‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق النيهوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصادق النيهوم. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 يناير 2015

أين تجذف إسرائيل ؟ ...


أين تجذف إسرائيل؟

الصادق النيهوم  :

    في ملفات المحاكم الفرنسية حكاية مواطن عادي ارتكب ذات مرة جريمة قتل. زار عشيق امرأته في بيته وكسر رأسه بخمس رصاصات. ترك مسدسه بجانب القتيل. ترك أيضاً قبعته وبطاقته الشخصية .. ذهب بعد ذلك إلى البيت وأخبر امرأته أنه قتل عشيقها وطلب منها أن تبلغ عنه الشرطة. بعد نصف ساعة كان المواطن يدلي بأقواله لوكيل النيابة.
    لم يعترف له بجريمة القتل. لم يهتم بالأدلة القاطعة ضده بل جلس في مقعده هادئاً ولفت نظر وكيل النيابة إلى أن المرء لا يقتل أحداً ثم يترك مسدسه وقبعته وبطاقته الشخصية في مكان الحادث، وأن القاتل لا يدبر جريمته في الخفاء ثم يترك عنوانه للشرطة، و أي مواطن في العالم يستطيع أن يكون القاتل ماعداه هو شخصياً..
   بعد ذلك استراح في مقعده ولفت نظر وكيل النيابة إلى أن امرأته لم تكن على وفاق تام معه أو مع عشيقها، وأنه من المعقول أن يتصور المرء أن تلك السيدة ارتكبت جريمة القتل وتركت أشياء زوجها في مكان الحادث لكي تضرب عصفورين كريهين بحجر واحد. بعد ثلاثة شهور أثبتت المحكمة جريمة القتل على الزوجة البريئة..
   لم يصدق أحد أن زوجها يقتل غريمه ثم يترك له بطاقته الشخصية. لم يصدق أحد أن القاتل الحقيقي يخلف وراءه جميع هذه الأدلة القاطعة .. كان من الواضح بالنسبة للقضاة أن الأمر كله دسيسة مفضوحة ضد الزوج الطيب القلب وكان من الواضح بالذات أن الدسيسة مفضوحة جداً. بعد عشرين عاماً اعترف الزوج بلعبته البسيطة التي ضحك بها على ذقن العدالة وانتقم بها من غريمه وترك المحكمة تنتقم له من امرأته وخرج من المذبحة دون أن يصاب بخدش .. إننا غالباً لا نصدق أعيننا عندما نرى اللص يحمل شمعة بل نبادر إلى تحيته باعتباره واحداً من الجيران. فلماذا أحدثك عن القتلة واللصوص؟
لأني أريد أن أحدثك عن اسرائيل..
    وأريد أن أضع اصبعك على اللعبة البسيطة والمدهشة التي تمارسها هذه الدولة وتضحك بها على ذقن العالم في وضح النهار. فأنا أحس أن خدعة المواطن الفرنسي الذي ترك بطاقته الشخصية بجانب ضحيته ليبعد الشبهة عن نفسه هي بالضبط الخطة المفضلة الآن في اسرائيل والمتمثلة في إصرارها على المفاوضات مع العرب..
إنني لن أدخر وسعاً لكي أثبت لك وجهة نظري بالتفصيل.
ف   العالم كله يسمع أن اسرائيل تطالب بالمفاوضات معنا. العالم كله يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أن اسرائيل ترغب في “التفاهم” معنا .. ونحن بدورنا نرفض المفاوضات رفضاً باتاً والعالم يعتقد أن ذلك يعني ببساطة أننا نرفض “التفاهم”. المحكمة تضعنا في قفص الاتهام مقدماً باعتبارنا دعاة حرب. المحكمة تبرئ اسرائيل مقدماً باعتبارها داعية سلام. لا أحد يريد أن يصدق أن طلب المفاوضات ليس دائماً دعوة للتفاهم. لا أحد يريد أن يتذكر أن القاتل قد يترك بطاقته الشخصية متعمداً بجانب ضحيته لكي يجعل أمر اتهامه -ببساطة- أمراً غير معقول. إنني لا أريد أن أثقل عليك بإطالة النقاش في هذه النقطة ولكني أحتاج أن ألفت نظرك إلى أنك أنت أيضاً سوف تصدر نفس الحكم الجائر لو كنت تراقب قضيتنا من منصة القاضي أو مقاعد المتفرجين المحايدين. إنه لن يخطر ببالك قط أن اسرائيل الصغيرة التي تصرخ بأعلى صوتها في طلب المفاوضات هي في الواقع الطرف الوحيد في نزاع الشرق الأوسط الذي لا يملك ما يقوله على مائدة المفاوضات .. إنني أدعوك لنقاش هذه الحقيقة المفاجئة بالتفصيل.
    فدعنا نفترض أن اسرائيل ليست مشكلة تخصنا في الشرق الأوسط بل مشكلة تخص غيرنا. دعنا نفترض مثلاً أنها مقامة في وسط ولاية تكساس وأنها تقف في حالة حرب مع الشعب الأمريكي وتطالبه بالجلوس للتفاهم معها على مائدة المفاوضات..
    أغلب الظن أن الشعب الأمريكي المحب للسلام سوف يبادر إلى تلبية هذا الطلب. أغلب الظن أن الرئيس نيكسون الذائع الصيت لن يرفض -مثلنا- الكلام مع اسرائيل بل يسارع إلى دعوة أبا إيبان لزيارة واشنطن ويقتسم معه زجاجة من الويسكي ويتفاهم معه أيضاً.
نحن لا يهمنا الويسكي ولكنّا نتمنى أن نعرف كيف يتفاهم الرئيس مع أبا إيبان، ماذا يقول له لكي يقنعه بحسن نواياه؟
   هل يوافقه على أن الإنسان اليهودي ورث ولاية تكساس عن والده السماوي؟ هل يوافقه على أن الإنسان اليهودي يملك الحق في الاستيلاء على بيت مخلوق آخر؟ هل يوافقه على أن أساطير التوراة سبب وجيه للتفرقة بين إنسان وآخر؟ .. هل يوافقه على أن المواطن الأمريكي لا يملك الحق في أن يكسب قوت عياله من ولاية تكساس؟ هل ثمة فرصة “للتفاهم” مع رجل يعتبرك مقدماً أقل منه إنسانية لمجرد أنك لست يهودياً؟..
    أغلب الظن أن الرئيس نيكسون لن يتفق مع صديقه حول هذه النقاط. أعني على الأقل من باب الكرامة الإنسانية وحدها، فالصديق الذي يعتبرك خارج دائرة شعب الله المختار لا يمنحك في الواقع فرصة للإبقاء على صداقته. وأغلب الظن أن أبا إيبان لن يعتذر عن هذه الإهانة لأن الاعتذار هنا يعني في الواقع اعتذاراً عن قيام اسرائيل نفسها. وأغلب الظن أن الصديقين المحبين للسلام سوف يفترقان على نية الحرب وأن الرئيس نيكسون -رغم كل مواهبه في إيجاد الحلول- لن يجد حلاً لمشكلة اسرائيل سوى الحرب .. أعني لن يجد سوى الحل الذي وجده العرب البسطاء ولن يتردد إذ ذاك في رفضنا جميعاً -باعتبارنا قضاة مخدوعين- إذا أصدرنا ضده حكماً بالإدانة. إن الرئيس نيكسون نفسه لا يستطيع أن “يتفاهم” مع اسرائيل؟..
ومع ذلك فإنه يدين العرب من محكمته العاجية.
    يتهمهم بالدعوة إلى الحرب، يسخر منهم في خطبه المتقنة الصياغة. يبدي دهشته من رفضهم للتفاهم مع اسرائيل. يخدع نفسه بوهم مؤداه أن اسرائيل لا تطالب بالمفاوضات إلا لأنها ترغب في التفاهم معنا وتثق ببرائتها من التهمة. وينسى أن القاتل قد يترك بطاقته الشخصية في مكان الحادث لمجرد الرغبة في التمويه. إن الرئيس نيكسون يستطيع أن يكتشف هذه الحقيقة بدون عناء إذا جرب ذات مرة أن يقول لنا ما الذي يمكنه أن يفعله لو أن اسرائيل أقيمت في ولاية تكساس أو ما الذي يمكنه أن يفعله لو أن والدته الفاضلة ولدته في فلسطين رئيساً على المقاس.
     لو أن الرئيس نيكسون رجل فلسطيني لفهم بنفسه -ودون جهد يستحق الذكر- أن اسرائيل التي طردته من بيته لمجرد أنه لا يتحلى بالديانة اليهودية دولة مقيدة إلى فكر عنصري متزمت، وليس بوسعها أن تتنازل عن شبر واحد منه، وليس بوسعها أن تتفاوض فيه مع أحد، وأن الدعوة للمفاوضات بالذات مجرد خدعة عقلية محضة .. لكن الرئيس نيكسون ليس رجلاً فلسطينياً، واسرائيل ليست مقامة في ولاية تكساس .. والقاتل ترك بطاقته الشخصية في مكان الحادث وقضاتنا يعتبرونه بريئاً لأنهم لم يعرفوا قط أنه فعل ذلك متعمداً.
     فدعنا ننقل اسرائيل إلى أي مكان آخر .. دعنا نحملها بين ذراعينا ونطوف بها على دول العالم ونسأل عند كل بوابة: هل لديكم مكان شاغر لإقامة دولة أبناء الله؟ هل لديكم حقول يستولي عليها أبناء الله ويطردون أصحابها؟ هل لديكم صفاية تصفى بها مواطنيكم فنضع اليهودي داخل الحدود وغير اليهودي خارج الحدود؟..
دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة: هل ثمة أحد بينكم يرضى بأن يصبح الدين مبرراً للعزلة؟.. هل ثمة أحد بينكم يريد أن يتنازل عن بيته لمجرد أن ابن الله موشى دايان يحتاج إليه. هل ثمة أحد بينكم يعرف ما يستطيع أن يقوله لرجل يهودي يطردك من بيتك وحقلك ويحرمك من الحياة معه لمجرد أنك لست يهودياً مثله.
    دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة: ما هو الفرق بين النازية وبين الصهيونية؟ ما هو الفرق بين رجل يقتلك لأنك لست جرمانياً وبين رجل يقتلك لأنك لست يهودياً .. ما هو الحل الذي أحضرته اسرائيل مع النازية سوى أنها جعلتها مشكلة العرب مع اليهود .. ما هو الفرق بين عنصرية البيض ضد السود وبين عنصرية اليهود ضد بقية الناس؟..
    دعنا نطوف العالم ونسأل عند كل بوابة، ودعنا نترك للناس الغربيين بالذات فرصة كاملة لتشغيل عقولهم الذائعة الصيت فلعل بينهم ثمة رجل عبقري واحد يملك الشجاعة الكافية والذهن الكافي لكي يقف أمامنا مرفوع الرأس ويقول لنا على مسمع من الدنيا: الأمر بسيط أيها العرب البسطاء. صدقوا التوراة فوراً وأقنعوا أنفسكم بأنكم حقاً غرباء في أرض الله. أقنعوا أنفسكم بأن الله يملك ولداً مدللاً واحداً اسمه اسرائيل .. أقنعوا أنفسكم أن هذا الولد السماوي قد اختار الإقامة في يافا والخليل واختار بالذات أن يقيم وحده وأن يطردكم من حضرته اتقاء للدنس وأن الأمر واضح وسماوي ولا غبار عليه. دعنا نسمع صوت أصدقاء اسرائيل. نعرف منهم أنهم يطالبوننا بالتفاهم معها على هذا الأساس الهمجي أو نعرف منهم على أي أساس آخر إذن..
لا تنتظر أن تسمع شيئاً سوى الدعوة إلى المفاوضات :
    ليس ثمة شيء آخر .. ليس ثمة من يعرف على أي أساس. حتى العقل الغربي الذائع الصيت، أعني حتى العقل الغربي بالذات الذي اشتهر بالحداقة والفهلوة لا يعرف أصلاً أن اسرائيل لا تلجأ إلى المطالبة بالمفاوضات لأنها “تريد” أن تتفاهم معنا بل لأنها تعرف -مقدماً- أنها لم تترك لنا فرصة للتفاهم. بكلمة بسيطة أخرى، العالم مخدوع بالبطاقة الشخصية التي تركتها اسرائيل عند رأس ضحيتها والمتهم البريء يرسله القاضي لحبل المشنقة. وأسوأ ما في الأمر أن هذه اللعبة غير العادلة تتم “بالذات” باسم الإنسانية.
فباسم الإنسانية يطالبنا العالم بأن نقبل اسرائيل :
    وباسم الإنسانية يطالبنا العالم بأن “نتفاهم” مع اسرائيل. وباسم الإنسانية ينسى العالم أيضاً أن يتوقف ذات مرة عن مطالبتنا بالمفاوضات ويقول لنا إنه يريدنا أن نعترف بأن اليهود بالذات أعلى درجة من الإنسانية أو أن شعب فلسطين أقل درجتين. إن كل شيء في هذه الخدعة المزرية يتم باسم الإنسانية للدفاع عن كنيسة يهودية متزمتة ضد حقوق الإنسان في المساواة. ومع ذلك فإن أحداً لا يرى طبيعة التناقض المروع ولا يستطيع أيضاً أن يراه..
والسبب؟..
   أن اسرائيل أقنعت العالم بأن خلافنا معها خلاف على الحدود بين الأراضي وليس خلافاً على الحدود بين الناس.
والنتيجة؟..
    أن العالم يحثنا على تسوية خلاف الحدود مع اسرائيل. يريدنا أن نرسم خطاً فاصلاً على الخريطة. يعرض علينا مساعدته في إرسال قوات من الأمم المتحدة لحراسة البوابات. ينسى كلية أن اسرائيل لا تطالب بحدود بين الأراضي بل بحدود بين الإنسان اليهودي وبين غيره. ينسى أيضاً أن الخط الفاصل لن يميز قطعة أرض عن قطعة أخرى بل سيميز إنساناً عن إنسان آخر .. ينسى أن اسرائيل لا تطالب بحدود جغرافية تحدد هويتها على وجه الأرض إلا أنها تملك حدوداً ثقافية تميز إنسانها عن باقي سكان الأرض. العالم ينسى ذلك كله باسم الإنسانية وينسى بالذات أن قوات الطوارئ من الأمم المتحدة لن تقف لحراسة بوابة فقط بل لحراسة فلسفة وأن أول بند في هذه الفلسفة أن الإنسانية ليست سواء، وأن كل إنسان آخر بما في ذلك جنود الأمم المتحدة، يقعون نصف درجة تحت مستوى اليهود.
العالم يدين نفسه دون أن يدري :
   دين الإنسان العربي برفض الإنسان اليهودي وينسى في غمرة صراخه أن العنصرية بالذات هي الحجر الوحيد والأساسي في إقامة دولة خاصة باليهود.
   العالم يطالبنا بالتفاهم مع اسرائيل وينسى أن يرشدنا إلى الطريقة المثلى لتحقيق هذا التفاهم دون أن نتفق مسبقاً على أن اليهود وحدهم هم الإنسانية وأن الرجل اليهودي يملك حقاً معترفاً به في أن يحتل بيتك ويطردك منه.
    العالم الذكي المليء بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة يستطيع أن يقع في ورطة لو قرر لاجئ فلسطيني واحد أن يعتنق الدين اليهودي، هل يسمح له بالعودة إلى فلسطين؟ .. هل يسمح لإسرائيل بمنعه من دخول دولة مقامة لليهود .. هل يهز له كتفيه ويخبره بأنه محروم من هداية التوراة لأن أمه البسيطة لم تلده يهودياً. ماذا يفعل العالم الذكي المليء بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة؟..
أنا أقول لك أنه لا يعرف ثمة ما يستطيع أن يفعله.
    وأقول لك أن العالم ليس ذكياً ومليئاً بالناس العباقرة وأصحاب الرأي والمشورة .. أنت تمنحه هذه الصفات لأنك تراه مهيباً ومعقداً من الخارج لكنه من الداخل مجرد حفنة من الرجال البسطاء الذين يرتعدون رعباً من مواجهة الحقائق المرة ويفضلون -ألف مرة- أن يخدعهم عدوهم على أن يرغمهم على مواجهة ضمائرهم بأمانة. إن الخدعة -مهما كانت رديئة-تمنحك -على الأقل- الحق في إصدار حكم خاطئ بضمير مستريح.
لهذا السبب نجحت اسرائيل بخدعتها البسيطة، أعني لأن العالم كله مستعد أصلاً لقبول الخدعة بحثاً عن راحة ضميره..
    فليرتح ضمير العالم أكثر. ليغمره السلام والنعاس .. ليمنحه رجاله العباقرة مزيداً من الأدلة الباطلة ضد العرب. ليساعده الله لكي يقنع نفسه بأن معركة الشرق الأوسط معركة على حدود الأرض وأن كل ما نحتاجه لإقرار السلام هو أن نضع حارساً برتبة أومباشي من الأمم المتحدة لكي يحرس البوابة. ليرتح ضمير العالم فهو في حاجة ماسّة إلى أن يموت مستريح الضمير على الأقل.
   لأنه لا بدّ أن يموت. لا بدّ أن يولد جيل آخر، ولا بدّ أن يولد عالم أفضل، وتقف اسرائيل أمام قاض من نوع مختلف وتكتشف -ذات مرة- أن خدعة البطاقة الشخصية لم تجعلها تفلت من العقاب إلا إفلاتاً مؤقتاً مردّه إلى سذاجة القضاة وسوء حال العدالة.
وإن الإنسان يستأنف قضيته ضدها في ظروف مختلفة جداً.
الإنسان العربي واليهودي معاً..
    البيض والسود والفلاحون .. وبقية الناس والأطفال .. كل إنسان في كل بيت يستأنف قضيته ضد اسرائيل ويعلق في عنقها تبعة الحريمة البذيئة التي ارتكبتها في وضح النهار. إن الخدعة -مهما بدت متقنة- لا بدّ أن تنكشف في نهاية المطاف لكي تصبح خدعة، ونحن نعرف على وجه اليقين. نعرف بدون ذرة شك واحدة، أن اسرائيل تلتزم تجاهنا خدعة المفاوضات لمجرد التمويه وأنها لا تستطيع أن “تتفاهم” معنا أو مع أصدقائها أنفسهم، بل أنها في الواقع لا تستطيع أن تتفاهم مع كتابها المقدّس ذاته، وأن عالمنا لا يملك للقتلة سوى حبل المشنقة مهما بدت حيلهم ذكية لامعة، وأن اسرائيل تجدف لاهثة في هذا الاتجاه. وذات يوم ستصل..
ذات يوم تنكشف حيلة المسدس والقبعة والبطاقة الشخصية.
    تنكشف حيلة المفاوضات ويسأل العالم نفسه عما إذا كانت اسرائيل لا تدعونا للتفاهم معها إلا لأنها لا تملك شيئاً تتفاهم فيه معنا أو مع غيرنا. ذات يوم سيضع العالم نفسه في مكان العرب ويكتشف -بدون عناء- أن العرب لا يرفضون اليهود بل إن اليهود هم الذين يرفضون الناس جميعاً وأن إدانتنا بالحرب هي بالضبط إدانة رجل يقاتل دفاعاً عن نفسه لأن عدوه لم يترك له فرصة الاختيار.
قلت لك ذات يوم سنجد طريقنا إلى محكمة عادلة.
     ونكشف أمام قضاتنا خدعة البطاقة الشخصية والمفاوضات ونبرئ أنفسنا من التهمة المحزنة التي يعلقها الغربيون في أعناقنا ونضع أمامهم القاتل الحقيقي عارياً من ملابسه.
    ذلك كله سننتظر حدوثه بمجرد أن نتعلم الدفاع عن أنفسنا دفاعاً فعالاً خالياً من العيوب ونكتشف أن لعبة المفاوضات لا تطالبنا بها اسرائيل إلا لأنها بالذات نقطة الضعف الحقيقية فيها. إن عدونا يدعونا إلى التفاهم معه لأنه يعتقد أن المفاوضات ستؤدي إلى اتفاقنا بين الحدود على الأراضي، فإذا وجهنا ضربتنا هنا بالضبط ودعوناه إلى أن يقول لنا أولاً الحدود الفاصلة بين إنسان وبين إنسان، فإن اسرائيل ملزمة برفض المفاوضات والتفاهم معاً.
      إنها لا تملك فرصة الاختيار فالمساواة بين الناس هي آخر ما تستطيع اسرائيل أن تقبله وهي أيضاً آخر ما تستطيع أن تعترف أمام العالم بأنها ترفضه .. إن خدعة المفاوضات تبدو هنا بمثابة اعتراف من اسرائيل نفسها بأنها قابلة للتدمير في هذه النقطة بالضبط.
     قلت لك إن هذا النقاش ليس حديثاً سياسياً.. لأن اسرائيل -بالنسبة لي- ليست سياسة بل ديناً نصف متحضر ونصف وثني، ولأني أعتقد أن قضية الشعب الفلسطيني لا تخصه وحده ولا تخص العرب وحدهم بل تخص الإنسانية بأسرها التي تحتاج إلى الدفاع عن وحدتها ضد كل فلسفة عنصرية .. إنني لم أدخر وسعاً في أن أشرح لك وجهة نظري.
الصادق النيهوم-  أين تجذف إسرائيل؟ - الحقيقة - العدد 1900- السنة الثامنة - بنغازي في 18ديسمبر 1971. ص 3 .

التنويـر والإصــلاح فى فكـر الصـادق النيهـوم ...

التنويـر والإصــلاح

فى فكـر الصـادق النيهـوم

1 – حياتــه :
        ولد الصادق النيهوم سنة 1937م فى مدينة بنغازى المطلة على البحر المتوسط، والتى شكلت بنسيجها الاجتماعى الحضرى والبدوى، مركزا تجاريا تتقاطع عنده كثير من الطرق وتلتقى، ونشأ وسط حى شعبى شهير (سوق الحشيش) الذى شهدت الأزقة المؤدية إليه حياة ونشأة آخرين سيعد بعضهم فيما بعد من الأوباء والفنانين، أما أمه فقد توفيت بعد ولادته مباشرة، وكان والد من ضمن الذين عملوا فى البحر وسافر إلى العديد من مرافئ العالم (1).

ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة (التراث العربي) قراءة في كتاب - الصادق النيهوم ...

ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة (التراث العربي)




قراءة في كتاب - الصادق النيهوم - ياسر مرزوق

      كتابنا اليوم ضمن السلسلة الخامسة من دراسات مكتبة النيهوم، الصادرة عن دار تالة، دراستين نُشِرَتا في صحيفة الحقيقة عامَي 1969 و1970. تحمل الأولى عنوان: «ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة "التراث العربي"»، والثانية: «قليل من المنطق». والسلسلة المذكورة تهدف إلى جمع تراث النيهوم المتناثر في الصحف والدوريات، داخل ليبيا وخارجها. وقد أقدمت الدار على هذا العمل تقديرًا لقيمة الكاتب وعطائه الغزير ونظرًا لما أثارتْه كتاباتُه من أصداء، كما يشار إلى ذلك على ظهر أغلب إصدارات النيهوم. بهذه الخطوة ستصل أسئلة النيهوم ونقده اللاذع أحيانًا إلى أجيال الشباب في الحاضر والمستقبل، وسيُنقَذ من خطر التجاهل والنسيان. وسنكتفي اليوم بقراءة للدراسة الأولى، مع وعدٍ بأن لا يغيب النيهوم طويلاً عن صفحات سوريتنا.
يبدأ النيهوم بعرض قضية التراث العربي عبر تساؤلين أولهما: هل تابع التراث العربي آمال الإنسان ؟
ذلك أن التراث العربي مجرد مرحلة عادية في مسيرة الفكر السياسي عبر الواقع، محاولاً أن يعرض هذه الحقيقة داخل أبعاد التراث العربي ضمن نطاقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك حين يؤكد " أن النظام السياسي الذي تبنته الدولة العربية بمجرد أن بدأت ترسي قواعدها في دمشق لم يكن مستمداً من القرآن الكريم بل كان مستمداً من تجربة التاريخ الحضاري وحدها، وقد عمد معاوية بن أبي سفيان إلى مقايضة المساواة والشورى بمبدأ الملكية المطلقة".
ثم يضيف على ذلك ما قوله: " وعندما ألقي معاوية خطبة العرش في نهاية المطاف، ثم هبط من فوق المنبر محاطاً بالحراس، وموظفي الديوان كان في الواقع نسخة طبق الأصل من أي ملك وراثي مطلق، ولكنه كان يدعو نفسه رسمياً (أمير المؤمنين) وخليفة الله أيضاً، والقرآن الكريمة الذي جعل الشورى أي النقاش والانتخاب قاعدة الحكم الوحيدة المعترف بها في الإسلام لا يمكن أن يبقي مصدراً لأفكار معاوية رضي الله عنه، فالطموح السياسي المحض شيء والنص الديني القاطع شيء أخر ".
والحقيقة إنه ليس من جديد فيما عرضناه من موقف الصادق النيهوم حتى الآن حول قضية (الخلافة) وتحولها من الشورى إلى ملك وراثي إذ إن هذه القضية تضرب بجذورها في تاريخ التراث العربي، وهي من ضمن القضايا الكلاسيكية المعروفة بداهة، والتي تناولها العديد من الباحثين والمفكرين العرب عبر مراحل مختلفة، فها هو ابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر يؤكد هذا المعني، وذلك بقوله: " ثم اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، لم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها، واستشعرته بنو أمية ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق في إتباعهم فأعصوصبوا عليه واستماتوا دونه".
وأما على صعيد الفكر العربي الحديث، فها هو إسماعيل مظهر ومن خلال تأكيده على ضرورة فصل السلطات يؤكد على أن:" الخلافة نظام شاذ كل الشذوذ، ليس هو بسلطة روحية فقط، ولا هو بسلطة زمانية فقط، هو نظام يجمع بين السلطتين، ومزيج من قوتين يجب أن تظلا متفرقتين، هو نظام الدنيا، والآخرة، حصر في نظام فرد واحد فكان الحاكم بأمره في الناس، وظل الله فوق الأرض معاً". "والخلافة فوق ذلك نظام ورث ظاهرة وترك لبه، فأصبحت ميراثاً بعد أن كانت بالبيعة ".
وعلى السياق نفسه، نجد الصادق النيهوم يؤكد على أن "النظام الملكي الوراثي هو الشكل السياسي للدولة العربية، وهو الوجه الحقيقي الذي يراه المرء بلا انقطاع طوال مسيرة أمتنا من قصر الخلافة في دمشق إلى بغداد، والأندلس، والقاهرة، وإسطنبول، أما الشورى، القائمة على مبدأ النقاش والاختيار فقد انتهت كلية بعد بضع سنوات من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ".
كما يؤكد على أن هذا هو واقع التراث العربي ونحن لا نسيء إليه عندما نقرر واقعه طبقاً لواقع عصرنا الحالي، مما يؤكد على أنه من التجني أن نحكم على التراث العربي بمنظار الديمقراطية الإنسانية المعاصرة، فذلك لا يتحقق بدون رذيلة التجني، إلا إذا أراد أحد ما أن يفرض أبعاد ذلك التراث على عصر الديمقراطية الإنسانية.
أما التساؤل الذي سبق وأن طرحه النيهوم، وهو هل تابع التراث العربي آمال الإنسان ؟
فإذا كان المقصود بهذا التساؤل يخص كل ما ساهم به الفكر العربي والإسلامي من، علم وفكر وأدب، فإن الإجابة تكون نعم، ثم نعم إلا إذا استثنينا وجود حضارة أو ثقافة عربية إسلامية من على خارطة التاريخ. والحق أننا لو أمعنا النظر فيما سبق وإن عرضاه من موقف النيهوم من التراث نجد أنه لا يفصل بين ما هو فكري، وما هو سياسي لذلك نجده يضع كل ما أنتجته الثقافة العربية الإسلامية ضمن الإطار السياسي بوجه عام.
غير أن الصادق النيهوم يعود ويفرق بين التراث الذي ورثناه عن تجربة العرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتراث الحقيقي الذي يخص تعاليم القرآن الكريم وسنة الخلفاء الراشدين، وذلك بقوله: " هذه الظاهرة تدعوني هنا إلى أن أقول مرة أخرى: إن الحكم على التراث العربي بأنه لا يليق بروح العصر، حكم يقتصر على التراث العربي الذي وصل إلينا عبر تجربة العرب لسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يشمل بأي حال شيئاً آخر يخض تعاليم القرآن الكريم أو سنة الخلفاء الراشدين، أو سيرة الحكام الذين عرفهم تاريخنا بين حين وآخر باعتبارهم نقاطاً بيضاء في ثورنا الأسود".
أما التساؤل الثاني الذي طرحه الصادق النيهوم فهو: ماذا نريد أن نصون من التراث العربي ؟
ويقدم لنا الإجابة، وذلك حين يؤكد "بأن عزمنا" على صيانة التراث العربي "لابد أن يعني" تنقية ذلك التراث من أخطائه، وليس حفظه فوق رفوف المكتبة، وفرضه على أولادنا الصغار بدافع التعصب وحده فنحن نملك ظاهرة فكرية مليئة بالأخطاء، وليس بوسعنا أن "نصونها" حقاً في وجه التيار التقدمي المعاصر إلا إذا غسلناها من أمراضها البالغة الخطورة ومنحناها هبة الحياة الطبيعية ". فالتنقية نفسها لا تتم إلا بحلول الفكر الواعي القادر على الرؤية الواقعية، لأننا إن تجاهلنا هذه الحقيقة، فإن العالم لن ينتظرنا لحظة واحدة.
هذه الفكرة –فكرة- صيانة التراث عن طريق تنقيته، يتردد صداها في مواضع أخرى من كتابات الصادق النيهوم، إذ نراه يؤكد على " أن الظاهرة الفكرية التي تلوح على الدوام وراء ثقافتنا المعاصرة في ليبيا هي ظاهرة مشلولة مقامة على أساس الاعتزاز بتراث مليء بالأخطاء يفرض نفسه على مسيرتنا باسم صيانة مقدسات آبائنا وأجدادنا".
" فالمشكلة من الداخل مشكلة الإنسان فنحن نفتقر للإنسان الصافي من كل الميراث الإنسان النقي، والمتوفرة له القدرة على الرؤية الجيدة، وأن يعاود الإنسان العربي تنظيم صفوفه الداخلية من أجل أن يأخذ مكانه الصحيح من الصف الثاني إلى الصف الأول المواجه للواقع تماماً ".
ثم نراه يؤكد على ضرورة بناء الإنسان – الإنسان أولاً وثانياً ؛ لأنها من أصعب المهام، فطالما أن الطفل يتعلم في حصة الحساب أن التفاحة زائد تفاحة تساوي تفاحتين، إلا أنه غالباً ما يحتاج إلى سنوات طويلة من ممارسة الواقع لكي يتعلم أن مئة طوبة زائد مئة طوبة لا تساوي مائتين، بل تساوي بيتاً جاهزاً للسكن.
ومن خلال تأكيده على ضرورة التواصل بين التراث والثقافة المعاصرة نراه يؤكد على أن " الذي يعود علينا بالنفع العظيم من حيث الحفاظ على كيان لنا عربي الخصائص هو أن ننظر إلى الأمور بمثل ما نظروا، أو قل بعبارة أخرى، أن نحتكم في حلولنا لمشكلاتنا إلى المعايير نفسها التي كانوا قد احتكموا هم إليها".
أخيراً لابد من التأكيد أن النيهوم ظاهرة أدبية مقروءة وجديدة، ظل نتاجه يثير اهتمام القراء بمختلف مستوياتهم ونقاشاتهم سواء مع أو ضد، في كل ما يطرحه، وكلمة " نعرف " تلخص وتختزل لنا تجربة النيهوم كلها.. هذه التجربة الناهضة على محاولة المعرفة والتعرف على كل المحيط وكل ما يحتويه هذا المحيط من أسرار وأمور محيّرة ومستفزة للتفكير والتدبر. هو كاتب يريد من القارئ أن يعرف لماذا يفعل هذا ولا يفعل ذلك وهذه المعرفة لا تتم إلا بتأمل الشيء وتحليله وتكبيره وتفكيكه إلى أجزاء وفهمه منفصلاً ومجتمعاً. لقد بدأ النيهوم رحلته في الكتابة ككاتب تنويري وجد نفسه في مجتمع شبه أمي خارج من أتون الحروب والأمراض والمجاعات.. وحتى الناس الذين تحصلوا على تعليم بسيط في الكتاتيب أو المدارس العربية والإيطالية تمكنوا من القراءة والكتابة وشغل بعض الوظائف الإدارية والخدمية يعتبرون في المفهوم العام شبه أميين فليس محو الأمية أن تتحول إلى إنسان يفك الحرف ويقرأه فقط فالخروج من الأمية هو الخروج إلى الفضاء الشاسع من الثقافة 

سوريتنا | العدد السابع والستون | 30 كانون الأول 2012 

فريق تحرير سوريتنا | لن نكون إلا أحرار


لتحميل كتاب العدد:إضغط هنا 




ثلاث دقائق كاملة - الصادق النيهوم ...

( ثلاث دقائق كاملة )

الصّادق رجب النيهوم
      مقالة ساخرة تختزل تاريخ البشرية من بداية تكوّن المجتمعات البشرية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية بثلاث دقائق ثمة مائة وخمسون مليون مدينة في العالم وعدد لا يحصى من الناس .. مخلوقات معقّدة على كلّ لون ، تتعلق بأمّنا الأرض وتمتص غذاءها من التّراب .. وكل مخلوق منهم يعيش في عالم وحده ، مشيّدا قوقعته حوله بأحجار الفلسفة الصّلدة التي لا يمكن قهرها ، مغلقاً منافذه ، مستعداً للدفاع عن كلّ حجر في عالمه إلى آخر لحظة .. فإذا أحسّ بالخطر يهدد قلعته ، وقف شعر رأسه من الغضب ، وشرع أسنانه ثم بدأ الهجوم مباشرة بكل ما لديه إلى آخر لحظة ! لذا شُنق الأنبياء بحبال اللّيف ، ووضع إبراهيم في النار ، وهدمت مدينة اخناتون فوق رأسه ، وأرغم سقراط على أن يشرب نخب الفلسفة ممزوجاً بالسمّ الحادّ ، إنه لا يملك شيئا سواها ، ولا يستطيع أن يتنازل عن حجر واحد منها ، إلا إذا بذل جهداً خارقاً بالغ الضخامة .. إلا إذا أحدث في رأسه ثقباً ليدخل الهواء .
    ومنذ بضعة آلاف سنة كان سكان العالم مجرد قطعان صغيرة مقرورة عبر براري الشّرق باحثة عن شئ تأكله ، مواصلة هروبها أمام باقي الحيوانات ، جائعة بلا انقطاع .. وكان عددهم إذ ذاك مثل عدد سكان ( بيونس آيروس ) الآن .. بضعة ملايين فقط ، ثم أخرج أحدهم المحراث ، فيما اكتشفت إحدى النساء أنها تستطيع أن تركب ظهر حيوان اسمه ( الحمار ) دون أن يعضّها ، وأحضرته معها وربطته أمام الكهف .. وعندما اجتمع المحراث والحمار زرع أوّل حقل قمح في العالم ، وانتهى عصر المجاعة الذي دام أكثر من ثمانين مليون عام .. ثم بنيت بابل ، وطوّقت بثلاثة أسوار حجرية للدفاع عنها ضدّ الرّعاة الجائعين على طول نهر الفرات .. وكان الإنسان قد بدأ يتعلّم بناء قلعته الخاصة في رأسه ، كان قد شرع يمارس الفلسفة .. وتمّ اختراع أوّل أداة حديدية للقتل .. وفتح البابليون أسوار مدينتهم وانطلقوا لفتح رؤوس الرّعاة ، وإحداث ثقوب فيها لكي يدخل إليها الضوء والفلسفة وحب الرّبة ( عشتار ) .. ومنذ ذلك الحين ارتبطت الحرب بالفلسفة ، وأخذت المدن على عاتقها مهمة نقل الحضارة إلى الرّعاة بمهاجمة المدن وتدميرها كلما سنحت لهم فرصة .. وهكذا تمّ صنع الإنسان .. وكانت بابل التي قامت بهذه المهمة مجرد مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها سكان الطابقين الخامس والسادس في عمارة ( الأمباير ستيت ) .. أي حوالي ثلاثين ألف نسمة .. ولكنها كانت أكبر مدينة في العالم إذ ذاك
    وبدأت لعبة الحرب .. وشنّ الرّعاة اليهود أوّل هجوم انتقامي على ( جيروشيا ) ودمروها عن آخرها ، فيما وقف النّبي ( يوشعيا ) ليلعن كلّ من يضع حجراً في المدينة العاهرة .. ثم تكفّلت بابل بعقاب اليهود ، وأحرقت مدينتهم ( أورشليم ) وهيكل سليمان معاً ، وباعت عشرة آلاف يهودية في أسواق القراصنة المزدحمة على طول السّاحل بين ( فينيقيا ) و ( أسبانيا ) ، وفي المرّة التالية جاء الهجوم من ( آشور ) .. وتبادلت مدينتا ( نينيف ) و ( بابل ) عمليات القتل الجماعية ، وكانت كل مدينة منهما تقوم على أحجار الأخرى ، فلم يكن العالم يملك ما يكفي من الأحجار لبناء مدينتين في وقت واحد ! .. ثم اشترك باقي الفاتحين في المهرجان ، وغرس ( رمسيس ) رمحه على حدود سوريا الشمالية ، معلناُ عزمه على الوصول إلى آخر الأرض ، فيما قرر ( دارا ) الفارسي أن يسرق منه ذلك الحلم .. وبعد مائتي عام تمكن شابّ مقدوني اسمه ( الإسكندر الأكبر ) من الوصول إلى آخر الأرض وكانت ( طروادة ) قد هدمت للمرة السابعة .. وأصبح في وسع أسطول ( أثينا ) أن يبحر على طول ساحل ( آسيا ) دون أن يضطر لدفع رسوم لأحد .. وبنى ( بركليس ) ( أثينا ) مرة أخرى بعد أن هدمها بعد أن هدمها ( الفرس ) فوق رأس ( زيوس ) .. وفيما كان الديمقراطيون النبلاء يحتفلون بدفن العداء ( فيدبيدس ) الذي حمل أنباء الانتصار على ( الفرس ) في أرض ( الماراثون ) كانت إحدى القابلات تستقبل طفلا عجيباً اسمه ( سقراط ) .. وتلفّه داخل حزمة من الصوف الأحمر لكي ينشأ محارباً قوياً .. ولكن ( سقراط ) كان فيلسوفاً وكانت مهمته القادمة أن يحاول اقتحام رؤوس الآخرين وهي مهمة أكثر قسوة من اقتحام أسوار المدن ، فليس ثمة سبيل إلى قلعة الإنسان في داخل رأسه .. إنها مغلقة بإحكام مذهل ، ومحاطة بالأسلاك الشائكة والحراس الذين لا يمكن رشوتهم بأي حال .. وهي قلعة فضيعة الصّلابة مثل عظم السلحفاة نفسه .. وقرر ( سقراط ) أن يبدأ النّطاح مفتوح العينين .. ودامت المعركة ثلاثين عاماً كاملاً ، ثم هزم الفيلسوف ، وحمل إلى غرفة معتمة حيث قدّم له القاضي كأساً فضية من السّم ، وطلب منه أن يشرب نخب إنتصار القلاع
    ثم جاء ( أفلاطون ) ليحلم بالعالم دون قلاع .. فيما قرّر ( أرسطو ) أن يرافق ( الإسكندر ) الفاتح ، ويفتح رأسه .. ولكن بدون جدوى فقد كان الإنسان يملك خبرة كافية لإغلاق أذنيه في الوقت المناسب .. وعندما أبحر القائد الرّوماني ( سولو ) لكي يهدم ( طروادة ) للمرة الثامنة ، كان يمهد طريق الإمبراطورية إلى مدن الشرق .. وفي إحدى هذه المدن الصغيرة الضيقة الأزقة ولد فاتح آخر اسمه ( عيسى ) ابن ( مريم ) وكان يحمل كلمة الله معه .. وبدأ مهرجان الصلبان .. وقتل الإمبراطور من المسيحيين أكثر مما قتل وباء ( الكوليرا ) الذي اجتاح العالم في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد .. ثم قبل أن يصبح مسيحياً مثلهم ـ بعد أن علّمته الفلسفة كيف يحتفظ بأوهامه الوثنية تحت اسم آخر ـ وبدلاً من أن تنمو كلمات الله في قلعة الإنسان ، اختلطت ببقايا ( زيوس ) الفضيع ، وجعلت ( المسيح ) مثل ( هرقل ) ابناً للرّب نفسه ، وربطت ( مريم ) بهما معاً ، وربط ( اليونان ) بين ( زيوس ) و ( هرقل ) و ( أفجينيا ) ، وتمّ صنع الثالوث مرّة أخرى من المرمر وكلمات الرّب الودودة ، وانتصبت الأيقونات في رأس الإنسان متحايلة داخل قلعته العظيمة عشرين قرناً بلا انقطاع .. فيما خلع فقهاء المسلمين أحذيتهم واقتعدوا أرصفة الشوارع بين ( بغداد ) و ( قرطبة ) محرقين بخورهم ليكتبوا كلمات الله في الأحجبة الملونة مقابل بيضة وحفنتين من دقيق القمح ، وخمد لهيب المعركة حتى أوقده ( بيكون ) و ( داروين ) مرّة أخرى بعد سبعة قرون .. ثم حملته الأقمار الصناعية إلى السماء .
وبدأ الإنسان ـ يفهم ـ بدأ يرى قلعته العظيمة في ضوء الشمس ، ويحس بمدى بشاعتها عبر تلك الحزم المعتمة من الجهل ، والشره ، والأنانية ، التي لا حدّ لها .. وكان من الواضح أن تلك القوقعة لا يمكن كسرها إلا بمعول مصنوع من ألماس .. إلا بحفنة من الكتب الجيدة التي تستطيع أن تفتح النوافذ أمام ماء المطر والشمس .. وتغسل رأس الإنسان جيدا حتى تختنق خفافيشه الفظيعة .. ولكي يتعلم الإنسان هذه الحقيقة مات ألف نبيّ .. وأنزل الله ثلاثة كتب مقدسة ، وشرب مليون فيلسوف كؤوس السمّ الحادّ .. وبنيت مائة وخمسين مليون مدينة ، والآن ثمة عدداً مهولاً من البشر .. سلم مصنوع من البشر يستطيع أن يصل إلى القمر مرتين ويأكل الأرض ـ لو كانت خبزاً ـ ثم يشرب النيل في اليوم التالي ، وكل واحد منهم يحمل عالماً مختلفاً في رأسه .. عالماً لا يقبل الذوبان في الآخرين ولا يمكن أن يهدمه أحد بيديه .. والمشكلة أن ـ الحقيقة ـ ليست بعددهم .. إنها حقيقة واحدة ليس غير .. فكيف يجتمع الناس عند نقطة واحدة .. كيف تتخلى القلاع عن أوهامها ، وتأتي لكي تذوب مع الآخرين !! ومن يقنع من ؟ فإن تلك مشكلة هائلة لم يستطع أحد حلّها حتى الآن .. ولقد تطلب الأمر مرّة أن ينهض الطوفان لكي يقتنع الناس بكلمات ( نوح ) .. وأن ينهض الموتى ويمشي الكسيح لكي يقبل ( اليهود ) أن ينصتوا إلى ( عيسى ) بضعة دقائق .. ولكن أحداً لا يستطيع أن يفعل ذلك الآن ، فالموتى لم يعودوا ينهضون طبقاً لأمر أحد .. وليس ثمة فرصة لإحداث معجزة لا يستطيع العلم تفسيرها .. فالإنسان يعرف أشياء كثيرة في هذا العصر .. إنه يعرف كل الحيل تقريباً .. والفرصة الوحيدة .. والأمل الذي لا شئ وراءه تحمله الكتب وحدها .. تلك الورقات القادرة على النقاش الجيّد في ضوء شمعة أو في ضوء الشمس .. والتي ظلت تحمل الفضيلة بين دفتيها منذ أن حفر القسس أوّل كتاب في حجر بابلي بمطرقة ومسمار صدئ إلى أن دارت المطابع العملاقة لكي تخرج كتاباً كل أربع دقائق ، الأمل أن يفتح الإنسان نوافذه الصدئة .. أو ينتظر طوفان الهيدروجين تحمله النفّاثات مثل أكياس البريد من ( موسكو ) وإليها ، مهرجان القراصنة الملون .. فقد حدث ذلك دائماً بين ( بابل ) و ( نينيف ) .. وبين ( روما ) و ( قرطاجنّة ) .. وبين ( برلين ) و ( باريس ) .. ويستطيع أن يحدث بين ( موسكو ) وبين الآخرين في المرّة القادمة ، الفرق الوحيد أن الرّعاة يملكون سلاحاً ذريّاً الآن .. لعبة جديدة ، لا تفتح رأس أحد ولكنها تحيله إلى رماد خلال ثلاث دقائق مشحونة بألم لا يعرفه سوى أطفال ( نجازاكي ) الصّغار .. ألم يشبه الاحتراق داخل فرن في بذلة من النحاس .. ثلاث دقائق كاملة . 

 

الخميس، 29 يناير 2015

نزار قبانى ومهمة الشعر - الصادق النيهوم ....

نزار قبانى ومهمة الشعر 


الصادق النيهوم

   في هذا الكتاب اتجاه نحو دراسة قصائد نزار دراسة تحليلية مفصلة تهدف إلى البحث عن مناهج هذا الشاعر في تنفيذ رؤياه الشعرية، وبناء التفاصيل داخل كتلة العمل الفني. عن قصائد نزار لا بد أن يبدأ بالحديث عن المرأة، التي ارتبط بها شعر نزار، وفي هذا الحديث يؤكد "الصادق النيهوم" أن نزار قباني ليس شاعر المرأة واللقب التي أعطى له (شاعر المرأة)، إنما هو حافل بسوء الفهم، والنقاد لقبوه بذلك لأنهم لم يجدوا مكاناً أكثر وضوحاً في قائمتهم الجاهزة سوى باب المرأة. وعند تناوله لموقف نزار من الحلم الشعري ذي الأبعاد غير المحددة الذي يدعي (المرأة)، يرى الصادق النيهوم أن نزار أثبت بوضوح صاعق أن حاجته إلى الالتزام أحياناً تبدو حاجة جوهرية بالنسبة لبقائه ذاته، وأن المرأة في شعره مخلوق غير حقيقي بالنسبة لواقع المرأة في العالم. وفي تحليله لقصيدة "الحب والبترول" يؤكد الصادق النيهوم على أن هناك فرق حقيقي بين مخلوقات نزار الدخانية في هذه القصيدة وبين شخصياته الأخرى المحددة الأبعاد والعمق. فالمرأة "في الحب والبترول" حسب تعبيره قضية عادلة ذات ثلاثة أبعاد: البعد الأول: يتمثل في محاولة الشراء التي يقوم بها الرجل الغني واصفاً المرأة في كفه ونقوده في كفه أخرى. البعد الثاني: يتمثل في مقايضة الحب بالنقود، ذلك الخطأ الذي ارتكبه الرجل الغني مغمض العينين، عبر عجزه المطلق عن التفرقة بين الحب والجنس. البعد الثالث: يتمثل في قضية سياسية معروفة في منطقة الشرق الأوسط، وهي النزاع القائم حول أرض فلسطين، ونزار يعرض هذه النقطة بوضوح يشبه العمل فوق السطح ويتورط مرة أخرى في مهزلة الخطابة المباشرة: تمرغ يا أمير النفط.. فوق وحول لذاتك كممسحة.. تمرغ في ضلالاتك لك البترول، فاعصره.. على قدمي عشيقاتك. كهدف الليل في باريس، فالمرأة هنا مخلوق عامل في دائرة حافلة بالقضايا تمتلك حاجتها من الأهداف والخطط وتتحرك داخل دائرة الضوء محملة بالحوار والمنطق ومشاعر الغضب والازدراء. هذه الدراسة ليست مجرد عمل عام في ميدان النقد، وليست مجرد محاولة خالية من الحدود لنقاش القواعد الثابتة أو غير الثابتة في عمليات الخلق الفني، أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، لا أريد أن أفعله أيضاً. كل ما أهدف إليه هنا أن أقرأ نزار مرة أخرى ببطء أكثر، وأتابع خطته في العمل عبر مجموعة دواوينه التي صدرت حتى الآن محاولاً أن أضع يدي على إجابات محددة بالغة الوضوح والإضاءة بالنسبة لسؤالين محددين: الأول: لماذا كتب نزار قباني أعماله الشعرية؟ الثاني: هل تحققت أهداف هذا الشاعر في نهاية المطاف؟. 



طرق مغطاة بالثلج عن الصادق النيهوم - سالم الكبتي ...

طرق مغطاة بالثلج



الصادق النيهوم 

    هذا الكتاب – وهو بالأساس فمرة ملف أعدده الباحث "سالم الكبتي" عن الصادق النيهوم عقب وفاته ونشر بمجلة الثقافة العربية الصادرة في بنغازي في عدد (آذار/مارس-نيسان/إبريل 1995)، ثم طور ليصبح بهذا الشكل، يأتي ضمن محاولة لتقديمه إلى قرائه العرب والتعريف به والكشف عن بعض جوانب حياته وآثاره والإلمام بها، وللإجابة عن الأسئلة التي ما زالت تثار حوله، ولعل بعض الباحثين والدارسين لتلك الآثار والمهتمين بنقدها وتحليلها، يجد سواء في نقاط الالتقاء أو الافتراق، إضاءات تميط اللثام عن نشأته وبداياته وتجربته وهي – دون شك- جوانب مهمة في حياة أي فنان يظل الدارس أو الناقد في حاجة ماسة إليها حين يتصدى بالبحث والدراسة والتحليل في تلك الجوانب والملامح.
    ولتحقيق هذا الغرض رأى الباحث أن يكون الكتاب من حاصل النقاط الآتية: أولاً: سيرته الذاتية السريعة (1937-1994)، ثم بعض الآراء والانطباعات أو الشهادات لبعض مجايليه من أصدقائه، وهم في الغالب كتاب من ليبيا تابعوا تجربته في الكتابة منذ البداية، أو غيرهم ممن تابعوها في مرحلة لاحقة.
ثانياً: مختارات من بعض أعماله نشرها في صحيفة (الحقيقة) الليبية الصادرة في مدينة بنغازي خلال الفترة من (1964-1972) وتمثل نماذج من المقالات، والدراسات والقصص التي كتبها طيلة هذه الأعوام وتميز فيها كما أسلفنا بأسلوبه وعرضه الشائقين، وتمكنه من اللغة والأدوات الفنية.
ثالثاً: بعض من رسائله التي تبادلها مع أصدقائه، وهي التي بدأ يبعث بها إليهم منذ سنة 1963 – أول خروجه في ليبيا-وتعد نسيجاً لوحدها، إذ تلقي وهجاً على حياته وبداية غربته، ويكاد القارئ يشعر بأن بداياته الحقيقية ككاتب كانت من خلال تلك الرسائل، وتفيد في إلقاء الضوء على تجربته وشخصيته، وأنا أدين بالفضل في الحصول على جزء منها لصديقه الحميم، وصديقي الكاتب خليفة الفاخري.
رابعاً: نماذج لبعض الحوارات أجريت معه في فترات مختلفة وعن مواضيع متنوعة، ثم رأيت أن أنهي الكتاب بملاحق تحتوي على نماذج لبداياته الأولى في الكتابة مذ كان طالباً في المرحلة الثانوية، ثم في كلية الآداب في بنغازي، ووثائق ومخطوطات وصور ومسرد ببليوغرافي لأهم مؤلفاته وأعماله الأدبية والفكرية التي أصدرها من سنة 1973 إلى وفاته سنة 1994.
   لقد أراده توثيقاً لهذه الجوانب التي يفتقدها القراء، خاصة خارج ليبيا، ولعل في إعادة نشر بعض نتاجه ما يصح أن يطلق عليه (قراءة أولى) وليست ثانية –لأدبه وكتاباته ولكن برؤية معاصرة.. ومتفهمة. 










كلمات الحق القوية - الصادق النيهوم ...

كلمات الحق القوية


 الصادق النيهوم

حسني إبراهيم عبد العظيم 

الحوار المتمدن-العدد: 3443 - 2011 / 7 / 31 :

    "كلوديا ديفارج صحفية ألمانية شقراء..كانت تذرع بلاد الشرق الأوسط لكي تكتب عن النساء والإسلام... وعندما عادت إلي ألمانيا بعد عامين حافلين ..., أعلنت كلوديا الجميلة فجأة أنها مشمئزة من بلادنا وأنها تكرهنا لأننا تعساء... ثم ارتكبت كلوديا خطا لا يغتفــــــر...
    فقد افترضت أنها وضعت يدها علي"ســـــر تعاسة المرأة المسلمة"... وافترضت أنها تستطيع أن تقدم حلاً جذرياً للمشكلة.. ثم أغمضت عينيها وشرعت تكتب مجموعة من المقالات المحيرة عن المرأة في بلادنا... وكان الخطأ الفظيع الذي ارتكبته في غمرة حماسها النزق أنها اعتبرت "الإسلام" رأس المشكلة..ولم تكن كلوديا تعرف شيئاً حقيقياً واحداً عن الإسلام...ولم تكن مؤهلة لذلك بأي وجه.. 
   وكانت تحمل في رأسها فكرة مضحكة_ هي في الواقع كل ما تعرفه أوروبا عامة عن الإسلام والشرق...
    ولكن الصحف الكبيرة أتاحت لها فرصة لكي تنقل أفكارها إلي كل بيت في ألمانيا..وخلقت منها أسطورة خارقة.. وتعلمت كلوديا كيف تنتهز الفرصة الجيدة وتغذي جوع الناس إلي الأوهام ..فكتبت عشرات القصص الفظيعة عن قتل النساء في "بلدان المسلمين"....وقالت كلوديا أن الإسلام "يأمر" بالزواج بأربع..وانه يعتبر المرأة حيواناً دنساً ويأمر بالاغتسال من دناستها, وخلقت كل ما تريد خلقه من الحكايات...
   ثـم حدث شيء غريب, فقد أعلن البروفسور "كونتيز" فجأة أنه يريد أن يتحدث مع الآنسة ديفارج في مناظرة عامة, وأنه يشك في أن الآنسة المذكورة تعرف شيئاً واحداً عن الموضوع الذي تكتبه....وحملت الصحف دعوة المستشرق العجوز واضطرت كلوديا أن تواجه اللحظة الفظيعة وحدها, وعندما نهض كونتيز ليفتح الحديث , بدا متأثراً مرتجف الصوت وقد قال :
    لقد تفضلت الآنسة ديفارج مشكورة بتلبية دعوتي للاستفهام منها عن نقطة رئيسية فيما كانت تكتبه عن المرأة المسلمة,والذي فهمته من مجموعات تلك المقالات أن الآنسة ديفارج تعتبر الإسلام "كدين" مسؤولاً عن تلك المهزلة, وهي النقطة التي سوف أركز أسئلتي عليها وأما باقي ما كتبته الآنسة ديفارج فأنا لا أريد أن أتعرض له لأن تلك المشكلة لا تخصني بطريقة مباشرة فهي مشكلة كريهة معروفة, وليس ثمة جدال في أن مركز المرأة في البلاد العربية خاصة, مركز سيئ وممقوت... ولكن هل ذلك نتيجة ظروف تاريخية معيشية, أم هو نتيجة مباشرة لاعتناق الإسلام وهذا أول أسئلتي..
وقالت كلوديا : هما معاً يا سيدي الأستاذ.. إن الدين جزء من التاريخ... وأستأذنها كونتيز: معذرة.. دعيني أضع سؤالي بطريقة مباشرة هـل تعتبرين "الإسلام" سبباً في سوء مركز المرأة المسلمة ؟
- نعم...
- وهل تحددين "الإسلام" باعتبار أنه ضد المرأة أو في جانبها؟
- إذا اعتبرنا مركز المرأة الأوربية الحاضر فإن الإسلام ضد ذلك...
- وأومأ المستشرق بيده ثم قال ببطء: معذرة يا آنسة ديفارج فنحن لا نعرف بعد ما إذا كان ما فعلته المرأة الأوربية الآن هو الشيء الصحيح الجيد .. ولكني لا أريد أن أناقش ذلك علي أي حال.. فدعيني أضع السؤال هكذا: هل أساء " الإسلام" إلي المرأة المسلمة كما قلتِ؟
- أجل.. بالتأكيد..
- هل تفسرين ذلك؟
- قالت: لقد حبسها.. سلب حريتها وحبسها في البيت.
- هل فعل الإسلام ذلك؟
- أجل..
- هل أنت متأكدة يا آنسة؟ فأنا لا بد أن أطلب إبراز النص...
- سأقول النص إذ أردت ولكن هذا شيء معروف ..لقد طلب " القرآن" من كل امرأة مسلمة أن تلزم بيتها.. ثم قرأت النص القرآني ( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)
وسألها كونتيز :وهل يثبت ذلك شيئاً؟
- فقالت بدهشة أجل.. لماذا؟ لا يعني ذلك أن النظر إلي وجوه النساء محرم؟.. ثم عن باقي الآية يعدد الأقارب الذين لا يحرم عليهم ذلك.. هل أقرأ باقي النص؟..
- وابتسم كونتيز وأومأ لها بيده: شكراً أنا أعرف ذلك.. ولكن هذا النص بالذات نزل في شان نساء النبي "صلي الله عليه وسلم" ..وليس في شأن كل النساء. والقرآن يقول قبل ذلك( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا) فليس هذا النص الذي أطلبه منك...
- ونهضت كلوديا واقفة وقالت في غيظ: ماذا يعني ذلك سيدي.. هل تريد أن تنكر أن القرآن أمر بحبس المرأة...
- وهز كونتيز رأسه في هدوء... فيما صاحت: ولكن هذا هو ما حدث.. وقد أمرت المرأة بأن تلزم بيتها, ثم اعتبرت نصف إنسان..
- وقال كونتيز: نصف إنسان! متي؟
- فقرأت كلوديا ترجمة النص القرآني: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)
- وماذا يثبت ذلك!
- إن الرجل يساوي امرأتين..
- وضحك المستشرق العجوز ثم قال في ود: هذه آيات في الميراث وقوانين اقتصادية, أنا لست مؤهلاً لنقاشها معك..
- وقالت كلوديا : وما رأيك بالنص القرآني: ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك ادني ألا تعولوا)
- وسألها كونتيز: ألهذا قلت عن القرآن أنه يأمر بالزواج بأربع؟
- أجل..
- ولكنك أخطأت فهم النص يا آنسة, فالترجمة غير سليمة والقرآن يضع شرط العدالة للزواج بأكثر من واحدة.. وهو شرط يكاد يكون مستحيلاً طبقاً للقواعد البشرية العادية. ولو أصدرت إحدى الحكومات الإسلامية قانوناً يلزم من يتزوج بأكثر من واحدة بأن يثبت قدرته علي العدل بينهن لما استطاع أن يثبت ذلك أحد..
ولكن الحكومات الإسلامية لا تستطيع تحريم الزواج بأكثر من واحدة؟..
    وقال المستشرق إن مثل ذلك القانون يعتبر غير ضروري.. فالقرآن يضع شرطاً واحداً.. وكل ما تحتاجه السلطات المختصة هو أن تطلب إثبات القدرة علي القيام بذلك الشرط.. وهــذا إعجاز القرآن يا آنسة ديفارج.. أنه يثبت للإنسان_بطريقة عادلة_ أن قدراته البشرية التي تحدها غرائزه أكثر ضعفاً من أن ترقي إلي مستوى قدراته الإنسانية علي العدل..فالزواج بأربع_وهو حاجة دنيوية من كل الوجوه_ مسموح به إذا استطاع أن يرقي إلي مستوي فكرة العدل الإلهية... ولكن السؤال العظيم هو: من يستطيع أن يثبت أنه قادر علي ذلك...
- وقالت كلوديا بنفاد صبر: ولكن العرب يتزوجون بأربع!
- فنظر إليها المستشرق ثم قال بهدوء: تلك مشكلتهم وحدهم وليست مشكلة الإسلام... إن هذا ما أردت أن أقوله لك... فما يفعله العرب الآن لا يعني بالضرورة أن يكون أمراً في الإسلام, بل إنه في الواقع نتيجة ظروف حضارية بحتة...
    وبالنسبة لما قلته عن أن الإسلام "يأمر بحبس المرأة" فأنا لا أعرف أن ذلك ورد في القرآن إلا في موضع واحد هو قوله تعالي ) :واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً).. وهو أمر _كما ترون أيها السادة_ محدود بشرط ارتكاب الفاحشة.. وذلك الشرط محدود بشهادة أربعة.. وهذا يعني أن المرأة المسلمة غير ملزمة بالخضوع للرقابة إلا إذا ارتكبت إثم الزني... وهذا يعني من ناحية أخري أن حبس المرأة في البيت دون أن ترتكب ذلك الإثم, إنما هو حكم سابق غير عادل.. وهذا ما كنت أعنيه عندما قلت لكم أن ما يفعله العرب الآن ليس بالضرورة هو الإسلام.الأجدر بنا أن نركز انتباهنا علي الدقة الخارقة التي يتطلبها فهم النص نفسه..
    وبالنسبة لفرض الحجاب علي المرأة المسلمة, فالنص القرآني يبدأ"بالرجل : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون).... ثم يخاطب المرأة بعد ذلك ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن علي جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الين لم يظهروا علي عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن).
    وأول شيء يثبته النص أن المرأة المسلمة غير ملزمة بالبقاء في البيت.. وإلا لما كان ثمة حاجة لأمرها بأن تغض بصرها وألا تخفي زينتها فالمرأة حرة من هذه الناحية.. ولكن المطلوب منها أن تلزم جانب العفة.. والنص القرآني يشير إلي غطاء للوجه_لا جدال في ذلك_ وجوب الستر بالخمار, وهذا ما أساءت الآنسة ديفارج فهمه هنا, والقرآن يطلب أن يصل الخمار حتى يغطي الصدر ولكن القرآن يقول بعد ذلك مباشرة إن المرآة يجب ألا تبدي زينتها إلا لزوجها وأقاربها.. ولم يقل يجب ألا تبدي وجهها ... والذين يفترضون أن ذلك ما يقصده القرآن يتعدون حداً مهماً وهو أن القرآن لم يكن "يقصد" بل كان "يأمر" في وضوح لا حد له.. وذلك يقودنا جميعاً إلي فهم النص كما هو .. فقد جاء الأمر أولا مشتركاً بين الرجال و النساء علي السواء وتركز في صفة مهمة واحدة "العفة" ثم واصل القرآن الحديث إلي النساء_دون الرجال_ وتركز الحديث مرة أخري في صفة واحدة مهمة "عدم الأغراء" ... فعندما يراجع المرء ذكر الذين سُمح للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم نراهم جميعاً لا يخضعون لاحتمال "الإغواء الغريزي" فهم إما أزواج أو أخوة أو محرمون أو شيوخ أو أطفال... فالمشكلة ليست تغطية الوجه بل هي مشكلة "عدم تعمد الإغراء".........
    والجدير بالملاحظة أن "إبداء الزينة" قد ورد مرتين متتابعتين فالمرة الأولي كانت أمراً بعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها .. ثم سمح بإبدائها في المرة الثانية للأزواج والمحرمين دون إلزام أو تعمد بالطبع .. وإذاً فإبداء ما ظهر من الزينة لغير المحرمين ليس حراماً .. هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإن الزينة يمكن فهمها باعتبار أنها موضع للإغراء ... وهذا كله يقود إلي فكرة واحدة هي أن المرأة ترتكب إثم المعصية عندما تتعمد إبداء مفاتنها للإغراء. وحده... لذا أيها السادة_ فقد قال القرآن في موضع أخر: ( والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميعٌ عليم)
   فالستر بالثياب مطلوب لتفادي مشكلة الجنس التي تتبدي بصورة طبيعية عند تعامل الجنسين... ومن الواضح أن الفكرة تتركز علي وجوب تفادي الإغراء أو محاولته بأي وجه .. وعندما تختفي تلك المشكلة بحكم السن _ كما في حالة النساء القواعد _ فإن القرآن يبيح للمرأة أن تلبس ما تشاء في حدود عدم التبرج.
   فالمشكلة ليست مشكلة الخمار أو اللباس...بل هي مشكلة "العفة الجنسية" التي لا يمكن تحقيقها إلا بإغلاق الطريق مرة واحدة أمام كل النوايا السيئة بالإغراء بالإثم, وذلك أمر موجه إلي الرجل والمرأة معاً...ومخالفته توجب عقاباً واحداً لكليهما معاً...
وهذه _أيها السادة_ حلول القرآن لتلك المشكلة المعقدة فهو لا يفرض السجن أوالحجاب (العزل) علي المرأة, ولكنه يطالبها بأن تفهم عواقب التهور الجنسي الذي يقود إلي خسارتها أولاً ثم خسارة المجتمع ثانياً.. يطالبها " بالتزام العفة" لكي يتمكن المجتمع من مواصلة بقائه علي الطرق المحددة.. بغض النظر عن أشكال اللباس, فالإسلام دين " النية الأصلية وليس دين المظهر".. والمطلوب هو تفادي فكرة المعصية ذاتها.. 
    فما علاقة هذا بما كتبته الآنسة ديفارج .. ولماذا تصر الآنسة الفاضلة علي أن تحشر أفكار البشر داخل الأفكار الدينية .. وأرجو أن تعرف معي الآنسة ديفارج _ أن الرجال الذين يحبسون عجائزهم داخل بيوتهم ويفرضون عليهن مختلف أنواع الأقنعة لا يفعلون ذلك بوحي من أي شيء أكثر من عقدهم النفسية وسذاجتهم وجهلهم الذي فرضته ظروف متباينة.. فأرجو من الآنسة ديفارج أن تراجع نفسها.. فقد نسيت في غمرة حماسها أن الله لا يمكن أن يظلم المرأة وغيرها.. ولكن الرجال يفعلون ذلك .. الرجال البسطاء الذين قهرتهم ظروف شنيعة وأجبرتهم علي الجهالة .. والظلم ...
   ولتصدقيني عندما أقول أنه ليس ثمة دين ولا قانون _ مهما كان _ لم يتم تحويره في عصور الجهالة.. أو لم يسأ فهمه ...
   ولكن الحق يبقي في النهاية أكبر .. أكبر من الرجال .. ومن الجهل .. ومن المظالم التي ترتكب في حق النساء . . . 
ــــــــــــــــــ
من كتاب كلمات الحق القوية، للمفكر الليبي الصادق النيهوم،الناشر تالة للطباعة والنشر، طرابلس ومؤسسة الانتشار العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 2002، ص ص 39 – 48.



 أو  



 أو 





أو



الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة