسبة إلى مدينة القيروان)
محمد الحليوي لكي يطلع على الشعر الرومانسي الغربي، وعلى التراث الشعري عند الإغريق
وعند الرومان، وأن يتعرف على الأساطير القديمة عند الأمم الأخرى. ومعتمدا على كل
هذا هاجم بعنف كل تلك الأفكار الجامدة والثابتة والجاهزة التي كانت سائدة في عصره،
والتي كانت تعتبر نقد التراث الشعري العربي القديم من المحرمات.
في القسم الأول الذي
حمل عنوان «الخيال الشعري والأساطير العربية» يتطرق أبو القاسم الشابي الى الأساطير
العربية القديمة، خصوصا تلك التي عرفها العرب قبل الإسلام، مشيرا إلى ضعفها، بل إلى
تفاهتها مقارنة بأساطير الأمم الأخرى كاليونان والرومان والآشوريين وقدماء
المصريين. ويكتب قائلا: «ورأيي في هذه الأساطير هو أنها لا حظ لها من وضاءة الفن وإشراق
الحياة، وان من المحال ان يجد الباحث فيها ما ألف أن يجده في أساطير اليونان
والرومان من ذلك الخيال الخصب الجميل، ومن تلك العذوبة الشعرية التي تتفجر منها
الفلسفة الغضة الناعمة تفجر المنبع العذب، بل انه ليعجزه ان يلغي فيها حتى تلك
الفلسفة الشعثاء الكالحة التي تطالعه في أساطير الاسكنديناف». ويضيف أبو القاسم الشابي
قائلا: «الأساطير العربية لا تنطوي على شيء من الفكر والخيال، ولا تمثل مظهرا من
مظاهر الكون أو عاطفة من عواطف الإنسان وإنما هي أنصاب بسيطة ساذجة شبيهة بلعب
الصبية وعرائس الأطفال، وبقية الأساطير لا تفصح عن فكر عميق أو شعور دقيق ولا ترمز
لمعنى من المعاني السامية وإنما هي ادني الى الوهم منها إلى أي شيء آخر».
ويعيد أبو القاسم الشابي
ضعف الأساطير العربية إلى أن العرب القدماء احتقروا هذا الفن وازدروه ولم يعنوا به
عنايتهم بالشعر والأمثال. وهو يرى أن ما اعتقد العرب أنه أساطير مثل تلك القصص
الطويلة التي يروونها عن عمر بن عدي وإضرابه ممن تخطفتهم الجن تعشقا أو انتقاما، أو
مثل تلك الأحاديث المستفيضة عن أيام العرب وحروبهم، أو مثل تلك الأخبار الدموية
التي يحكيها الرواة عن قبيلتي طسم وجديس، لا علاقة لها بالأسطورة بالمعنى الحقيقي
والعميق للكلمة، إذ أنها لا تساعد الإنسان ان يتعرف من ورائها على حقائق الكون
الكبيرة، ويتعمق في مباحث الحياة الغامضة مثلما هو الحال بالنسبة لأساطير اليونان
والرومان وقدماء المصريين وغيرهم من الأمم القديمة. ويصف الشابي الأساطير العربية
القديمة بأنها أساطير وثنية جامدة جافية لا تفقه الحق ولا تذوقت لذة الخيال، وأوهام
معربدة شاردة لا تعرف الفكر ولا اشتملت على شيء من فلسفة الحياة».
وفي الفصل الثاني الذي
سماه: «الخيال الشعري والطبيعة في الأدب العربي» ينتقد أبو القاسم الشابي الشعر
الجاهلي والشعر الأموي «لخلوهما من سحر الطبيعة وجمالها وفتنتها، والقصائد في
هاتين الفترتين جافة وخشنة، لأن الشعراء الذين كتبوها كانوا يعيشون في أرض محرومة
من الجمال الطبيعي الذي يستفز المشاعر ويؤجج الخيال. أرض عارية، قاحلة لا يعترض
العين فيها غير الفيافي المقفرة الموحشة والصحارى الضامية المترامية، يخطف في
حواشيها السراب». وحتى عندما يتحدث الشاعر الجاهلي والأموي في شعره عن الطبيعة
فإنه «لا يتحدث عنها بشغف الشاعر وخشوع المتعبد، بل هو يتناولها تناول القاص الذي
لا يحفل بجلال المشهد أو جماله وإنما الذي يهمه هو ان يصفه كما رآه دون ان يخلع
عليه حلة من شعوره أو عبقا من عواطفه».
وحتى في العصر العباسي
الذي بلغ فيه العرب ذروة حضارتهم، والذي تميز بظهور مدن عظيمة مثل بغداد، وباختلاط
بين الشعوب والثقافات، فإن علاقة الشاعر بالطبيعة ظلت سطحية أو لم تشهد لا العمق
ولا الثراء المنتظرين. أما في البلاد الأندلسية فقد عرف الأدب الطبيعي، بحسب الشابي
، تطورا عظيما حتى انه كاد «يسيطر على غيره من فنون الشعر». ففي الشعر الأندلسي أصبحت
الطبيعة، هي الحلم البهيج الذي يملأ قلوب الشعراء في سكرات الخيال، وهي الأغنية
المحببة «التي يترنم بها الأندلسيون في أمسياتهم الجميلة الحالمة ولياليهم العذبة
الفاتنة». وهكذا كان الأدب الأندلسي بالنسبة لأبي القاسم الشابي «ديباجة غضة ناعمة
وتعابير عذبة ناصعة ووصفا دقيقا جميلا». غير ان الشعر الطبيعي في العصر العباسي والأندلسي
لا يرتقي إلى مستوى الشعر الطبيعي عند الغربيين، ومستشهدا بفقرات من نصين شعريين
لكل من الفرنسي لامرتين والألماني جوته، يقول صاحب «أغاني الحياة بأن النظرة
العربية الى الطبيعة «بسيطة» مقارنة بالنظرة الغربية. وهي جد سطحية لأنها تتوقف
عند القشرة ولا تنفذ إلى الأعماق. ذلك ان
الشعراء العرب لم ينظروا إلى الطبيعة نظرة «الحيّ الخاشع إلى الحيّ الجليل» وإنما
هم كانوا ينظرون إليها نظرتهم الى «رداء منمق وطراز جميل، لا تزيد عن الإعجاب
البسيط». لذا يمكن القول بحسب الشابي ان النظرة العربية الى الطبيعة نظرة «فارغة» لا
ينتظر منها «ان تشرق بالخيال الشعري الجميل لأن الخيال الشعري منشأه الإحساس
الملتهب والشعور العميق». وشعراء العربية في نظر الشابي لم «يشعروا بتيار الحياة
المتدفق في قلب الطبيعة ولا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسن ونشوة الخيال».
نفس هذا الفقر الذي
نجده في الشعر الطبيعي العربي، نجده أيضا بحسب الشابي في الشعر الخاص بالمرأة الذي
يعكس في نظره «نظرة دنيئة سافلة منحطة الى المرأة». نظرة لا تفهم من المرأة إلا أنها
«جسد يشتهى ومتعة من متع العيش الدنيء». نظرة خالية من «الحب والإجلال وحسن
المعاني الروحية العميقة» كالتي نجدها عند الشعراء الأوروبيين. ويواصل الشابي نقده
اللاذع لشعر العرب في المرأة قائلا: «لم يعرف العرب ولا الشاعر العربي تلك النظرة
الفنية التي تعد المرأة كقطعة فنية من فنون السماء يلتمس لديها من الوحي والإلهام
ما تضيء به ينابيع الوجود.. ولم يحاول الشاعر العربي ان يحس بما وراء الجسد من روح
جميلة ساحرة تحمل بين جنبيها سعادة الحب ومعنى الأمومة وهما أقدس ما في الوجود». وإذا
ما تحدث الشاعر العربي عن جمال المرأة فإنه يتحدث كما لو أنه شيء يوزن بـ «الرطل
والقنطار من الشحم واللحم».. ويرجع الشابي هذا الأمر إلى أن المرأة العربية لم تنل
في جميع العصور العربية قسطا من الحرية الحقة، تتمكن معه من إظهار ما لها من مواهب
وملكات تجبر الرجل على ان يحترمها ويبدل رأيه فيها، فيطلع الى ما خلف الجسد من
لجٍّ زاخر وبحر عميق تختلف فيه الإمساء والإصباح، والأضواء والظلمات».
ويعتقد الشابي أن الأدب
القصصي العربي جاف هو أيضا مقارنة بالأدب القصصي لدى الأمم القديمة الأخرى. فهو من
ذلك النوع الذي يراد منه اللذة والإمتاع وليس الهدف منه «فهم الحياة الإنسانية بما
اشتملت عليه من خير وشر، ومن حسن وقبح، ومن لذة وألم»، وهو أيضا خال من «سبر جراح
النفس البشرية الدامية، ورسم تلك الدماء الدفاقة التي تندفع آنا بعنف وقوة وحينا
على ورد وأناة».
ومحاولا رسم صورة حية
لما سماه بـ «الروح العربية» يقول الشابي أن هذه الروح «خطابية مشتعلة، لا تعرف الأناة
في الفكر فضلا عن الاستغراق فيه أو لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو الى
الاسترسال في الخيال الى ابعد شوط وأقصى مدى». لهذا السبب كان لها ذلك الطبع
الشبيه بـ «النحلة المرحة لا تطمئن الى زهرة حتى تغادرها إلى أخرى من زهور الربيع»،
ولذلك هي أبدا «متنقلة وهي أبدا هائمة». ولأنها على هذه الصورة فإن الروح العربية
بحسب أبي القاسم الشابي أضعفت ملكة الخيال الشعري في النفس العربية، وجعلت من
الشاعر محامي القبيلة، وخطيبها وفارسها وليس ذلك الذي يحاول أن يساعد أبناءها
الضائعين بين مسالك الدهر على اكتشاف نور الحياة. كما أن الروح العربية منعت إلى
حد كبير العرب من الاطلاع في جميع العصور الماضية على آداب الأمم الأخرى. صحيح أنهم
ترجموا بعض الآثار، وإنهم ترجموا مختلف العلوم العقلية، غير أنهم لم ينقلوا إلى
لغتهم من آداب الأمم الأخرى ما يمكن أن يحدث «انقلابا في الروح العربية». لهذا
السبب ظلت الآداب العربية فقيرة وجافة على مرّ الأجيال والعصور.
"نداء الحياة" .. الخيال الشعر لأبو القاسم الشابي
جريدة الراية - المصدر : وكالات خارجية - كتب -
هيثم الأشقر: صدر مؤخرًا مع العدد الشهري لمجلة "الدوحة" الثقافية"
التي تصدر عن وزارة الثقافة والفنون والتراث كتاب "نداء الحياة" وهو
عبارة عن مختارات شعرية للشاعر أبو القاسم الشابي للكاتب "محمد لطفي اليوسفي"،
يقع الكتاب في 270 صفحة من الحجم المتوسط وينقسم الكتاب إلى جزءين، الجزء الأول
عبارة عن مختارات من قصائد الشاعر أما الجزء الثاني من الكتاب فيتحدث عن كتاب
الشاعر أبو "الخيال الشعري عند العرب".
ويتضمن هذا الكتاب الكثير من
الآراء الجريئة، في حديثه عن الخيال،فهو إذ يتحدث عن الصورة الشعرية يأتي بالأمثلة
الدالة على ما يذهب إليه من الشعر العربي في العصور المختلفة،ويقارن تلك النماذج
بمقتطفات من آداب الغرب، ليبرهن على أن العرب تمسكوا بالصورة المادية المحسوسة
وجعلوها محور القول والتفكير، وأن الغربيين أوغلوا فيما وراء الماديات ما زاد في
الخرافات والأساطير في الشعر والنثر عندهم . وعلى هذه الطبعة تعليقات تخدم الموضوع.
وقد تضمن الجزء الأول كتاب "نداء
الحياة" مجموعة كبيرة من قصائد الشاعر " أبو القاسم الشابي" مثل (قلب
الشاعر، الأبد الصغير، الأشواق التائهة، نشيد الجبار، مآتم الحب). نذكر منها قصيدة
"قلب الشاعر" :
كل ما هب وما دب وما
نام أو حام على هذا الوجود
من طيور وزهور وشذى
وينابيع وأغصان تميد
وبحار وكهوف وذرى
وبراكين ووديانٍ وبيد
وضياءٍ وظلالٍ ودجى
وفصولٍ وغيولٍ ورعود
وثلوج وضباب عابرٍ
وأعاصير وأمطار تجود
وتعاليم ودين ورؤى
وأحاسيس وصمتٍ ونشيد
كلها تحيا بقلبي حرةً
غضة السحر كأطفال الخلود
ههنا في قلبي الرحب العميقْ
يرقص الموت وأطياف الوجود
ههنا تعصف أهوال الدجى
ههنا تخفق أحلام الورود
ههنا تهتف أصداء الفنا
ههنا تعزف ألحان الخلود
ههنا تمشي الأماني والهوى
والأسى في موكب فخم النشيد
ههنا الفجر الذي لا ينتهي
ههنا الليل الذي ليس يبيد
ههنا ألف خضمٍّ ثائرٍ
خالد الثورة مجهول الجدود
ههنا في كل آن تمّحي
صور الدنيا وتبدو من جديد
نام أو حام على هذا الوجود
من طيور وزهور وشذى
وينابيع وأغصان تميد
وبحار وكهوف وذرى
وبراكين ووديانٍ وبيد
وضياءٍ وظلالٍ ودجى
وفصولٍ وغيولٍ ورعود
وثلوج وضباب عابرٍ
وأعاصير وأمطار تجود
وتعاليم ودين ورؤى
وأحاسيس وصمتٍ ونشيد
كلها تحيا بقلبي حرةً
غضة السحر كأطفال الخلود
ههنا في قلبي الرحب العميقْ
يرقص الموت وأطياف الوجود
ههنا تعصف أهوال الدجى
ههنا تخفق أحلام الورود
ههنا تهتف أصداء الفنا
ههنا تعزف ألحان الخلود
ههنا تمشي الأماني والهوى
والأسى في موكب فخم النشيد
ههنا الفجر الذي لا ينتهي
ههنا الليل الذي ليس يبيد
ههنا ألف خضمٍّ ثائرٍ
خالد الثورة مجهول الجدود
ههنا في كل آن تمّحي
صور الدنيا وتبدو من جديد
وأبو القاسم الشابي شاعر
تونسي ولد في عام 1909م في مدينة توزر بتونس. وكان الشابي مؤمنًا بالمستقبل. لذلك
اتسم شعره وكتابته النثرية باستشراف الآتي واستنهاض العرب أجمعين إلى ما يسميه "الصباح
الجديد". وهو يعبر عن ذلك في نبرة لا تخلو من أمل وحماسة،فيصدر كتابه الخيال
الشعري عند العرب قائلاً: "لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم
والشباب.. ومن يطلب الحياة فليبعد غده الذي في قلب الحياة.. أما من يعبد أمسه وينسى
غده فهو من أبناء الموت وانضاء القبور الساخرة.. لقد أصبحنا نتطلب الحياة" كان
الشابي على يقين من أن "من نام لم تنتظره الحياة".
يذكر أن أبو القاسم الشابي
توفي في التاسع من أكتوبر من عام 1934 فجراً ، وقد نال الشابي بعد موته عناية
كبيرة ففي عام 1946 تألفت في تونس لجنة لإقامة ضريح له نقل إليه باحتفال كبير. ويعبر
الشابي أجمل تعبير عن أنوار تونس والمغرب العربي التي استفادت منها بلاد المشرق
كما هي الحال مع ابن خلدون والحصري القيرواني وابن رشيق وغيرهم المعبرين أنصع
تعبير عن خصوصية المدرسة المغاربية أو مدرسة الغرب الإسلامي الذي تؤهله جغرافيته
أن يكون الجسر بين الغرب والشرق والذي ظل مدافعًا عن الثغور ولم يمح رغم الداء
والأعداء كما يقول الشابي.
ويذكره الشاعر العراقي
المعروف فالح الحجية في كتابه (شعراء النهضة العربية) فيقول فيه (فهو شاعر وجداني
وهو برغم صغر سنه شاعر مجيد مكثر يمتاز شعره بالرومانسية فهو صاحب لفظة سهلة قريبة
من القلوب وعبارة بلاغية رائعة يصوغها بأسلوب أو قالب شعري جميل فهو بطبيعته يرنو
إلى النفس الإنسانية وخوالجها الفياضة من خلال توسيعه لدائرة الشعر وتوليد ومسايرة
نفسيته الشبابية في شعر جميل وابتكار أفضل للمواضيع المختلفة بحيث جاءت قصيدته
ناضجة مؤثرة في النفس خارجة من قلب معني بها ملهمًا إياها كل معاني التأثر النفسي
بما حوله من حالة طبيعية مستنتجًا النزعة الإنسانية العالية لذا جاء شعره متأثرًا
بالعالمين النفسي والخارجي).
أبو القاسم الشابى.. الكتابة بمداد القلب!
جريدة الأهرام - سهيــــر حلــــمي
فتي ضئيل..
نحيل الجسد.. شامخ الكبرياء.. متيقظ المشاعر.. رهيف الإحساس.. مشبوب
العاطفة.. متوهج الروح.. تأثر بطبعه علي الظلم.. قيثارة عزفت أعذب الألحان
الشعرية ورحلت في ربيع العمر لكنه لم يترك عالمه العربي إلا وقد بعث
فيه حب الحياة الذي لا ينفصل عن حب الأوطان... فكان كالشهاب الذي مر ساطعا في سماء
الشعر.. لكنه استحال في نفوس كل الثائرين إلي شمس ساطعة تضيء العتمة وتستجلي
المصاعب بقوة الإرادة التي تفل أعتي الطغاة والمتجبرين والمستعمرين.. لم يتجاوز
عمر هذه العبقرية الشعرية إلا ست سنوات.. فأبو القاسم الشابي ولد عام1909 ونظم
الشعر وهو في الخامسة عشرة وتوفي في الخامسة والعشرين من عمره.. لذلك أطلق عليه
البعض رامبو العرب إشارة للشاعر الفرنسي الذي فاضت قريحته الشعرية بأعذب الأشعار
وهو دون العشرين.. ولد الشابي في ضاحية الشابية بمدينة توزر جنوب تونس... تعلم
والده في الأزهر الشريف وأقام بمصر سبع سنين وكان قاضيا شرعيا.. أبوالقاسم أكبر
أبنائه... ثالوث حياته العملية منحصرا بين المحكمة والمسجد وأسرته, وفي هذه البيئة
الفكرية والأدبية والدينية التي كانت تحيط به نشأ أبو القاسم وفهم معني الرحمة
والحنان.. وأدرك أن الحق هو خير ما في الوجود كما علمه والده علي حد تعبيره ـ تهيأ
له التنقل بين مدن وضواحي تونس وفقا لطبيعة عمل الأب... فامتلأت جوانحه عشقا
للطبيعة الغناء والمروج الخضراء والسماء الصافية والثلوج البيضاء وكل العطايا
الإلهية التي أسبغها الله علي تونس الخضراء ذات التاريخ والأسرار, وقد أسهم ذلك في
إثراء تجربته الحياتية, لذلك كانت تونس حاضرة بكل تجلياتها في شعره.. حتي إننا لم
نعرف شاعرا ارتبط اسمه بتونس وذاعت صيته.. يقول الشابي!
كلما قام في البلاد خطيب
موقظ شعبه يريد صلاحه
أخمدوا صوته الإلهي بالعسف
أماتوا صداحه ونواحه
ألبسوا روحه قميص اضطهاد
فاتك شائك يرد جماحه
هكذا المخلصون في كل صوب
رشقات الردي إليهم متاحه
أنا يا تونس الجميلة في لج
الهوي قد سبحت أي سباحة
شرعتي حبك العميق وإني
قد تذوقت مره وقراحه
لا أبالي.. وإن أريقت دمائي
فدماء العشاق دوما مباحه
ضيع الدهر مجد شعبي ولكن
سترد الحياة يوما وشاحه
درس شاعرنا في جامعة الزيتونة واطلع علي الثقافة
الغربية المترجمة ـ فلم يكن يعرف لغة أجنبية ـ فقرأ التراث بعين ناقدة... رافضة
التكلس والجمود وبدأ ينشر أشعاره بصورة لافتة في المجلات التونسية عام..1926 وفي
العام الذي يليه أصدر كتابه النقدي الشهير الخيال الشعري عند العرب الذي وضعه في
مسار الإصلاحيين لكنه عرضه للنقد لتحامله علي التراث ككل لأن التراث جزء من أي
عملية تجديد بلاشك.. تأثر الشابي بأشعار لامارتين ومدرسة شعراء المهجر وكان عاشقا
لجبران خليل جبران.. وقد ألقي هذا العشق بظلاله في أشعاره التي تحفل في كثير من الأحيان
بعبارات جبرانية مثل تعبير أبناء الحياة ولم يكن تأثره بجبران في الأداء فقط ولكن
في عمق أفكاره الفلسفية.. وشغفه الأكبر بالطبيعة الرومانسية والانزواء والعزلة.. والاحتفاء
بالذات لأنها رفيقته الدائمة في الملمات.
متوحدا بعواطفي ومشاعري
وخواطري وكآبتي وسروري
قدر لمصر أن تكون سببا مباشرا كعهدها دائما ـ في
شهرة الشابي ـ فقد كان شاعرنا يراسل مجلة أبوللو التي كان يترأسها د.أحمد زكي أبو
شادي كمجلة أدبية وجماعة شعرية ذائعة الصيت تضم أعلام الأدب والفكر في العالم
العربي... وفي يناير عام1934,
أعلن د.أبو شادي عن عزم الجماعة إصدار ديوان الشابي
ديوان الحياة وشرع في نسخه بنفسه لكن القدر قال كلمته وطويت الصحف وجفت الأقلام في
أكتوبر من نفس العام.. وخفت هذا الصوت الملهم للثورات العربية عن عمر يناهز26 عاما.
في أشعار هذا الفتي الذي كان يأوي إلي الجبال كما
نصحه الأطباء للاستشفاء من مرض القلب.. استمد صلابته وصهرته الآلام وفجعته في
زوجته وحبيبته في قصيدة مأتم الحب..
مات من تهوي!
وهذا اللحد قد ضم الحبيب
فانك يا قلب بما فيك
من الحزن المذيب
أيها الحب أنت سر بلائي
وهمومي, وروعتي وعنائي
ونحولي, وأدمعي وعذابي وسقامي, ولوعتي وشقائي
وفي أشعار الشابي أصداء واضحة من قراءاته للعقاد
الذي كان يكن له إعجاب خاص ويصفه بالكاتب الجبار وكذلك المازني وميخائيل نعيمة... حيث
نلمح آثار الحكمة وزخم التجربة بالرغم من عمره القصير.. إلا أن حياته كانت مليئة
بالأحداث والمفاجآت التي فجرت ينابيع الألم والتأمل... ففي قصيدته فلسفة الثعبان
المقدس يشير إلي فلسفة القوة المثقفة التي ينتهجها الاستعمار ويحاول بها إغواء
ضحاياه وابتلاع قوتهم التي تتجسد في قوميتهم من خلال سياسة الإدماج.. رحمه الله
وكأنه يتحدث عن العولمة قبل أن تصبح أمرا واقعا... وهي تضع غلاله من مسميات براقة
توحي بالخيال والأوهام والمساواة المزعومة التي يضنون بها علي الآخرين فيقول:
ولتشهد الدنيا التي غنيتها
حلم الشباب وروعة الإعجاب
إن السلام حقيقة مكذوبة
والعدل فلسفة اللهيب الخابي
لا عدل إلا إن تعادلت القوي
وتصادم الإرهاب بالإرهاب
فتبسم الثعبان بسمة هازئ
وأجاب في سمت, وفرط كذاب
يا أيها الغر المثرثر, إنني
أرثي لثورة جهلك الثلاب
وعن طريقته وأسلوبه في كتابة الشعر الذي لم يكن
يستنزله يقول زين العابدين السنوسي: كان الشعر يفيض عليه ويهاجمه ويمنعه من الراحة
والنوم... فيصوغ القصيدة بيتا بيتا في الليل... ثم ينام مطمئنا... حتي إذا استيقظ
في الصباح وجدها علي طرف لسانه وينسخها عن ذاكرته والعجيب أنه إذا نسي سطرا فلم
يكن يرضي أبدا أن يعوضه وكان يفضل أن تظل القصيدة بتراء ويدل كلام السنوسي علي مدي
صدق هذا الشاعر العظيم الذي كتب بمداد القلب دافعا الشعوب العربية للاستيقاظ من
خدر الكسل والقنوط... فجلجلت أشعاره كصليل السيوف مرددة أصداء قلبه وهو يقول:
ومن يتهيب صعود الجبال
يعيش أبد الدهر بين الحفر
هكذا اخترق الواقع منذ أكثر من ثمانين عاما... بلغة
شعرية تمخض عنها جيل بأكمله عرف باسم جيل إرادة الحياة وهم أنفسهم أبناء الغد
والمستقبل كما كان ينعتهم.. أما عبدة الماضي.. فهم أبناء الموت والقبور... كتب
الشابي عن الحب وحظيت المرأة بمكانة سامية في نثره وأشعاره فهي بحر عميق تختلف فيه
الأضواء والظلمات وكان مناصرا لصديقه الشاعر الطاهر الحداد, في موقفه من المرأة
والدعوة لتحريرها في كتابه الشهير المرأة في الشريعة والمجتمع.
كتب الشابي يوميات هي أشبه بالخواطر التي تكشف
الكثير من النقاب عن تلك الجمرة التي ظلت مشتعلة في وجدانه حتى النفس الأخير... فتتكشف
رهافة الحس... موطن الداء والدواء في كل كتاباته.. فهذه الرهافة هي التي جعلته
متحفز الأعصاب... ينبض كيانه بالحياة ويحفل بكل صغيرة وكبيرة حتى ثقلت علي نفسه
أعباؤها فكتب في عام1930 في تلك الوريقات يقول: الآن أدركت أنني غريب بين أبناء
بلادي.. وليت شعري هل يأتي ذلك اليوم الذي تعانق فيه أحلامي قلوب البشر, فترتل
أغاني أرواح الشباب المستيقظة.. يقولون حدثنا عن الحقيقة وخلنا من خطرفة الخيال
وهل حدثهم قلبي عن غير الحقيقة منذ علمته الحياة الكلام؟ ويقولون: صف لنا الحياة, وهل
وصفت لهم غير الحياة منذ غنيت لهم أناشيدي, ولكني حين وصفت لهم الحياة, لم أصفها
من نواحيها القريبة الواضحة, وإنما وصفتها من نواحيها البعيدة الغامضة المحجبة
بالضباب.
فيما يري د.عبداللطيف عبدالحليم أو الشاعر أبو همام:
أن الشابي كان برقا خاطفا سرعان ما انطفأ لكنه لم يكن برقا كاذبا, وإنما أعقبه غيث
منهمر, ومن عادة البروق أن تسطع, وهكذا كان الشابي إذ سطع في دنيا الأدب علي غير
انتظار, وكانت قصيدته التي نشرها في أبوللو سنة1933 قبل وفاته بعام صلوات في هيكل
الحب إيذانا وبشري بشاعر لفت إليه أسماع العالم العربي كله, وتساءل الناس عن هذا
الشاعر ولم يكونوا يدرون أنه في الرابعة والعشرين, وقد اختطف الشاعر وهو في
الخامسة والعشرين من عمره, وهي بداية ميلاد الشعراء عادة لا نهاية أفول نجمهم.
كانت ثقافة الشابي تقليدية في جوهرها إذ تعلم في
مدرسة الزيتونة ونال إجازتها, ودروسها أشبه بدروس الأزهر, والتحق بالحقوق ولكن
الشعر كان طائره الأول وهمه الأكبر فانطلق يبدع لكنه كان قد نفر من التقليدية ومن
الاتجاه الذي يجتر القديم فقط دون إضافة, واشرأب إلي الجديد بعد مطالعات في ثمرات
التجديد في مصر ممثلة في جماعة الديوان ثم جماعة أبوللو وشعراء المهجر, وأعجب أكثر
بجبران خليل جبران مع الاحتفاظ بأصالة لغته ودقتها علي غير جبران, لكن فكر مدرسة
الديوان النقدي ومفهومها للشعر كان ذا أثر كبير في اتجاهه الشعري وفي نظراته
النقدية, والواقع أن جماعة أبوللو والرومانسيين عموما يغلب عليهم الانطواء علي
الذات والتغني بالمشاعر الشخصية واللواذ بالطبيعة والحب, ونادرا ما يلتفتون إلي
الموضوعات التي تسمي غيرية, لكن الشابي كان نموذجا متفردا في الجمع بين الاتجاهين,
فقصائده الذاتية هي تبرم بالإخفاق والهموم التي تكتنف الوطن, ولذلك انطلق يغني
للأمة ويغني للشعب; لأنها همومه الذاتية فهو يغني للشعب لأنه عضو منه وليس خارجا
عنه.
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
وكانت الثورة الأخيرة في مصر وتونس تتخذ وقودها من
شعر هذا الرجل حتى علي ألسنة العوام, ومن هنا كان دور الشعر في إذكاء روح النضال
والفداء.
ويظن بعض الناس أنه لو أفسح لمثله في الأجل لصنع
شيئا آخر جديدا ولقدم زادا ثريا في الإبداع لكنني أعتقد أن مثل هذه الطاقات, طاقات
انفجارية تعطي كل ما عندها دفعة واحدة مثله في ذلك مثل أبي تمام, وشيللي الإنجليزي,
وميجيل كروث إرناندث الإسباني, وغيرهم من الذين مثلوا بروقا تنطفئ وشيكا.
وبانتهاء رأي أبو همام نؤكد أن الشابي العظيم انتشل
الإنسان العربي من وهدة اليأس الذي كاد يغتال أيامه وأرسل أشعاره وأسقطها كالضوء
الباهر علي صخور اعتادت أن تتكسر عليها الأمواج لكنها لا تتزحزح من مكانها..
رحم الله الشابي الذي كان قلبه كأوراق الورد... في
شفافيتها وأريجها العطر... وألوانها الزاهية... وسموها وترفعها... وأشواكها
الدامية ـ بما مر به من محن ـ وعمرها القصير أيضا.. وإذا كانت نيران بوعزيزي أشعلت
الثورات العربية... فإن أشعار الشابي... أضرمت النيران في كل القلوب والأرواح.. فكان
بحق... مصباح الثورات العربية... بلا منازع..
أبو القاسم الشابي ناقدا- ريم العيساوي
الجمعة
يونيو 18, 2010
منتديات
إتحاد الكُتاب والمثقفين العرب
تتعلق المسالة بأهم عمل نثري تنظيري لأبي القاسم الشابي ، وهو محاضرة
"الخيال الشعري عند العرب " تلك المحاضرة التي صدّرها بكلمة تكشف قلقه
المعرفي بموضوعه والتي وضعها في إطار الصراع بين الماضي والمستقبل حين قال:
"لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب ، ومن يتطلب الحياة
فليعبد غده الذي في قلب الحياة . أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت "
نشرت
هذه المحاضرة في كتاب ، طبعة أولى عن دار المعارف للطباعة والنشر _ سوسة – تونس ،
في 202 صفحة سنة 1998 .وجاء الكتاب في سبعة أبواب ‘ بعد الإهداء وكلمة المؤلف
والتمهيد والمقدمة بقلم الأديب زين العابدين السنوسي عالجت أبواب الكتاب نشأة
الخيال في الفكر البشري وأقسام الخيال – الخيال الشعري والأساطير العربية – الخيال
الشعري والطبيعة في الأدب العربي – الخيال الشعري والمرأة في الأدب العربي –
الخيال الشعري والقصة في الأدب العربي - فكرة عامة عن الأدب العربي – الروح
العربية. لقراءة المقال كاملاً إضغط هنا.
اطلاع على مقال أبـو القـاســـم الشــــابي والخـــيال الشـــــعري عــنـد العــــرب : إضغط هنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق