الاغتراب والحلم في أدب أحمد إبراهيم الفقيه القصصي
د . شعبان عبد الحكيم محمد
الفصل الثالث
تقنيات السرد فى قصص وروايات الاغتراب والحلم عند الكاتب
3- ملامح شخصية البطل
3- ملامح شخصية البطل
من الملاحظ فى سمات شخصيات الفقيه القصصية أنها شخصيات مهزومة وغير سوية فى الوقت نفسه وهذا الملمحان لا يقتصران على ادب الفقيه القصصى الذى يعكس لنا ملمحى الاغتراب والحلم فقط بل ينسحب أيضا على الشخصيات الأخرى فى ابداعه كله اضافة إلى ملحوظة أخرى فى قصصه ورواياته التى تجسد ملمحى الاغتراب والحلم هى أننا سمات شخصية البطل الظاهرة لان البطل يروى الأحداث على لسانه
انهزامية الشخصية مرجعها عوامل عدة فى أدب الفقيه وفى القصص التى تصور ملمحى الاغتراب الحلم مرجعها افتقاد الانسجام مع الواقع ذلك أن كيمياء جسد الشخصية البطل ليس لها القدرة على مواجهة الواقع بهذه الصورة من التردى ومر بنا سلبية شخصية بطل (اختفت النجوم فأين أنت ؟!) فلم يستطيع انقاذ المرأة التى تستنجد به لتغرق فى النهاية وكل ما فعله أنه " انكفأ فى مكانه مغروسا فى القطران عاجزا عن انقاذها (1) لقد دعته المرأة إلى التمرد على قوانين المجتمع ولكن لضعفه لاذ بالبكاء بدلا من المواجهة ذلك لان قوى المجتمع أقوى من إرادته وفى قصه الرجل الذى لم يشاهد فى حياته نهرا كما مر بنا يفر مهزوما ودون أن يحدد لنفسه اتجاها خلع نعليه ووضعهما تحت ابطه ومضى يعدو وسط الشارع اطلق ساقية للريح غير عابئ بما يحدث ومضى يجرى ويجري(2).
ومر بنا فى عرضنا للثلاثية انهزامية خليل الامام رغم محاولاته المتعددة لتجاوز محنته (سواء بالابحار فى الذاكرة أو بالحلم بعالم مثالى أو بالحم بقصة حب لقد حاول المصالحة مع الواقع ولكن أدان النفس كانت أكبر من كل محاولاته لخلق يتجاوز به محنته وأمراضه النفسية فسقط فى نهاية الثلاثية مهزوما رافعا الراية البيضاء معلنا هزيمته وموافقة على مضض مجاورة الواقع بكل ما به من فساد وتردى ليغير اسمه وهويته وفلسفته ويعيش بلا مبدأ يقول " سأرتدى للدنيا قميصا جديدا وسأذهب لالتقى بالمرح والغناء فى اخر سهرات الليل التى يقيمها أنور جلال سأستفيد من فلسفته فى اللهو واللعب وسأعتبرها خلاصة دراسة فى الدين والشريعة وسأتعلم منه كيف يصنع الانسان لنفسه اسما جديدا وشخصية جديدة يحقق بهما الانسجام مع قوانين هذا الزمان (3) وبمثل هذا المنهج فى السقوط واللهو والعبث ارتضى السير فى ركاب الوصوليين متخذا رشيد غانم قدوة له فقرر بعد رفضه من قبل ان يكتب له (رشيد غانم) ما شاء من حلقات تتفق مع متطلبات الواقع لا كما ترضى مبادؤه وقرر أيضا أن يوطد علاقته بعيد القادر أمين هذا الرجل المزور الذى اتقن اللعبة فامتلك ما شاء من قصور ومزارع ونساء جميلات ليعلن صراحة عن سقوطه السقوط الذى لا قائمة بعده " سأسقط فى الحفرة التى كنت تائها عنها أنشد بالحماية والأمان وأعلن انتمائى لهذا الزمان سأسقط سقوطا جميلا يليق بإنسان يعتنق فلسفة اللهو واللعب (4).
فى قصصه القصيرة التى تجسد ملمح الحلم (بالمرأة المثال) نجد انهزامية البطل مرجعها محاولة نقل الحلم إلى واقع أو عالم اللامنطق (عالم اللامعقول ) إلى علم المنطق (عالم المعقول) وهذا مستحيل فبطل قصة امرأة من ضوء يحاول أن يجد عائشة الحلم فى نساء من هذا العصر ونسى أن عائشة أو حب فى ايام الطفولة البريئة وقد نضارة المشاعر وندواتها وهى أيضا أحبته من اجل الحب أن يريد من الزمان أن يرجع وهيهات هيهات أن يستجيب له لانه يريد المحال لذا يقول "ان الطفل الذى كنته منذ ثلاثين عاما مضت قد يابى الاستجابة إلى ندائى ويرفض ان يمنحنى وهج قلبه الأخضر (5).
وفى قصة (المحطة الأخيرة) يطلب البطل ايضا المحال وذلك بأن تحية المرأة التى يرى فيها (المرأة المثال) يرتبط بها ويتزوجها متناسبا ارتباطاتها الأسرية أو عواطفها الخاصة انه يفرض مشاعره على غيره قسرا وهذا التصور بدوره مصيره الفشل .
وما ينطبق على القصة السابقة ينطبق الجنون فى توهم البطل بفرض مشاعره قسرا على امرأة ترضى به وتبادله المشاعر ناسيا ايضا مشاعرها الخاصة وارتباطها الاسرية لتكون النهاية سخرية الناس وازدرائهم لسلوكه عندما حاول ان ينفذ أوهامه بنقل الحلم إلى واقع سقط مهزوما وما ينطبق على بكل القصتين السابقتين ينسحب أيضا على بطل قصة (موعد تحت برج الساعة)" كما مر عندما توهم ان امراه تعطيه موعدا لم تعاود الكرة لان زيارتها كانت فى عالم الحلم فجلس فى الميدان يتسول الحب من اى فتاة ويوهم نفسه باى موعد فى اى فتاة اخرى لا نريد ان نطيل لان ما عرضناه كانت أمثله لا حصرا لكل القصص طالما ان العامل واحد فى سبب سقوط وانهزام البطل فى هذه القصص وهو كما ذكرناه طلب المستحيل بتحويل الحلم إلى واقع ملموس .
أما عن الشخصية غير السوية فابرز هذه الشخصيات التى تتسم بهذه السمة هى شخصية خليل الامام (بطل الثلاثية)" ولقد لاحظنا فى القصص القصيرة التى تعكس لنا ملمح الحلم بأنها أيضا شخصيات غير سوية سواء فى القصص التى تروى على لسان بطل لم يذكر اسمه كقصة (امرأة من ضوء الجنون المحطة الاخيرة مرايا فينيسيا موعد تحت برج الساعة") أو البطل الذى اطلق عليه اسما (كحامد) فى قصة العقاب وهى شخصيات مصابة كما مر بنا بالهذيان والهلاوس وفيها " يحس الفرد احاسيس ليس لها مقابل حقيقى فى العالم الخارجى كأن يحس المريض بان شخصا معينا يناديه أو يحادثه وهو فى هذه الحالة يراه ويسمع صوته يتلقى عنه وينقل اليه (6) فهذه شخصيات تتوهم امرأة تحب الواحد منه وتبادله المشاعر وتتوهم ايضا ضرب مواعيد للقاء بها لكن سرعان ما ينكشف الوهم وتظهر الحقيقة .
لقد درج الباحثون فى علم النفس على وصف السلوك غير السوى أو الشاذ بالسلوك "غير المتوافق أو سوء التوافق حيث توحى هذه المصطلحات بأن السلوك ينحرف عن المستويات التى تعتبر ملائمة فى موقف معين (7) فالأشخاص غير الأسوياء نفسيا تعتريهم اعاقة معرفية ويتصرفون بطريقة ملائمة فى معاملاتهم الاجتماعية ويكونون أقل قدرة فى التحكم الانفعالى عن الاشخاص الاسوياء (8) وإن كان كثير من صفات غير الأسوياء نجدها فى الأسوياء مع الفارق فى المستوى .
لعل أهم صفة خليل الامام تدلل على شخصيته غير السوية الفصام الذى من خصائصه " الانفصام عن العالم الواقعى الخارجى وانفصام الوصلات النفسية العادية فى السلوك المريض يعيش فى عالم خاص بعيدا عن الواقع وكأنه فى حلم مستمر (9) وقد مر بنا انفصام خليل الامام عن الواقع حتى أن جملة (كأنك لا تعيش معنا) أصبحت جملة معتادة فعاش فى محيط الذاكرة تارة وعاش فى احلامه بعيدا من الواقع تارة أخرى (سواء فى عالم مثالى أو فى قصة حب متوهمة) ومن سمات الشخصية الفصامية " الانطواء والانعزال والفردية السلبية والكتمان والانغلاق على النفس وعدم القدرة على تكونى علاقات وصدقات شخصية اجتماعية طيبة والسلوك الغريب الاطوار والاستغراق فى الخيال وتجنب الواقع والاستغراق فى الاحلام (10) فعلاقات خليل الامام علاقات ممزقة ليس فيها البعد والاستمرار نجده فى (سأهبك مدينة أخري) لا يستطيع اقامة علاقات سوية سواء مع الرجال أو النساء فلا يستطيع أن يعمق صداقته بعدنان ويرى فيه الصورة المناقضة لشخصية لاختلاف القيم بينهما فما يراه خليل الامام فى حب ليندا له حرية شخصية وصدقا مع النفس يراه عدنان خيانة ما يراه عدنان فى عدم حضور خليل الامام للمؤتمرات الطلابية تخليا عن واجبات قومية يراه خليل فصلا بين السياسة ومجال الادب أما مع النساء نراه يلهث ساندرا ويقيم معها علاقة جنسية ويسمى هذا مقدرة على تجاور أكثر من امرأة فى قلبه الخ ...
لم يستطع أن يجارى الحاضر فى أوربا وفى الوقت نفسه لم يستطع التخلص من الماضى أو المصالحة معه حتى يتم الانسجام والاستقرار بدلا من القلق والتوتر والاكتئاب عن الظروف المحزنة الأليمة وتعبر عن شيء مفقود وإن كان المريض لا يعى المصدر الحقيقى لحزنه (11) اننا لا نعرف مصدر خزن الامام فهو حزن دائم مقيم حاول التخلص منه فى صحبة ساندار إلى احضان الطبيعة واخذا فى البكاء لطرد ما علق بالروح من أدران يثول بغمرتى " احساس غامض لادرى من أين جاء ولا كيف جاء يدفعنى إلى ان أبكى وأبكى وتحول البكاء إلى نواح(12) وفى رواية نفق تضيئه امرأة واحدة رغم تمتعه بسناء على الشاطئ تظهر له جسدها الندى اللهم إلا السنتيال والمايوه رغم ذلك نجده حزينا مهموما ليقول عن هذا الحزن الملازم له " عشقى لهذه المرأة لا حد له فمن الشقوق تتسرب هذه الكآبة ولماذا تمتلئ أغانى الحب بالتوجع والانين والشكوى (13).
لقد جثم على نفسه واصبح ملازما له مهما تفنن فى خلق لحظات السعادة انها كابة مظلمة فى اعماق النفس تفسد عليه كل الوان السعادة فى حياته يقول " اننى انسان يدمن ايذاء الذات بترك لحظات السعادة تهرب منه دون أن يستمع بها (14) لقد استحوذ عليه مرض الروح واصبح من الصعب تجاوزه يقول " أعرف أن هناك كائنا يسكننى وما إن يجد لحظة تغفل فيها راداتى حتى يخرج من مكمنه السرى الذى تغطيه الطحالب والاعشاب الميتة لينتقم منى (15) نتيجة ذلك عاش حياته متوترا فى قلق يخاف من كل مكروه وهذا يؤدى إلى "ضعف الثقة فى النفس والشعور بالنقص وعدم الشعور بالأمن وتوقع الشر وشدة الحرص(16) لذا نجده دائما يحتقر نفسه من شأنها يقول مقللا من شانه امام سناء " ما أنا إلا إنسان تافه تافه يجب أن أعترف بذلك إنسان ليس جديرا بها (17) ويقول فى موضع آخر "دائما أشعر بالنقص أمامها وأرى نفسى ذرة تدور وتذوب فى دائرة الضوء المحيط بها إنها الجانب الأقوى(18).
ويقول ايضا عن نفسه فى موضع أخر "اننى انسان بائس عاجز متسول السهر والشراب يريد أن يأخذ دون ان يكون فى مقدوره ان يقدم شيئا(19) تجمع هذه الامراض (فصام واكتئاب وقلق) ادى إلى سيطرة الهذيان عليه والهذيان يتمثل فى الاعراض الآتية اضطراب الشعور فيكون مشوشا حيث يعتريه التغير من لحظة إلى اخرى اضطراب كالهلاوس والأوهام اضافة إلى احتمال تغير الحالة المزاجية واضطراب عقلى مما يجعل التفكير مضطربا وعدم القدرة على اصدار الاحكام الصائبة واضطراب فى السلوك فيكون السلوك غير متلائم مع الموقف فنراه مندفعا بشكل غير منطقي(20).
فاضطراب الشعور نجده فى ازدواجية المشاعر فى الحب نراه يحب ليندا وساندرا معا راضيا عن هذا التناقض تارة فى قوله (وهكذا وجدت نفسى مرة أخرى قادرا على اجراء هذه المصالحة بين المرأتين يتقاسمان عاطفتى ويتجاوران دون صراع فى منطقة ما (21) وتارة أخرى لا يرضى عن هذا التناقض يقول " فماذا اسمى اليوم الازدواج وهذه الثنائية فى السلوك والتفكير وكأننى كائن مقسوم إلى نصفين أحبها (ليندا) ينصف واهب النصف الثانى لامرأة أخرى (ساندرا) اليس غشا أن اقحم الآخرين فى بؤس التناقضات التى أحلمها (22) أما عن الاضطراب الانفعالات فقد مر بنا احتيال الهلاوس عليه وتوهمه لطيور سوداء تحلق فى سقف غرفته وتوهمه سماع غناء ياتى مع امواج البحر يناديه ويستجيب له لو لا تدخل الاهل لاغرق نفسه (23) اما عن اضطرابه العقلى فتجلى فى تفكيره المشوش الذى يتفق وبيئته الثقافية فمثلا يعد علاقته غير الشرعية مع ليندا بأنها صدق مع النفس وليست خيانة ويرى ما فعلته امرأة عدنان (الأولي) فى حبها لرجل اخر وتركها زوجها (عدنان) بعدما انجبا طفلة يعد هذا ايضا صدقا وصراحة مع النفس (24) ولا ينكر ممارسة ساندرا (السحاق) مع مادلين فى قوله " إننى وأنا أنكر سلوكها لا أنكره من قلبى وإنما أنكره بأقنعتى التى حاك سداها ونسج خيوطها الزمان ولكن ساندرا طردت العنكبوت من فوق وجهها وسارت تستقبل الشمس والهواء بوجه لا يعرف الأقنعة (25) ومن صور اضطراب تفكيره أنه لا يجد شيئا ينماز به على سناء إلا عضو الذكورة كما يقول " أرفعه فى مواجهة هذا الفيض الغامر السخى من حبها (26) ومن صور اضطراب تفكيره أيضا عندما ارتكب الفحشاء مع سعاد (العاهرة) فى قرية الشاطئ السياحى يعلل لسلوكه هذا بأن الجسد يؤدى وظيفة بيولوجية كان لابد أن يؤديها من أجل الحفاظ على حيويته وعافيته (27).
أما عن اضطراب سلوكه فتصرفاته فى الثلاثية من بدايتها لنهايتها تعكس لنا ذلك ويكفى أن نضرب مثالا بتناقضاته التى أوجزتها ساندرا فى قولها إنك دائما تريد أن تكون ما هو ليس أنت تريد أن يكون فاسقا وأخلاقيا متدينا ومتحررا من الدين تريد أن تعيش فى العصور الوسطى والعصر الحديث وتضع قدما فى الواقع وقدما فى الاسطورة وتكون النتيجة أنك لست فاسقا ولست أخلاقيا لست مدنيا ولست متحررا من الدين لا تعيش فى القرون الوسطى ولا فى العصر الحديث لا فى الواقع ولا فى الاسطورة ولا تنتمى إلى الشرق ولا إلى الغرب (28).
ومن الأمراض النفسية التى عانى منها خليل الامام الوسواس القهرى ويعرف الوسواس القهرى بأنه " فكر متسلط يظهر بتكرار وقوة لدى المريض ويلازمه يستحوذ عليه ولا يستطع مقاومته رغم وعى المريض وتبصره بغرابته وسخفه (29) فمن بداية الثلاثية وفكرة الهروب من الواقع تتسلط عليه وكلما ازدادت حدة هذه الفكرة ازداد ضعفا ووهنا وخضوعا لها فمثلا يقول " لم اعد أريد شيئا سوى أن أرحل إلى مكان غير هذا المكان وزمان غير هذا الزمان أحمل اسما غير اسمى ووجها غير وجهى أرى وجوها غير هذه الوجوه وبشرا غير هؤلاء البشر(30) ولوا اننا احصينا الحيز الذى وجدنا فيه خليل الامام فى عالم الواقع ووجوده فى عالم الحلم ما وجدنا هناك نسبة حتى وهو فى عالم الحلم تسيطر عليه أفكار وهمية لا يستطيع مقاومتها فتخيل فى رواية (نفق تضيئه امرأة واحدة") شخصيا يسكنه ليخرج من وقت لاخر من أعماق نفسه كما ينغص عليه سعادته تارة يراه فى صورة الشيخ الصادق أبو الخيرات وتارة يراه فى صورة خليل الامام نفسه وتارة يراه فى صورة رجل غريب فى صورة مفزوعة(31).
بطل قصة ( الرجل الذى لم يشاهد فى حياته نهرا) مصاب بمرض (الفصام) وهو كما مر بنا مرض من خصائصه الانفصام عن الواقع وكأنه فى حلم فبطل هذه القصة يجلس على المقهى ليرى فى حلم اليقظة تحول فى الشارع إلى نهر تجرى فيه قوارب تحمل العشاق يحيط بالنهر أشجار وبساتين وعندما جاء النادل وأيقظه من حلمه وجد الرجل كان يجلس أمامه قد تحول جملا بعد ما شرب القهوة وعندما حاول أن يكمل حمله ولم يستطع اعتراضا على معيشته فى هذا العالم المبوء أملا فى العثور على النهر ( الحياة الجميلة المتدفقة بالمشاعر والأحاسيس الجميلة)" هذا هو الواقع الذى يريده البطل والفقيه ونحن للعيش فيه .
يسيطر على بطل قصته (شمس الامهات) الوسواس القهرى وهو كما مر بنا فكر متسلط يظهر بتكرار وقوة لدى المريض فلشدة تعلقه بمحبوبته يرى صورتها فى اى فتاة أخرى ( تشبهها أو يتوهم أنها هى) لقد ادى هذا المرض إلى دخوله فى معركتين الأولى مع شابين وجدهما بصحبة فتاة فى مركز الشرطة ظنها مخطوبته ومحبوبته ( ليلى ) فتشاجر معها مشاجرة عنيفة والثانية فى أحد المطاعم حين توهما مع رجل غيره يتناولان وجبه فى احد المطاعم وفى كلتا الحالتين يرجع ليرى (ليلي) فى ملابس البيت ولم يظهر عليها أى أمارات لتركها البيت فى هذا اليوم لقد ظل هذا المرض مسيطرا عليه فرغم معرفته وخاصة فى المرأة الثانية إن هذه المرأة لم تكن ليلى رغم ذلك يقول ( صرت أرى ليلى كثير بعد ذلك صرت أرها فى مختلف الأماكن والمواقف وهى ترتاد والمطاعم ودور السينما وهى تتجول مع صاحب لها فى السوق او تتنزه مع أخر فى السيارة ويظل قصة الجنون مصاب بالهلوسة وهو مريض كما مر بنا يحس الفرد المصاب به بأحاسيس ليس لها مقابل حقيقى فى العالم الخارجى أى ليست واردة منبهات حقيقية حيث تخيل البطل أنه تزوج من عروس الجن تارة وعندما يشاهد فتاة فى عالم الواقع شبيهة بالمرأة المثال التى يتمناها ويهيم بها حبا ويسميها اسما (فرح) ويقيم لها عرسا فى حلم اليقظة ومن هلاوسه يظن أنها ضربت له موعدا للقاء يستعد له وعندما يأتى الموعد ويشاهدها (أو يشاهد امرأة مثلها) يقترب منهل ليقابل بازدارء واستنكار لسوكه الشاذ من جميع الحاضرين .
أننا نحمد للفقيه هنا قدرته على رسم ملامح الشخصية غير السوية وتتجلى هذه القدرة فى اقناعنا فنيا بمصداقية وجودها وافعالها حتى نقول متيقنين إن هذه الشخصية شخصية غير سوية وهذا يعكس لنا مقدرة الفقيه فى الغور فى اعماق الشخصيات وفطنته فى اقتناص لحظات الضعف الانسانى وهذا الملمح اشار اليه غير واحد من الدارسين يطلب عليها سليمان كشلاف لحظة الكشف والتنوير وهى كما يقول " لحظة يتغلغل فيها الكاتب فى اعماق ابطاله ويهزمهم يعريهم يصدمهم ثم يتركهم يواصلون حياتهم واللحظة قد امتلكتهم أو امتلكوها قتلتهم أو أحبتهم (33) ويطلق عليها أمين مازن اللحظة الانسانية ويرى أن " قدرة الكاتب على انتقاء اللحظة الانسانية إنما تدل على ما يتمتع به ( الفقيه) عادة من الخصوبة والعمق (34).
___________
الهوامش
1-احمد ابراهيم الفقيه : ثلاث مجموعات قصصية مجموعة اختفت النجوم فاين انت ؟ قصة اختفت النجوم فاين انت ؟ ص 9
2-المصدر نفسه نفس الصفحة قصة الرجل الذى لم يشاهد فى حياته نهرا ص 32
3-احمد ابراهيم الفقيه : نفق تضيئه امراه واحدة ص 254
4-المصدر نفسه ص 258
5-احمد ابراهيم الفقيه : مجموعة امرأة من ضوء قصة امرأة من ضوء ص19: 20
6-د. فرج عبد القادر وآخرون : المرجع السابق ص 827
7-لندا .ل. دافيدوف : مدخل علم النفس ترجمة د. سيد الطواب ، د. محمود عمر د. نجيب خزام ، مراجعة فؤاد أبو حطب طبعة الدر الدولية للنشر والتوزيع ط4 1997 ص659 :660
7-انظر المرجع نفسه ص 258
8-د. حامد عبد السلام زهران : الصحة النفسية والعلاج النفسى طبعة عالم الكتب القاهرة ط 2د.ت ص 450
9-المرجع نفسه ص 452
10-المرجع نفسه ص 429
11-احمد ابراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 150
12-احمد ابراهيم الفقيه : نفق تضيئه امرأة واحدة ص225
13-المصدر نفسه ص 226
14-المصدر نفسه ص 221
15-د. حامد عبد السلام زهران : المرجع السابق ص 420
16-أحمد ابراهيم الفقيه : نفق تضيئه امرأة واحدة ص190
17-المرجع نفسه ص 194
18-المرجع نفسه ص 178
19-انظر د. رمضان محمد القذافى : الصحة النفسية والتوافق – طبعة دار الرواد طرابلس ليبيا ط 1 1992 ص 94: 95
20-أحمد ابراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص108
21-المصدر نفسه ص 210
22-انظر أحمد ابراهيم الفقيه : هذه تخوم مملكتى ص 9
23-انظر : أحمد ابراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 45
24-المصدر نفسه ص 187
25-احمد ابراهيم الفقيه : نفق تضيئه امرأة واحدة ص 65
26-المصدر نفسه ص 188
27-أحمد ابراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 167
28-د. حامد زهران : المرجع نفسه ص 423
29-د. أحمد ابراهيم الفقيه : هذه تخوم مملكتى ص 13
30-انظر احمد ابراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 257 و ص 230
31-أحمد ابراهيم الفقيه : مجموعة امرأة من ضوء قصة شمس الأمهات ص 87
32-سليمان كشلاف : الحب الموت رجل امرأة طبعة المنشأة العامة للنشر والتوزيع والاعلان طرابلس الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية سلسلة تحقيق اشتراكية الثقافة كتاب رقم 76 عام 1984 ص 25
33-أمين مازن : كلام فى القصة المنشاة العامة للنشر والتوزيع والاعلام طرابلس الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية سلسلة تحقيق اشتراكية الثقافة العدد 85 عام 19856 ص 46

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق