‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيودرو دوستويفسكي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فيودرو دوستويفسكي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 فبراير 2015

فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي ...


  
                                فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي 


                      (Фёдор Михайлович Достоевский)


                            (11 نوفمبر 1821 - 9 فبراير 1881)

                                                   


   واحد من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين، وأعماله كان لها أثر عميق ودائم على أدب القرن العشرين.

   شخصياته دائماً في أقصى حالات اليأس وعلى حافة الهاوية، ورواياته تحوي فهماً عميقاً للنفس البشرية كما تقدم تحليلاً ثاقباً للحالة السياسية والاجتماعية والروحية لروسيا في ذلك الوقت.

    العديد من أعماله المعروفة تعد مصدر إلهام للفكر والأدب المعاصر، وفي بعض الأحيان يذكر أنه مؤسس مذهب الوجودية.

سـيـرتـه :

بداية حياته :

    فيودور كان الثاني من سبعة اطفال ولدوا لـ ميخائيلوفيتش وماريا دوستويفسكي، حيث كان والده جراحاً متقاعداً مدمناً على الخمور سريع الإنفعال، وحيث كان يعمل في مستشفى مريانسكي للفقراء في أحد أحياء موسكو. كانت المستشفى مقامة في أحد اسوأ احياء موسكو. حيث كان يحوي هذا الحي على مقبرة للمجرمين ،و محمية للمجانين، ودار أيتام للأطفال المتخلى عنهم من قبل أهاليهم. وقد كان لهذه المنطقة التأثير القوى على دوستويفسكي الصغير. الذي آثار شفقته وانتباهه اضطهاد وقلق الفقراء. مع منع أهله لذلك. فيودور كان يحب أن يتمشى في حديقة المستشفى، حيث كان المرضى يجلسون ليلمسوا لمحات من أشعة الشمس. فيودور كان يستمتع بالجلوس إلى هؤلاء المرضى والسماع لحكاياتهم.

   هناك الكثير من الحكايات عن تحكم الأب ميخائيل الاستبدادي في التعامل مع أبنائه. عند عودته من العمل، كان يأخذ غفوة بينما يأمر أبناؤه أن يجلسوا بصمت مطلق، يقفون بجانب أبيهم النائم "نوما خفيفاً" في تناوب ليبعدوا الذباب الذي يقترب من وجهه. في كل الأحوال، من وجهة نظر يوسف فرانك، كاتب سيرة لـ دوستويفسكي، أن شخصية الأب في رواية الإخوة كارامازوف ليست مبنيه على أساس شخصية الأب دوستويفسكي. الخطابات والحسابات البنكية تبين أنهم كانا يتمتعان بعلاقه حسنه ومتحابه.

     بعد فترة وجيزة من موت أمه بمرض السل في عام 1837، أُرسل دوستويفسكي وأخيه إلى اكاديمية الهندسة الحربية في سانت بترسبيرج. توفي والد فيادور في عام 1839. ومع أنه لم يثبت أبدا إلا أنه من المعتقد أنه قد تم قتله على يد رفيقه. بطريقه غير مباشره، غضبوا وسخطوا خلال واحده من انفجاراته العنيفة الناتجة عن الشراب، فكبلوه وقاموا بسكب شراب الفودكا في حلقه إلى أن أختنق. وفي إسطوره أخرى أنه قد مات من أسباب طبيعية، ولكن أحد الجيران أخترع قصة القتل ليشتري أملاكه بمبلغ زهيد. صفة الأب المستبد أثرت بشكل كبير في كتابات دوستويفسكي. وكانت واضحة جدا في الشخصية " فيادور بافلوفيك كرامازوف " المهرج العاطفي والشرير الأب للشخصيات الأربعة الرئيسية في روايته لعام 1880 " الأخوة كرامازوف ".

    دوستويفسكي كان مصاب بالصرع، وأول نوبة أصابته عندما كان عمره 9 سنوات. نوبات الصرع كانت تصيبه على فترات متفرقة في حياته، ويعتقد أن خبرات دوستويفسكي أدت إلى تشكيل ألأسس في وصفه لصرع الأمير " مايشكين " في روايته " الأبلة"، بالإضافه إلى آخرون.

    في اكاديمية الهندسة الحربية في سانت بترسبيرج، تعلم دوستويفسكي الرياضيات التي يحتقرها. في كل الأحوال تعلم أيضاً الأدب من " شكسبير، باسكال، فيكتور هوجو، و إي.تي.أيه هوفمان. بالرغم من أنه ركز على مواد أخرى غير الرياضيات، تمكن من أي يحصل على درجات جيده في الاختبار وحصل على تكليف في 1841. السنه التي عرف أنه كتب فيها مسرحيتان رومنسيتان، مستوحاة من الكاتب المسرحي والشاعر الرومانسي الألماني " فريدريك ستشيللر". كانت المسرحيتان، " ماري ستوارت" و" بوريس جودونوف، ". المسرحيتان لم تحفظا. مع أن دوستويفسكي كفتى، دراما تتحدث عن نفسها، وكان يبجل " ستشيللر"، إلا أنه في السنوات التي أنتج فيها جل كتاباته وأفضل رواياته كان عادة يعبث ويهزل به.

بـدايـة مـهـنـة الـكــتـابـة :

   ترقى دوستويفسكي إلى ملازم أول عام 1842، وترك كلية الهندسة السنة التالية. وقد أكمل ترجمة رواية " أوجيني غراندي لبلازاك، "عام 1843، ولكنها لم تجلب له غير القليل من الإهتمام. قام دوستويفسكي بكتابة خياله الخاص في نهايات 1844 بعدما ترك الجيش. في عام 1845، كتابته الأولى، روايته القصير التي تتضمن رسالة مهمة، " الفقراء "، نشرت في مجلة " المعاصرة " وتقبلها الناس بتهافت قوي. دخل مدير تحرير المجلة، الشاعر " نيكولاي نيكراسوف " إلى المكتب وأعلن " لقد ظهر جوجل جديد، يقصد نيقولاي غوغول (كاتب روسي مرموق) "، وقد أيده بيلينسكي وأتباعه والكثير، بعدما اكتملت الرواية ونشرت في كتاب، ومن بداية اليوم التالي للنشر، أصبح دوستويفسكي من الأدباء المشاهير في الرابعة والعشرون من عمره.

  في عام 846، " بالينسكي " والكثير غيره رفضوا روايته " المـِـثِـل " عن دراسه نفسيه لموظف حكومي، يبدله غروره ويفقده حياته. بدأت شهرة دوستويفسكي تهدأ وتبرد. معظم أعماله بعد الفقراء قوبلت بأراء مختلفة، وبدأ وقتها أن تنبؤات " بالينسكي " بأن دوستويفسكي سيصبح أحد أفضل كتاب روسيا، كانت خاطئة.

الـنـفـي الـى سـيـبـيـريـا :

    تم القبض على دوستويفسكي وزج به إلى السجن في 23 ابريل من عام 1849، لكونه أحد أعضاء جماعة التفكير المتحرر " جماعة دائرة بتراشيفيسكي، Petrashevsky Circle ". بعد الثورة في عام 1848 في أوروبا كان القيصر " تسار نيكولاس، Tsar Nicholas I " جاف وقاسي في التعامل مع أية جماعات تعمل في الخفاء، والتي أحس أنها من الممكن أن تهدد الحكم الفردي المتعامل به. في 16 نوفمبر من تلك السنة، كان دوستويفسكي ومعه باقي أعضاء " جماعة دائرة بتراشيفيسكي " قد حكم عليهم بالإعدام. بعد عملية إعدام زائفة، والتي خلالها وقف دوستويفسكي مع باقي الأعضاء في الخارج في أجواء متجمدة منتظرين فرقة الإعدام لتقوم بالحكم. تغير حكم الإعدام على دوستويفسكي إلى أربع سنوات من النفي مع العمل الشاق في سجن " كاتورجا، katorga " في مقاطعة " اومسك، بسيبيريا، Omsk, Siberia ". بعد سنين شرح دوستويفسكي إلى أخيه المعاناة التي تعرض لها عندما كان " يغلق عليه التابوت ". وصف له الثكنات العسكرية المتداعية، والتي كما وصفها بكلماته عندما كتب " كان من المفترض أن تهدم منذ سنين ".


    في الصيف، أجواء لا تطاق، في الشتاء برد لا  يحتمل. كل الأرضيات كانت متعفنة. القذارة على الأرض يصل ارتفاعها إلى بوصة (مايعادل 2.5 سنتمتر). من السهل أي ينزلق الشخص ويقع.... كنا محزومون كالسردين في برميل..... لم يكن المكان كافي لتستدير..... من المغرب إلى العشاء، كان من المستحيل أن لا نتصرف كالخنازير.... البراغيث، القمل الخنافس السوداء كانت متواجدة بالمكيال..."


من أعماله :


- الإخوة كارامازوف (Братья Карамазовы) وهي الرواية التي عرّبها الكاتب المصري محمود دياب ومثلت في فيلم مصري باسم (الأخوة الأعداء) و تعتبر هذه الرّواية من قبل الكثير قمّة عطاءات الكاتب، وهي الرّواية الأخيرة له حيث فارق الحياة بعدها.

- الجريمة والعــقاب (Преступление и наказание) (رواية طويلة -1866) 

(رواية طويلة - 1881)عربت ومثلت في فيلم مصري باسم (سونيا والمجنون)

- مذلون مهانون (Униженные и оскорбленные) (رواية طويلة - 1861)

- المساكين (Бедные люди) (رواية طويلة - 1846)

- الشياطين (Бесы) (رواية طويلة - 1872)

- الأبله (Идиот) (رواية طويلة - 1867-1869)

- ذكريات من منزل الأموات (Записки из Мёртвого дома) (رواية - 1862)

- في قبوى (Записки из подполья) (رواية طويلة - 1864)

- الليالى البيضاء (Белые ночи) (رواية قصيرة - 1848)

- المقامر (Игрок) (رواية طويلة - 1867)

- حلم العم (Дядюшкин сон) (رواية طويلة - 1859)

- الزوج الأبدى (Вечный муж) (رواية طويلة - 1870)

- التمساح (Крокодил) (قصة قصيرة - 1865)

- المثل (قصة قصيرة)

- قلب ضعيف (Слабое сердце) (قصة قصيرة - 1848)

- شجرة عيد الميلاد و الزواج (Елка и свадьба) (قصة قصيرة - 1848)

- قصة أليمة (Скверный анекдот) (قصة قصيرة - 1862)

- زوجة آخر و رجل تحت السرير (قصة قصيرة)

- ذكريات شتاء عن مشاعر صيف (سرد قصصي - 1863)

- مذكرات كاتب (Дневник писателя) (سرد قصصي - 1873–1881)






الأعمال الكاملة لدوستويفسكي من ترجمة الدكتور سامي الدروبي

في ثمانية عشر مجلداً .


مقدمة / د. سامي الدروبي

   رغم مرور مئة عام ونصف على وفاة دوستويفسكي (1821-1881) يعتبر نقاد الأدب و مؤرخوه واحداً من أعظم الروائيين الروس في القرن التاسع عشر و قد اعتمدت المجموعة الكاملة على منهج التسلسل الزمني في توزيع الأعمال ، فالمجلد الأول يضم باكورة انتاجه و في طليعته الرواية القصيرة (الفقراء 1846) التي اقترن صدورها بالنجاح السريع الذس أحرزه المؤلف الشاب ، و جاء بمثابة مؤشر على اهتمامه الباكر بالكتابة الأدبية و الروائية . و في العام نفسه صدرت روايته (المِثل) أو الظل أو القرين ، لتطرح إحدى المسائل التي يتناولها في روايته الكبرى (الجريمة والعِقاب) ، ( الإخوة كارمازوف ) و نعني بها مسألة الصراع الداخلي بين الخير والشر ، مع أهمية معرفتنا بوجود الرابط الوثيق بين التجارب والمعاناة و الهواجس والمرض الوراثي من جهة و بين الأفكار و المُثل و المعضلات و المعتقدات التي تناولها دوستويفسكي في رواياته واضفاها على شخصياته الروائية ، و هي اعتقاده الراسخ بحاجة الإنسان إلى الندم و التوبة والتكفير ، و قناعته بأن الالم و العذاب و المعاناة تؤلف سبيل الخلاص . مما حدا بالنقاد و الباحثين إلى اعتبار تلك الفكرة بمثابة الهاجس المسيطر على كتابات دوستويفسكي و شخصياته الروائية ، فأرسى بالتالي دعائم الفهم الديني لرواياته . و ثمة ناحية تسترعي انتباه القاريء في رواية الجريمة والعقاب ، حيث تتجلى براعة الراوي في تصوير الحياة الداخليه للمجرم ، في التركيز على إبراز الجوانب السيكلوجية للجريمة ، و على التناقضات التي تعصف بالذات الانسانية و تشحذ الوعي المتنامي بحدوث شرخ أو انفصام يؤججه الصراع النفسي داخل الشخص فيتجلى على شاكلة ازدواج في الشخصية ، و قد أدت هذه الناحية إلى تبلور المنظور النفسي في فهم اعمال دوستويفسكي الادبية ، و الى وضع الروائي في مصاف علماء النفس البشرية العظام . و لا ينتمي دوستويفسكي إلى مناخ القرن التاسع عشر فحسب ،إنه أحد معاصرينا من خلال أعماله الأدبية التي تطالعنا بمعزل عن أبعادها الزمنية و المكانية . ففي مطلع شبابه ارتبط مع مجموعة من الثائرين السياسيين و أصحاب الرؤى و التطلعات الغريبة و حين اكتشفت السلطات القيصرية أمر هذه ( الجماعة التآمرية ) تعرض دوستويفسكي للمحاكمة و صدر الحكم بإعدامه ، ثم صدر العفو القيصري بترحيله إلى سيبريا ، حيث أمضى خمس سنوات في الاشغال الشاقة ، و لم يأت العفو النهائي إلا عام 1859 ، و في آواخر أيام حياته يبدو أن المد التمردي قد انحسر في نفسه بعض الشيء ليفسح المجال أمام تراجعه صوب النزعة المحافظة ، و للقاريء أن يحسم في هذه المسأله من خلال مطالعته هذه الأعمال الأدبية الرائعة . لكن المنحى التمردي يظل طابعا مميزا للشخصيات الروائية ، و لا مناص من اعتباره في فهم أبعاده . ومما يجدر بقاريء دوستويفسكي تذكره على الدوام هو أن هذا الروائي العظيم سبر أعماق النفس الإنسانية و أفلح في كشف التناقضات التي تعصف بنفوس البشر و تستحوذ على أرواحهم و شخصياتهم . فقد سبق نيتشة إلى القول أن دوستويفسكي هو ( عالم النفس الأوحد الذي تعلمت منه شيئاً ) . و جاء الروائي النمساوي ستيفان تسفايغ ليؤكد (أن دوستويفسكي هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن ... ) و في إحدى رسائلة كتب دوستويفسكييقول " في غمرة شعور بالإعتزاز و إحساس بالذنب و إتهام الذات " ( لقد تجاوزت الحدود في كل شيء ، في كل شيء ) .


الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي - المجلد السابع ...


الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي 




المجلد السابع





  فيودور دوستويفسكي



ترجمة :سامي الدروبي



يحتوي على روايات :


المقامر - الزوج الأبدي

    يضم هذا المجلد السابع من أعمال دويستوفسكي الأدبية الكاملة روايتين (المقامر, والزوج الأبدي) ظهرتا بعد نشر روايته الكبيرة "الجريمة والعقاب".
المقامر (1866): إن فكرة تأليف رواية المقامر قد وافت دويستوفسكي سنة 1863, أثناء رحلته إلى الخارج مع باولين سوسلوفا. فبينما كان دويستوفسكي في طريقه إلى باريس للحاق بحبيته, تلبّث بمدينة فسبادن الألمانية ليقامر على الروليت. وقد ألهبه هوى هذه المقامرة, وربح, وظن أنه أدرك القواعد التي يجب إتباعها في هذه اللعبة لضمان الربح : "لقد أصبحت أعرف السر حقا: إنه سر بسيط غاية البساطة, وهو أن يمتنع المرء من حين إلى حين, دون أن يهتم بمراحل اللعب, ودون أن يفلت منه زمام سيطرته على أعصابه. ذلك كل شيء. يستحيل أن يخسر اللاعب متى اتبع هذه القواعد". لكنه ما يلبث أن يروي لأخت زوجته ما أصابه في اللعب من سوء الحظ وما نالته المصادفات من نكبات: "لقد وضعت لنفسي بمدينة فسبادن طريقة في اللعب طبقتها فسرعان ما ربحت عشرة آلاف فرنك. ولكنني اندفعت في تيار الحماسة صباحا, فغيرت هذه الطريقة, فما لبثت أن خسرت على الفور. حتى إذا عدت في المساء إلى تلك الطريقة, فاتبعتها إتباعا دقيقا لا أحيد عنه, وجدتني أربح من جديد ثلاثة آلاف فرنك بسرعة وبغير كبير جهد. فقولي لي بعد هذا : ألم يكن من حقي أن أتحمس وأن أظن أنني إذا طبقت طريقتي تطبيقا صارما كنت أضع سعادتي بين يدي؟.."
الزوج الأبدي (1870): كتب دويستوفسكي هذه القصة في خريف 1869 لمجلة من المجلات الداعية إلى السلافية في مجلة الفجر. وقد تحدث دويستوفسكي عن مولد هذه القصة في رسالة بعث بها إلى الشاعر آبولون مايكوف, فقال: "قضيت ثلاثة أشهر في كتابتها.. فملأت إحدى عشر ملزمة من ملازم المطبعة على الأقل. فتستطيع أن تتصور إذن أي عمل من الأعمال الشاقة التي تفرض على سجناء المعتقلات قد قمت به. لا سيما وأنني أخذت أكره هذه القصة الرديئة منذ البداية. لقد كنت أقدر أن أكتب ثلاث ملازم في أكثر تقدير. ولكن تفاصيل كثيرة انبجست من تلقاء ذاتها, فإذا أنا أكتب إحدى عشر ملزمة!".
   إن الموضوع الذي تدور عليه أحداث القصة هو الأسرة التي تتألف من زوج وزوجة وعشيق, هو الأسرة الثلاثية على حد المصطلح الحديث الذي أدخله التحليل النفسي. ولكن عبقرية دويستوفسكي لا تسبق التحليل النفسي فحسب, بل تصور هذا الموقف الذي أصبح معروفا تصويرا يهب له أبعادا فنية رائعة.



السبت، 21 فبراير 2015

الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي - المجلد الخامس ...

الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي 


المجلد الخامس

 فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي

يحتوي على :
ذكريات من منزل الأموات
هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الذكريات والمشاهدات والتأملات التي استوحى دوستويفسكي من سجنه في سيبيريا. وقصة سجنه من الطرافة بحيث لا يجوز التجاوز عنها, ونحن أمام (ذكريات من بيت الموتى) لأنها تعتبر بمثابة المهماز الدافع لوضع هذا الكتاب. ومما يلفت النظر في هذا الكتاب عدم وجود الترابط بين أجزاء الكتاب, فهو لا يعد قصة بالمعنى الصحيح, لأنه يفتقد مقومات القصة, كما في سائر مؤلفاته القصصية الباقية, وهو لا يعد بحثاً اجتماعياً لأنه لا ينطلق من المعطيات الأولية التي تبلغ في نهاية المطاف نتائج بناءة, إلا أنه يلاحظ فيه جوانب مثيرة من حياة المساجين, وأوضاع السجون, في سيبيريا التي تعتبر منفى قاسي المناخ بالنسبة لمن تصدر في حقهم أحكام السجن والأشغال الشاقة. في هذا الكتاب نجد الوصف الأدبي وتصوير نفسية المحكومين بالأشغال الشاقة والصراع الأبدي بين الخير والشر في النفس البشرية, هذا الصراع الذي يتجلى في سائر كتب الكاتب وخاصة في كتابه هذا. 
والحقيقة إن هذه الرسالة التي تصور حياة السجن، بألوان أكثر إبهاماً من الكتاب، يمكن اعتبارها بمثابة تصميم كامل للكتاب، بما فيها من آراء حول حياة السجناء، وعاداتهم الغريبة، وطباعهم، وقصصهم وحقدهم على السجين المنتمي إلى أصل نبيل، وهذه الفكرة الرئيسية القاتلة: (إن المجرمين هم الأشخاص الأكثر موهبة، والأكبر قوة من جميع أفراد شعبنا) ومرت سنوات طوال دون أن يظهر الكتاب.







أو

السبت، 7 فبراير 2015

الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي - المجلد الثاني ...

الأعمال الأدبية الكاملة لدوستويفسكي 



المجلد الثاني


ويحتوي على الروايات : 

- رواية نيتوتشكا نزفانوفنا

و القصص :

- الليالي البيضاء

- بروخارتشين

- الجارة

- المهرج

- السارق الشريف

- البطل الصغير

- قصة في تسع رسائل

- شجرة عيد الميلاد والزواج

- زوجة آخر ، و رجل تحت السرير 




 أو  


الجمعة، 6 فبراير 2015

الأعمال الأدبية الكاملة لـدوستويفسكي - المجلد الأول ...

الأعمال الأدبية الكاملة لـدوستويفسكي




ترجمة الدكتور سامي الدروبي


مقدمة : د. سامي الدروبي : 
   رغم مرور مئة عام ونصف على وفاة دوستويفسكي (1821-1881) يعتبر نقاد الأدب و مؤرخوه واحداً من أعظم الروائيين الروس في القرن التاسع عشر و قد اعتمدت المجموعة الكاملة على منهج التسلسل الزمني في توزيع الأعمال ، فالمجلد الأول يضم باكورة إنتاجه و في طليعته الرواية القصيرة (الفقراء 1846) التي اقترن صدورها بالنجاح السريع الذي أحرزه المؤلف الشاب ، و جاء بمثابة مؤشر على اهتمامه الباكر بالكتابة الأدبية و الروائية .
    و في العام نفسه صدرت روايته (المِثل) أو الظل أو القرين ، لتطرح إحدى المسائل التي يتناولها في روايته الكبرى (الجريمة والعِقاب) ، ( الإخوة كارمازوف ) و نعني بها مسألة الصراع الداخلي بين الخير والشر ، مع أهمية معرفتنا بوجود الرابط الوثيق بين التجارب والمعاناة و الهواجس والمرض الوراثي من جهة و بين الأفكار و المُثل و المعضلات و المعتقدات التي تناولها دوستويفسكي في رواياته وأضفاها على شخصياته الروائية ، و هي اعتقاده الراسخ بحاجة الإنسان الى الندم و التوبة والتكفير ، و قناعته بأن الألم و العذاب و المعاناة تؤلف سبيل الخلاص . مما حدا بالنقاد و الباحثين الى اعتبار تلك الفكرة بمثابة الهاجس المسيطر على كتابات دوستويفسكي و شخصياته الروائية ، فارسي بالتالي دعائم الفهم الديني لرواياته .
    و ثمة ناحية تسترعي انتباه القارئ في رواية الجريمة والعقاب ، حيث تتجلى براعة الراوي في تصوير الحياة الداخلية للمجرم ، في التركيز على إبراز الجوانب السيكلوجية للجريمة ، و على التناقضات التي تعصف بالذات الإنسانية و تشحذ الوعي المتنامي بحدوث شرخ أو انفصام يؤججه الصراع النفسي داخل الشخص فيتجلى على شاكلة ازدواج في الشخصية ، و قد أدت هذه الناحية الى تبلور المنظور النفسي في فهم أعمال دوستويفسكي الأدبية ، و الى وضع الروائي في مصاف علماء النفس البشرية العظام .
    و لا ينتمي دوستويفسكي الى مناخ القرن التاسع عشر فحسب ،إنه احد معاصرينا من خلال أعماله الأدبية التي تطالعنا بمعزل عن أبعادها الزمنية و المكانية . ففي مطلع شبابه ارتبط مع مجموعة من الثائرين السياسيين و أصحاب الرؤى و التطلعات الغريبة و حين اكتشفت السلطات القيصرية أمر هذه ( الجماعة التآمرية ) تعرض دوستويفسكي للمحاكمة و صدر الحكم بإعدامه ، ثم صدر العفو القيصري بترحيله الى سيبريا ، حيث أمضى خمس سنوات في الأشغال الشاقة ، و لم يأت العفو النهائي إلا عام 1859 ، و في آواخر ايام حياته يبدو أن المد التمردي قد انحسر في نفسه بعض الشيء ليفسح المجال أمام تراجعه صوب النزعة المحافظة ، و للقارئ ان يحسم في هذه المسألة من خلال مطالعته هذه الأعمال الأدبية الرائعة . لكن المنحى التمردي يظل طابعا مميزا للشخصيات الروائية ، و لا مناص من اعتباره في فهم أبعاده .
    ومما يجدر بقارئ دوستويفسكي تذكره على الدوام هو أن هذا الروائي العظيم سبر أعماق النفس الإنسانية و افلح في كشف التناقضات التي تعصف بنفوس البشر و تستحوذ على أرواحهم و شخصياتهم . فقد سبق نيتشة إلى القول أن دوستويفسكي هو ( عالم النفس الأوحد الذي تعلمت منه شيئاً ) . و جاء الروائي النمساوي ستيفان تسفايغ ليؤكد (ان دوستويفسكي هو أول انسان أعطانا فكرة عن الناس الذين هم نحن ... ) و في احدى رسائله كتب دوستويفسكي يقول " في غمرة شعور بالاعتزاز و إحساس بالذنب و اتهام الذات " ( لقد تجاوزت الحدود في كل شيء ، في كل شيء ) .


 المجلد الأول



   هذا المجلد من أعمال دويستوفسكي الأدبية ثلاث قصص كتبها في السنين الثلاث الأولى من نشاطه الأدبي. ولعلها تتفاوت نوعا وقيمة, وقد استقبلها النقاد استقبالا مختلفا على كل حال. ولكنها تجتمع أولا على وصف شخصيات قلقة ورسم وجوه معذبة لا يرجع ما تعانيه من قلق وعذاب إلى طبيعتها وحدها, وإنما يرجع كذلك إلى الظروف القاسية التي تحيط بها وإلى الظلم الاجتماعي الذي يثقل على صدورها. وإذا كانت هذه الشخصيات لا تكاد من فرط انسحاقها أن تشكو أو تتذمر, فإن القارئ يشكو ويتذمر نيابة عنها, بل يستحيل شكواه ويستحيل تذمره إلى تمرد وثورة.
  الفقراء (1846): "المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحب آلهة وحيه سكان السقوف والأقبية وتقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة: هؤلاء بشر أيضا, هؤلاء أخوتكم".
  بهذه العبارة حيا بيلنسكي, سنة 1946, قصة الفقراء. والحق أن حماسة الناقد الروسي الكبير في محلها: لقد ظهرت عبقرية دويستوفسكي الخلاقة في أول عمل من أعماله الأدبية, وهو لما يزل في السادسة والعشرين من عمره, ولئن لم تتفتح هذه العبقرية من عامل مكنوناتها بعد, ولئن لم تصل إلى الآماد التي ستصل إليها, فقد كشفت منذ أول عمل عن السمة التي ستظل تميزها: حبها وعطفها وحماستها للمغمورين المغلوبين على أمرهم, لأولئك الذين سيسميهم دويستوفسكي في عمل مقبل من أعماله "المذلين" و"المهانين".
المثل(1846): نشرت رواية "المثل" بعد صدور "الفقراء" بشهر واحد. فلم يستقبلها النقاد والكتاب والقراء بمثل ما استقبلوا به قصة "الفقراء" من حماسة. ولكن الناقد الشهير بيلنسكي حرص على إبراز دلالتها الاجتماعية, حتى لقد قال بيلنسكي إنه يرى في هذه القصة من الموهبة الخالقة ومن عمق الفكر ما لم ير مثله في قصة الفقراء, ثم ختم مقاله بتنبؤات تتناول دويستوفسكي فقال : "سوف تظهر أثناء حياته مواهب كثيرة تعارضه, ولكن هذه المواهب كلها سيطويها النسيان, أما موهبته فتظل في ذروة المجد".
قلب ضعيف(1848): وهذا بطل آخر من صغار الموظفين, شاب يفيض مزايا وخير ومحبة, راضٍ عن مصيره, رغم أن راتبه لا يزيد على خمسة وعشرين روبلا في الشهر. إن رئيسه يستغله, عاهدا إليه بأعمال إضافية لا يدفع له أجرها خلال أربعة أشهر. ولكنه ينهض بالعبء في جد واجتهاد وحماسة, حتى إذا كافأه رئيسه بخمسين روبلا فاض قلب الفتى شعورا بالشكر والامتنان. والفتى سعيد, لأن له صديقا عزيزا عليه, ولأنه خطب فتاة يحبها حب عبادة, ولأنه ينعم بالحظوة لدى رئيسه. ولكن "قلبه الضعيف" ينوء بحمل كل هذه السعادة. 



(الفقراء – المثل – قلب ضعيف) 


      حمله من هنا  أو  حمله من هنا    




أو 





الأربعاء، 21 يناير 2015

رواية الجريمة والعقاب - فيودرو دوستويفسكي ...

تحميل رواية الجريمة والعقاب



فيودرو دوستويفسكي

ترجمة: د. سامي الدروبي

   رواية "الجريمة والعقاب" تُعد من أشهر اعمال الكاتب الروسى فيودور دوستويفسكي .
   تتطرق الجريمة والعقاب لمشكلة حيوية ومعاصرة الا وهي الجريمة وعلاقتها بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية للواقع , وهي المشكلة التي اجتذبت اهتمام ديستوفيسكي في الفترة التي قضاها هو نفسه في احد المعتقلات حيث اعتقل بتهمة سياسية وعاش بين المسجونين وتعرف على حياتهم وظروفهم.
   وتتركز حبكة الرواية حول جريمة قتل الشاب الجامعي الموهوب رسكولينكوف للمرابية العجوز وشقيقتها والدوافع النفسية والأخلاقية للجريمة.

    رواية الجريمة و العقاب لفيدور دستويفسكي هي أول رواية فلسفية بوليسية, وهي مع ذلك رواية نفسيه تطرق باب التحليل النفسي وتدخل القارئ إلى أعمق أعماق نفوس أبطال الرواية. في روايته الأولى قدم فيدور روايته الاجتماعية الأولى - الفقراء - بالصيغة التقليدية, وبعد عشرين عاماً كتب روايته الاجتماعية الكبيرة بصورة معقدة وأصيلة. الرواية بأكملها عبارة عن مناجاة داخلية في نفس البطل بصورة فلسفية, حول أساس اللغز البوليسي. نقد البطل راسكولينكوف لذاته المسهب والعميق جداً, حواره مع الأبطال, بورفير, سفدرجايلوف, سونيا, مراوغة مستمرة بين الشرطة والنيابة. هذه هي الجريمة والعقاب. إنها رواية الدخول إلى أعماق نفوس الأبطال, إلى داخل داخل أقصى نقطة في نفس البطل. 

تسير أحداث الرواية من قضية المال, وأحد شخصيات الرواية - لوجين - يعلل جريمة راسكولينكوف بالعلل المالية و المنعطف المالي الخطير. يقول في الحوار الذي دار في غرفة البطل البائسة, " مالذي يسبب انحلال أخلاق الشريحة المتمدنة في مجتمعنا " يجيب إحدى شخصيات الرواية - زوسيموف - " كثرة التقلبات الاقتصادية "

   من أول الرواية, نعرف أن البطل يخنقه الفقر وحديثه الأول مع المرابية العجوز يدفعه دفعاً للتخلص من هذا العجوز في سبيل قضية أسمى وأكبر. القتل لأجل الخير, ولأجل إسعاد الناس, بأخذ أموال هذه العجوز وإنفاقها في سبيل رفعة الإنسان وتعليمه. سرعان ما يضع أحد الطلبة في الصفحات اللاحقة للرواية القضية المالية بمنظور جديد و فكرة جذرية - الحق في امتلاك المال من أجل توزيعه على مستحقيه بالعدل! -

    " يمكن تنفيذ مائة أو ألف عمل ومشروع بمال العجوز, هذا المال الموقوف على الكنيسة! مئات, آلاف الكائنات المرمية في الطريق, وعشرات الأسر تنقذ من البؤس, من الدمار, من الموت, من الفجور, من مشافي الأمراض, كل هذا بمال العجوز "

    الوضع الاقتصادي في الزمن الروائي وسع مخطط راسكولينكوف, وتطور بوضوح أمام عينيه في حلقات غامضة ومشاهد مفزعة في العاصمة الضخمة, عن الشابات المغتصبات, البغايا, السكارى, الغرقى, كل هذه الشخوص المسحوقة لا تفتأ تؤكد وتدفع راسكولينكوف المتمرد دفعاً لتنفيذ إرادته. فيقرر تنفيذ مخططه وضرب مركز الشر الذي يهدد الحياة, وحرق مدينة الرأسمالية التي تعصر بمخالبها سونيا, وكل عائلة مارميلادوف, وراسكولينكوف ذاته !

   أمر آخر بالغ الأهمية في هذه الرواية, وهي نقل الصراع الفكري الدائر بين دوستويفسكي و منافسيه ونقاده إلى الرواية والرد عليهم عبر شخصياته, فهو يطرح في روايته بشكل جديد الصراع الآيديولوجي الذي كان يخوضه في مجلاته عبر تصوير إنسان عدمي بائس يتألم في أعماقه النفسية. يرسم دستويفسكي عدمياً متطرفاً يطل إلى نقطة اللانهاية, إلى حيث لا شيء بعده, ويدلل في الأخير كيف تتجابه الحياة و النظرية في روح الإنسان, وكيف أن الحياة هي الرابح المنتصر في نهاية المعركة.

    كيف كانت طريقة السرد في الرواية ؟ استخدم دستويفسكي عدة أنواع من السرد وسأركز على أهمها وأكثرها تأثيراً وهي صيغة المتكلم, الشخص الأول واعتراف البطل بالذات, مع التذكير بأن الكاتب لم يتناسى الأسلوب الكلاسيكي, أي قصة يسوقها الكاتب للقارئ. في الرواية يضع فيدور تصميماً جديداً يحقق فيه الكاتب عرض القصة, لكنه يركز على البطل, وتصميم آخر قصة يقودها الكاتب, غير مرئي وغير موجود, لكنه يلازم راسكولينكوف كظله. هذا التصميم يظهر بقوة في كل الفصول التي يكون فيها البطل حاضراً, لكنها غائبة في بعض الفصول الآخرى ومنها قصة سفدرخايلوف. لكن المبدأ الرئيسي في كل السرد لا يبتعد فيدور عن بطله الرئيسي في حدود الممكن, مما حول طريقة السرد و العرض إلى مناجاة داخلية يقوم بها البطل ليعطي جريمته الوحدة, والتوتر وعرض الانفعالات النفسية.

    الرواية مركزة على فكرة واحدة يرتبط بها كل شي, فمنذ بداية العرض يعلم القارئ أن جريمة على وشك الحدوث, وخلال الفصول الستة الأولى لا ينفك فيدور بطرح عدد من البواعث الأيديولوجية للجريمة. وبعد الجريمة مباشرة نبدأ بقراءة صراع راسكولينكوف الداخلي ضد نفسه, ونظريته و وعيه, وصراعه الخارجي ضد السلطة ممثلة بخصمه العتيد - بورفير -, وحواراته العنيفة مع شخوص قريبة من البطل - رازوميخين / سونيا/ دونيا - والمباحثات و الحوارات الثلاث مع قاضي التحقيق هي من روائع التحليل النفسي التي يختلقها راسكولينكوف مع خصمه العاتي.

   لم يبقى أمام البطل سوى الخضوع لإيحاء بورفير الذكي و تأثير سونيا الأخلاقي - الاستسلام للعدالة - " اذهب فوراً, في هذه اللحظة نفسها, اذهب إلى مفرق طرق, فاسجد على الأرض, واتجه إلى جهات العالم الأربع جهة بعد جهة, ثم ارفع صوتك عالياً قوياً أما جميع الناس, وقل : لقد قتلت , عندئذ سيرد إليك الإله لحياة "

  هناك أمر آخر كان أكثر إثارة من الجريمة وصورها دستويفسكي بشكل مريع وبشع جداً, إن لم يكن فضائحياً بصورة تدعو للذهول والإعجاب. أقصد بذلك تراجيديا عائلة مارميلادوف التي كانت الذريعة الأقوى لدعم نظرية البطل, وكذلك دور سفدريخايلوف في مصير أخته. في الرواية يلتئم جمهور غفير بائس على مائدة آل مارميلادوف . كل أفراد العائلة وعلى رأسهم أرملته البائسة كاترين التي هي في أقصى ذروة الغطرسة تحلم باحتفال مهيب في أوساط علية القوم. لكن المدعوين ليسوا سوى ثلاث بولنديين سكارى حتى أن كاترين لا تعرفهم. شيئاً فشيئاً يتفاقعم غضب كارتين, فتتخاصم مع ربة المنزل, الضجيج غير عادي, الصراخ و التهديد, وبكاء الأطفال, فجأة تنفجر العاصفة باتهام لوجين لـ سونيا بأنها سرقت مائة روبل. القطعة وجدت في جيب الفتاة لاحقاً, وتبين كذلك أن لوجين دسها في جيبها, وتبلغ الفضيحة أوجها ويصبح المشهد مؤثراً ويعزف على أوتار مشاعر القراء. يسمع الناس نحيب كارتين وهذيانها البائس, وسط تعجبات وصرخات الحضور.

    " إن نحيب المسكينة كاترين إيفانوفنا المسلولة المهجورة بدا أنه ترك تعاطفاً عميقاً على الجمهور. كانت مؤثرة جداً رؤية هذا الوجه الذي شوهته الآلام, فجفت عروقه, ووشم بداء الصدر, وهاتين الشفتين المتشققتين التي يغطيهما الدم الجاف, وسماع هذا الصوت الأبح والحاد, وهذا البكاء الأشبع ببكاء الأطفال, ودعاء الاستغاثة الطفلوي واليائس, مما جعل الحضور كما يبدو يشفقون على هذه التعيسة "

   هذا الفصل المليئ بالبؤس , المدعوم بخطاب راسكولينكوف المفوه الذي يذب فيه عن سونيا, ترك على الناس تعبيراً غريباً استثنائياً, مما جعل الشابة المتهمة تستعيد سمعتها لدى الرأي العام التي تلطخت بالسرقة. لكن هناك الأكثر فضائحية, ويخطي من يظن أن فصول مأساة آل مارميلادوف قد انتهت هنا. بل من هنا كانت البداية الأخيرة لعائلة مارميلادوف. تنطلق كاترين إلى الشارع بحثاً عن عدالة تنقذها من هذا الفقر الموحش, ومن اتهام امرأة كانت ستبصح زوجة حاكم عام, وتتحول هذه القصة القذرة بتفاصيلها الحزينة إلى فاجعة, فاجعة التنقيب عن الحقيقة التي ليس لها سوى نهاية واحدة, الموت! هذه المرأة البائسة تسقط في عرض الشارع باصقة الدم, لقد أصبحت بطلة الفاجعة بعد أن كانت أحد الأبطال, أجبرها على ذلك الإرهاق والاتهام, ويأسها الأمومي, واحتجاجها على هذا العذاب الشامل. لقد قرأت الكثير من الروايات, وقرأت الكثير عن البؤس و الشقاء الإنساني, لكن أقولها بشكل لا مبالغة فيه, لم أجد حتى الآن مشهد درامياً يعصف بقلب القارئ أكثر من مشهد وفاة كاترين!

    في المجلات المنشورة بعد صدور هذه الرواية, استأثرت شخصية آل مارميلادوف بالكثير من التحليل والقراءة. وكشفت بعض هذه القراءات الصلة بين الكحول والمتاجرة بالشرف, والسل و البطالة و البؤس و الطفولة المهملة, والوهن الجسدي لكل أفراد الأسرة, وداء الصدر.

    لقد لخصت حياة آل مارميلادوف الموضوعات الأساسية المناهضة للكحول. ولم تعالج قضية السكر في الأدب إلا بأسلوب ساخر وبسيط, ولأول مرة بعد صدور الرواية, اكتشفت الأوساط الأدبية كيف وصف دستويفسكي بكل جلاء سقوط عائلة كاملة إلى وحل الفقر والبؤس و الذل بسبب هذا السم الزعاف! ومن يريد أن يرى البؤس بصورته الفضائحية فليسمع مارميلادوف في هذيانه الشهير بالجزء الأول وهو يخاطب راسكولينكوف بقوله : هل تعلم أيها السيد العزيز أني شربت خمراً بثمن جوربيها! لا بثمن حذاءيها, فلو قد شربت خمراً بثمن حذاءيها لكان الأمر طبيعياً بعض الشيء, ولكني شربت الخمر بثمن جوربيها, نعم بثمن جوربيها!"

   خاتمة الرواية ممهورة بالعظمة والعمق. راسكولينكوف على شفير نكبة أخلاقية. لكن فرديته العاتية تنهار أمام قوانين الحياة. فيعترف بإجراميته وينكر فلسفته الذاتيه. ويوم أدرك هذا البطل المغزى الأسمى للخير والإيثار يحس بنكران ذاته لخير الجميع. الفكرة المصطنعة والخاطئة تتراجع أمام الإحساس العنيف الذي يخلق من جديد مفكراً واثقاً بحياة جديدة. إن راسكولينكوف فعل ما فعل من أجل وطنه, ومن أجل الخير والناس, بعد أن طهرته الآلام. هو الذي جمع في روحه مملكة العقل والإرادة و القوة, ومن خلال نافذة تشرف على حياة جديدة ينتهي هذا الكتاب العظيم الذي ضم بين دفتيه سقوط إنسان, وبعث إنسان!.









أو

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة