سيرة شيخ المسلمين: مفتي الديار المصرية بدأ متطوعا
وانتهى للتعيين بقرار جمهوري
حسام عبد القادر - أكتوبر يوم 24 - 02 - 2013
مفتى الديار المصرية.. كرسي عال.. وقامة سامقة لا يستحقها إلا عالم جليل
وفقيه كبير يملك الخوض في دروب الدين وأمور الدنيا، متجردا من الهوى لأنه قاض،
يقضى بشرع الله وما تلاه من مصادر تنتهي بالاجتهاد والرأي والشورى..
كيف تم شغل المنصب وتولى الوظيفة بعد دخول الإسلام مصر ومن شغله؟.. وكيف شغله؟.
أجابت عن هذه الأسئلة دراسة مهمة وضعها د. عماد هلال أستاذ التاريخ بجامعة قناة السويس وفى استلالها أن مصر لم تعرف مناصب رسمية للإفتاء منذ دخلها الإسلام إلى بداية العصر المملوكي؛ حيث كان الإفتاء طوال تلك القرون فرض كفاية يقوم به متطوعا من حصل على إجازات من شيوخه بالإفتاء.
كيف تم شغل المنصب وتولى الوظيفة بعد دخول الإسلام مصر ومن شغله؟.. وكيف شغله؟.
أجابت عن هذه الأسئلة دراسة مهمة وضعها د. عماد هلال أستاذ التاريخ بجامعة قناة السويس وفى استلالها أن مصر لم تعرف مناصب رسمية للإفتاء منذ دخلها الإسلام إلى بداية العصر المملوكي؛ حيث كان الإفتاء طوال تلك القرون فرض كفاية يقوم به متطوعا من حصل على إجازات من شيوخه بالإفتاء.
ويضيف د. عماد فى دراسته
أنه قد تصدى للفتوى كبار العلماء والمجتهدون بداية من الصحابة الذين دخلوا مصر عند
الفتح كعقبة بن عامر الجهينى، وعبدالله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين كعبد
الرحمن بن حُجَيرة، ويزيد بن أبى حبيب، ومن تابعى التابعين كعمرو بن الحارث،
واللَّيث بن سعد، ومن الأئمة المجتهدين كالإمام الشافعي، ومن تلامذة الأئمة
وأصحابهم، كعبد الرحمن بن القاسم، وأَشْهَبِ بن عبد العزيز القَيْسِي، من أصحاب
الإمام مالك، ويوسف البُوَيْطِي، وإسماعيل بن يحيى المُزْنِي، من أصحاب الإمام الشافعي.
وأبى جعفر الطحاوي من أصحاب الإمام أبى حنيفة.
وأوضح الأستاذ بجامعة قناة السويس أن غياب وظائف الفتوى فى مصر لا يعنى أن العلماء المصريين لم يتصدوا للفتوى، ولم يقوموا بفرض الكفاية على أكمل وجه، فقد ظهر عدد من الفقهاء الكبار الذين وصف كل واحد منهم بأنه «المعول عليه في الفتوى في زمانه»، أو «المشار إليه بالفتوى في وقته»، فهذه الألقاب لا تشير إلى وظائف رسمية، بل تشير فقط إلى مكانة سامية في الفتوى.
تطوع
وقد استمر الإفتاء تطوعيا فى العصرين الفاطمي والأيوبي، فمِمن تصدر للفتوى فى هذين العصرين: أبو بكر الطرطوشي المالكي، ومجلي بن جميع الشافعي، والإمام العز بن عبد السلام الشافعي. وعند منتصف القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ظهرت أول وظيفة رسمية للإفتاء في مصر، وهى وظيفة «مفتى دار العدل الشافعي»، ثم تلا ذلك ظهور مفتى دار العدل من المذاهب الأخرى، وكانت مهمتهم تقديم المشورة الفقهية للقضاة، والإجابة عن استفتاءات موظفي الدولة وعامة الناس. وقد استمر نظام المفتين بدار العدل إلى أواخر القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي؛ حيث أهمل هذا النظام تدريجيا ثم بطل تمامًا في أواخر العصر المملوكي، وعاد الإفتاء تطوعيًّا يتصدر له من امتلك المؤهلات العلمية والإجازات التي تسمح له بذلك.
أضاف عماد عندما خضعت مصر للحكم العثماني سنة 923ه/ 1517م، تركت الأمور على حالها، ولم يهتموا بتعيين مفت حنفي ولا حتى مفت من مذهب آخر.
وكان من أشهر علماء الفتوى في تلك المرحلة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي الموصوف بأنه مجدد القرن التاسع (توفى 925ه/ 1520م)، والشيخ خليل مفتى المالكية (توفى 946ه/ 1539م)، والعّلامة زين الدين بن نجيم الحنفي (توفى 969ه/ 1563م)، وشيخ الإسلام وفقيه الديار المصرية في عصره ومرجعها في الفتوى والموصوف بأنه مجدد القرن العاشر شمس الدين محمد الرَّمْلي (توفى 1004ه/1596م).
تأجيل المحاولة
يبدو أن الدولة العثمانية كانت تحاول إيجادَ مناصب رسمية للفتوى يتم تعيين شاغليها من «إسلامبول» بعد أن تربع على عرش الفتوى الإمام شمس الدين الرملي الذي كان يُعرقل هذه المحاولات، وكان علماء مصر- خاصة الشافعية- يهابونه ويجلونه، ويخشون تولى مناصب للإفتاء من قبل الدولة فى وجوده، وعندما تجرأ أبو السرور البكري على أن يطلب من الدولة تولى منصب إفتاء الشافعية بالديار المصرية، غضب الرملي على البكري، واضطر الأخير للاعتذار، وأدى ذلك إلى تأجيل المحاولة، فلم تجرؤ الدولة العثمانية على تعيين آخر في وجوده، واضطرت للانتظار حتى وفاته لتجرى بعض التغييرات على نظام الإفتاء. ولم تكن الدولة راغبة في تعيين مفت شافعي رسمي في مصر، كما لم تكن لديها الجرأة على تعيين مفت حنفي في بلد يسوده المذهب الشافعي؛ ولذلك فإنها قررت أن تعين مفتيا مالكيا حمل لقب «مفتى السلطنة المؤيدة على مذهب الإمام مالك بالديار المصرية». وقد توفى الرملي في 13 جمادى الأولى سنة 1004ه/ 14 يناير 1596م، وصدر فرمان السلطان محمد الثالث فى 20 شوال 1004ه/ 17 يونية 1596م، بتخصيص مبلغ مالي لمن سيشغل منصب مفتى السلطنة المؤيدي على المذهب المالكي.
ولم تذكر المصادر اسم من تولى هذا المنصب حتى سنة 1011ه/1603م، حيث ذكرت المصادر اسم شمس الدين محمد بن زين الدين عبد الرحمن بن عبد الوارث البكري الصديقي المالكي الشهير بابن عبد الوارث، فوصفته وثيقة خاصة بتعيينه شيخا على وقف فارس المحمدى، ومؤرخة فى 3 رمضان سنة 1011ه/ 14 فبراير 1603م، بأنه «مفتى المسلمين، مفيد الطالبين، حجة المناظرين، العالم الأفضل المتين، محمد شمس الدين البكرى الصديقي المالكي الشهير نسبه بابن عبد الوارث، مفتى السلطنة بالديار المصرية». وكان ابن عبدالوارث هو الأول والأخير من المفتين المالكية الذين شغلوا منصب «مفتى السلطنة المؤيدة بالديار المصرية ».
وأوضح الأستاذ بجامعة قناة السويس أن غياب وظائف الفتوى فى مصر لا يعنى أن العلماء المصريين لم يتصدوا للفتوى، ولم يقوموا بفرض الكفاية على أكمل وجه، فقد ظهر عدد من الفقهاء الكبار الذين وصف كل واحد منهم بأنه «المعول عليه في الفتوى في زمانه»، أو «المشار إليه بالفتوى في وقته»، فهذه الألقاب لا تشير إلى وظائف رسمية، بل تشير فقط إلى مكانة سامية في الفتوى.
تطوع
وقد استمر الإفتاء تطوعيا فى العصرين الفاطمي والأيوبي، فمِمن تصدر للفتوى فى هذين العصرين: أبو بكر الطرطوشي المالكي، ومجلي بن جميع الشافعي، والإمام العز بن عبد السلام الشافعي. وعند منتصف القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ظهرت أول وظيفة رسمية للإفتاء في مصر، وهى وظيفة «مفتى دار العدل الشافعي»، ثم تلا ذلك ظهور مفتى دار العدل من المذاهب الأخرى، وكانت مهمتهم تقديم المشورة الفقهية للقضاة، والإجابة عن استفتاءات موظفي الدولة وعامة الناس. وقد استمر نظام المفتين بدار العدل إلى أواخر القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي؛ حيث أهمل هذا النظام تدريجيا ثم بطل تمامًا في أواخر العصر المملوكي، وعاد الإفتاء تطوعيًّا يتصدر له من امتلك المؤهلات العلمية والإجازات التي تسمح له بذلك.
أضاف عماد عندما خضعت مصر للحكم العثماني سنة 923ه/ 1517م، تركت الأمور على حالها، ولم يهتموا بتعيين مفت حنفي ولا حتى مفت من مذهب آخر.
وكان من أشهر علماء الفتوى في تلك المرحلة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي الموصوف بأنه مجدد القرن التاسع (توفى 925ه/ 1520م)، والشيخ خليل مفتى المالكية (توفى 946ه/ 1539م)، والعّلامة زين الدين بن نجيم الحنفي (توفى 969ه/ 1563م)، وشيخ الإسلام وفقيه الديار المصرية في عصره ومرجعها في الفتوى والموصوف بأنه مجدد القرن العاشر شمس الدين محمد الرَّمْلي (توفى 1004ه/1596م).
تأجيل المحاولة
يبدو أن الدولة العثمانية كانت تحاول إيجادَ مناصب رسمية للفتوى يتم تعيين شاغليها من «إسلامبول» بعد أن تربع على عرش الفتوى الإمام شمس الدين الرملي الذي كان يُعرقل هذه المحاولات، وكان علماء مصر- خاصة الشافعية- يهابونه ويجلونه، ويخشون تولى مناصب للإفتاء من قبل الدولة فى وجوده، وعندما تجرأ أبو السرور البكري على أن يطلب من الدولة تولى منصب إفتاء الشافعية بالديار المصرية، غضب الرملي على البكري، واضطر الأخير للاعتذار، وأدى ذلك إلى تأجيل المحاولة، فلم تجرؤ الدولة العثمانية على تعيين آخر في وجوده، واضطرت للانتظار حتى وفاته لتجرى بعض التغييرات على نظام الإفتاء. ولم تكن الدولة راغبة في تعيين مفت شافعي رسمي في مصر، كما لم تكن لديها الجرأة على تعيين مفت حنفي في بلد يسوده المذهب الشافعي؛ ولذلك فإنها قررت أن تعين مفتيا مالكيا حمل لقب «مفتى السلطنة المؤيدة على مذهب الإمام مالك بالديار المصرية». وقد توفى الرملي في 13 جمادى الأولى سنة 1004ه/ 14 يناير 1596م، وصدر فرمان السلطان محمد الثالث فى 20 شوال 1004ه/ 17 يونية 1596م، بتخصيص مبلغ مالي لمن سيشغل منصب مفتى السلطنة المؤيدي على المذهب المالكي.
ولم تذكر المصادر اسم من تولى هذا المنصب حتى سنة 1011ه/1603م، حيث ذكرت المصادر اسم شمس الدين محمد بن زين الدين عبد الرحمن بن عبد الوارث البكري الصديقي المالكي الشهير بابن عبد الوارث، فوصفته وثيقة خاصة بتعيينه شيخا على وقف فارس المحمدى، ومؤرخة فى 3 رمضان سنة 1011ه/ 14 فبراير 1603م، بأنه «مفتى المسلمين، مفيد الطالبين، حجة المناظرين، العالم الأفضل المتين، محمد شمس الدين البكرى الصديقي المالكي الشهير نسبه بابن عبد الوارث، مفتى السلطنة بالديار المصرية». وكان ابن عبدالوارث هو الأول والأخير من المفتين المالكية الذين شغلوا منصب «مفتى السلطنة المؤيدة بالديار المصرية ».
وأشار د. عماد هلال إلى
أنه من الواضح أنه كان من علماء الصف الثاني، فلم نعثر له على ترجمة في كتب
التراجم، والغريب أن الدولة اختارت للفتوى علماء مجهولين فى زمن كان العلامة سالم
السنهوري (توفى 1015ه/ 1606) ملء السمع والبصر، فهو كما قال عنه المحبي: «الإمام
الكبير، المحدث الحجة الثبت، خاتمة الحفاظ، وكان أجل أهل عصره من غير مدافع، وهو
مفتى المالكية ورئيسهم ».
مفتى السلطنة
ثم كانت الخطوة الثانية في سعى الدولة للسيطرة على الإفتاء بتعيين مفت شافعي حمل لقب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية»، هو أبو السرور البكري (توفى 1007ه/ 1598م)، ثم توارثت أسرته هذا المنصب من بعده، وقد تلقى البكري العلوم النقلية والعقلية على يدي والده أبى المكارم محمد البكري، وقد ذكر ابنه المؤرخ محمد بن أبى السرور أن والده كان أول من لُقب بلقب «مفتى السلطة الشريفة بالديار المصرية»، ولقب «شيخ الإسلام»، غير أنه حصل على اللقب بعد وفاة الرملي؛ حيث ذكرته وثيقة يرجع تاريخها إلى الثاني من جمادى الآخرة سنة 1006ه/ 11 ديسمبر 1597م، أي بعد وفاة الرملي بعامين تقريبا، وهى خاصة بتأجيره 52 ساقية من أوقاف ناحية الحماد وما يتبعها من أراض زراعية إلى بعض مشايخ تلك الناحية، ووصف فيها بأنه: «شمس الدين أبى عبد الله محمد أبى السرور البكري الصديقي الأشعري، مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية».
وبعد وفاة أبى السرور انتقل منصب «مفتى السلطنة الشريفة» إلى أخيه الأكبر أبى الوفاء تاج العارفين (توفى 1008ه/ 1598م)، الذي كان أكثر أولاد البكري مالاً وأوفرهم نعمة. فقد تلقى العلوم التقليدية عن أبيه وغيره من العلماء، وتبحر فى العربية والتفسير والأصول. ولم يمكث فى المنصب إلا عاما واحدا، ثم سافر للحج في نهاية سنة 1007ه/ 1598م، ومات في طريق عودته إلى مصر في صفر سنة 1008ه/ سبتمبر 1598م.
جاء بعده زين العابدين البكري (توفى 1013ه/ 1604م)، والذي نشأ نشأة تقليدية فتلقى العلم على والده، ثم تولى منصب «مفتى السلطنة الشريفة» بعد وفاةِ أخيه تاج العارفين، وقد بلغ زين العابدين في آخر أمره درجة عالية من الجلالة ونفوذ الكلمة، حتى خشيه حكام مصر وكانوا يدارونه ويطلبون رضاه، ثم تآمروا لقتله، فمات مسموما في 3 ربيع الأول سنة 1013ه/ 30 يوليو 1604م.
بعد وفاة زين العابدين انتقلت زعامة البيت البكري إلى أخيه أبى المواهب (توفى 1037ه/ 1628م)، وكان في بداية أمره مائلاً إلى الخلاعة، وكانت مجالسه مشحونة بأنواع الطرب من المسمعين وصنوف الملاهي، وكان لما مات والده جرى بينه وبين إخوته منافسات، وأمور تسكب عندها العبرات، حتى استقر الأمر لزين العابدين إلى أن وقع قبله، وكان أبو السرور مات قبله، فسمت الرتبة إلى أبى المواهب، وتذكر وثائق المحاكم الشرعية اسم أبى المواهب مشفوعا بلقب مفتى السلطنة، وقد اشتهر أبو المواهب بقرض الشعر، وله ديوان شعر سماه (ترجمان العوارف وبستان المعارف)، غير أنه لم يشتهر بالفقه ولم يتصدر للإفتاء، ولا يوجد ما يشير إلى أهليته لمنصب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية» غير انتمائه للأسرة البكرية العريقة التي توارثت هذا المنصب منذ ظهوره وحتى اختفائه.
زين العابدين
وذكرت الدراسة أنه جاء بعده أحمد بن زين العابدين البكري (توفى 1048ه/ 1638م) وكان أديبًا أكثر منه فقهيًا، ولم يتصدر للفتوى، ولكنه ورث منصب إفتاء السلطنة عن أبيه وأعمامه، وآلت إليه زعامة البيت البكري بعد وفاة عمه أبى المواهب سنة 1037ه/ 1628م، وشغل منصب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»، حيث وصف بهذه الصفة في وثيقة مؤرخة برمضان سنة 1045ه/ فبراير 1636م. وقد صنف أحمد بن زين العابدين كتبا كثيرة، جاءت معظمها فى الأدب، ولم نر له كتابًا في الفقه، وأهم كتبه: (روضة المشتاق وبهجة العشاق)، وقد جعله على أسلوب لوعة الشاكي ودمعة الباكي، وهكذا كان أحمد بن زين العابدين.
وأما عبد الرحمن بن زين العابدين (توفى 1063ه/ 1653م) فقد كان هو الأوسط من أولاد زين العابدين البكري وهم: أحمد وعبد الرحمن ومحمد. ذكر مترجموه أنه قرأ على أخيه أحمد بن زين العابدين، و به تخرج، وأنه أخذ علوم العربية عن العلاَّمة جودة الضرير. ولعل هذا القدر من التعليم لم يكن كافيًا ليؤهله لتولى منصب مفتى السلطنة، ولكن الواضح أن هذا المنصب تحديدًا كان منصبًا وراثيا لا يعتمد على الكفاءة، وتشير وثائق المحاكم الشرعية إلى أنه تولى منصب مفتى السلطنة بعد وفاة أخيه أحمد بن زين العابدين، فوصفته وثيقة تاريخها 17 ذي القعدة سنة 1050ه/ 28 فبراير 1641م بتلك الصفة، وهى بخصوص تصديقه على ما صرفه أحد الأشخاص على تعمير إحدى جهات وقف من الأوقاف التي كان هو ناظرًا عليها.
وقال الدكتور عماد: جاء بعده محمد بن زين العابدين البكري (توفى 1087ه/ 1676م) والذي نشأ بمصر وحفظ القرآن، واشتغل بطلب العلوم فأتقنها، وبرع في كثير من الفنون لاسيما علمي التفسير والحديث، وتعلَّم التصوف وكانت له فيه قدم راسخة. وأقبل على التدريس حتى صار رئيس البيت البكري فدرَّس كسائر أسلافه في الجامع الأزهر في الليالي المشهورة، كليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان، فلما كبر ترك ذلك كله واستقل بالإفادة في بيت آل البكري. ولا نستطيع إلا أن نقول إن محمدًا لم يتلق من العلم ما يكفيه للقيام بمهمة التدريس، ولم يستطع الصمود في هذا الميدان فاكتفى بالجلوس في بيته المشهور، والاعتماد على نسبه الكريم، والاستناد إلى ما يحصل عليه من مناصب بحق المكانة والوجاهة لا بحق العلم والنبوغ. ومن تلك المناصب بالطبع منصب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»، وليس أدل على ذلك من قول المحبي عنه: «ولو لم يكن له من عموم الشرف إلا خصوص هذه النسبة لكفاه ذلك في الفخر وعلو الرتبة، وناهيك فخرًا بأنه من ذرية من اختاره الرسول للصحبة والمصاهرة، واصطفاه للخلافة على ملته وشريعته الطاهرة، فيحق لأهل السنة والجماعة أن يطوفوا ويسعوا إلى هذا البيت في كل وقت وساعة». وكان محمد بن زين العابدين البكري هو آخر من حمل لقب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»؛ حيث لم نعثر في أي مصدر من المصادر على من حمل ذلك اللقب بعده.
ويحكى الدكتور عماد هلال قائلا إنه يبدو أن نجاح الدولة في تعيين مفت مالكي سنة 1004ه/ 1596م، ثم مفت شافعي سنة 1006ه/ 1597م شجعها على تعيين مفت حنفي، ولكنها كانت في هذه المرة أكثر تطرفًا، فلم تكتف بتعيين فقيه من الصف الثاني فحسب، بل عيَّنت مفتيا حنفيا روميًّا، متجاوزة بذلك أعلام الفقهاء الحنفية المصريين من أمثال: شهاب الدين الغنيمي، وعبد الله النحريري، وعبد القادر الطوري، وشهاب الدين أحمد الشوبري، وغيرهم من كبار الأئمة الذين كانت أسماؤهم تملأ الساحة الفقهية في ذلك الوقت. ولعل هذا كان أحد العوامل التي أدت إلى فشل تلك المحاولة، وكان استمراره مع الشافعية راجعًا إلى توارث أسرة البكري العريقة له، فكان بالنسبة لأعضائها نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، وبلا أية صلاحيات أو اختصاصات.
وأشار عماد في دراسته إلى أن المفتى الحنفي الوحيد الذي أمدتنا به المصادر فهو أبو يوسف محمد بن على الرومي الحنفي، ولا توجد تراجم له في كتب التراجم الخاصة بالقرن الحادي عشر. وكل ما لدينا من معلومات عنه مصدره وثيقة مؤرخة في 26 صفر سنة 1022ه/ 17 إبريل 1613م، وصفته بأنه «مفتى السلطنة العثمانية الشريفة».
ويرى هلال أن الدولة العثمانية عند سيطرتها على مقاليد الأمور في مصر، لم تهتم بإحداث تغييرات في مناصب الإفتاء أو السيطرة عليها، ثم حدث تحول مهم في نظرة الدولة إلى الإفتاء في مطلع القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي؛ حيث أوجدت منصب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية»، مستغلة وفاة الفقيه المجتهد شمس الدين محمد الرملي. ولا توجد أية معلومات عن الحدود الوظيفية لهذا المنصب، وما إذا كان شاغله يقدم فتاواه لمن يطلبها من عامة الناس أم للقضاة والولاة وحكام الأقاليم في مصر. وأضاف الظاهر أن هذا المنصب لم يكن له من دور في الحياة القضائية أو الفقهية أو حتى الإدارية، وأنه لم يكن يزيد على كَوْنِه نوعًا من الوجاهة الاجتماعية التي اكتسبتها أسرة البكري في تلك الفترة. ومع مرور الوقت اختفى هذا المنصب ليحل محله مناصب غير رسمية للإفتاء في المذاهب الأربعة، وعاد الإفتاء تطوعيًّا من جديد، واستمر على ذلك الحال في القرن الثاني نشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، إلى أن أوجد محمد بك أبو الذهب مناصب رسمية للإفتاء في أواخر ذلك القرن، عندما أنشأ مدرسته الشهيرة تجاه الجامع الأزهر وخصَّص فيها أماكن لجلوس ثلاثة مفتين، وعين لهم المرتبات الكافية.
انتهى النقل عن الدراسة لكن بقى مقعد الإفتاء تاريخيا منصب مثير للجدل خاصة وأن هناك كلاما قيل بعد الإعادة الرسمية لمنصب المفتى بداية القرن العشرين، عندما اختير الشيخ محمد عبده مفتيا لمصر وقيل إن الإنجليز ساعدوا على ذلك لقرب منصب شيخ الأزهر (!!) وهذا موضوع لدراسة أخرى.
ثم كانت الخطوة الثانية في سعى الدولة للسيطرة على الإفتاء بتعيين مفت شافعي حمل لقب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية»، هو أبو السرور البكري (توفى 1007ه/ 1598م)، ثم توارثت أسرته هذا المنصب من بعده، وقد تلقى البكري العلوم النقلية والعقلية على يدي والده أبى المكارم محمد البكري، وقد ذكر ابنه المؤرخ محمد بن أبى السرور أن والده كان أول من لُقب بلقب «مفتى السلطة الشريفة بالديار المصرية»، ولقب «شيخ الإسلام»، غير أنه حصل على اللقب بعد وفاة الرملي؛ حيث ذكرته وثيقة يرجع تاريخها إلى الثاني من جمادى الآخرة سنة 1006ه/ 11 ديسمبر 1597م، أي بعد وفاة الرملي بعامين تقريبا، وهى خاصة بتأجيره 52 ساقية من أوقاف ناحية الحماد وما يتبعها من أراض زراعية إلى بعض مشايخ تلك الناحية، ووصف فيها بأنه: «شمس الدين أبى عبد الله محمد أبى السرور البكري الصديقي الأشعري، مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية».
وبعد وفاة أبى السرور انتقل منصب «مفتى السلطنة الشريفة» إلى أخيه الأكبر أبى الوفاء تاج العارفين (توفى 1008ه/ 1598م)، الذي كان أكثر أولاد البكري مالاً وأوفرهم نعمة. فقد تلقى العلوم التقليدية عن أبيه وغيره من العلماء، وتبحر فى العربية والتفسير والأصول. ولم يمكث فى المنصب إلا عاما واحدا، ثم سافر للحج في نهاية سنة 1007ه/ 1598م، ومات في طريق عودته إلى مصر في صفر سنة 1008ه/ سبتمبر 1598م.
جاء بعده زين العابدين البكري (توفى 1013ه/ 1604م)، والذي نشأ نشأة تقليدية فتلقى العلم على والده، ثم تولى منصب «مفتى السلطنة الشريفة» بعد وفاةِ أخيه تاج العارفين، وقد بلغ زين العابدين في آخر أمره درجة عالية من الجلالة ونفوذ الكلمة، حتى خشيه حكام مصر وكانوا يدارونه ويطلبون رضاه، ثم تآمروا لقتله، فمات مسموما في 3 ربيع الأول سنة 1013ه/ 30 يوليو 1604م.
بعد وفاة زين العابدين انتقلت زعامة البيت البكري إلى أخيه أبى المواهب (توفى 1037ه/ 1628م)، وكان في بداية أمره مائلاً إلى الخلاعة، وكانت مجالسه مشحونة بأنواع الطرب من المسمعين وصنوف الملاهي، وكان لما مات والده جرى بينه وبين إخوته منافسات، وأمور تسكب عندها العبرات، حتى استقر الأمر لزين العابدين إلى أن وقع قبله، وكان أبو السرور مات قبله، فسمت الرتبة إلى أبى المواهب، وتذكر وثائق المحاكم الشرعية اسم أبى المواهب مشفوعا بلقب مفتى السلطنة، وقد اشتهر أبو المواهب بقرض الشعر، وله ديوان شعر سماه (ترجمان العوارف وبستان المعارف)، غير أنه لم يشتهر بالفقه ولم يتصدر للإفتاء، ولا يوجد ما يشير إلى أهليته لمنصب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية» غير انتمائه للأسرة البكرية العريقة التي توارثت هذا المنصب منذ ظهوره وحتى اختفائه.
زين العابدين
وذكرت الدراسة أنه جاء بعده أحمد بن زين العابدين البكري (توفى 1048ه/ 1638م) وكان أديبًا أكثر منه فقهيًا، ولم يتصدر للفتوى، ولكنه ورث منصب إفتاء السلطنة عن أبيه وأعمامه، وآلت إليه زعامة البيت البكري بعد وفاة عمه أبى المواهب سنة 1037ه/ 1628م، وشغل منصب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»، حيث وصف بهذه الصفة في وثيقة مؤرخة برمضان سنة 1045ه/ فبراير 1636م. وقد صنف أحمد بن زين العابدين كتبا كثيرة، جاءت معظمها فى الأدب، ولم نر له كتابًا في الفقه، وأهم كتبه: (روضة المشتاق وبهجة العشاق)، وقد جعله على أسلوب لوعة الشاكي ودمعة الباكي، وهكذا كان أحمد بن زين العابدين.
وأما عبد الرحمن بن زين العابدين (توفى 1063ه/ 1653م) فقد كان هو الأوسط من أولاد زين العابدين البكري وهم: أحمد وعبد الرحمن ومحمد. ذكر مترجموه أنه قرأ على أخيه أحمد بن زين العابدين، و به تخرج، وأنه أخذ علوم العربية عن العلاَّمة جودة الضرير. ولعل هذا القدر من التعليم لم يكن كافيًا ليؤهله لتولى منصب مفتى السلطنة، ولكن الواضح أن هذا المنصب تحديدًا كان منصبًا وراثيا لا يعتمد على الكفاءة، وتشير وثائق المحاكم الشرعية إلى أنه تولى منصب مفتى السلطنة بعد وفاة أخيه أحمد بن زين العابدين، فوصفته وثيقة تاريخها 17 ذي القعدة سنة 1050ه/ 28 فبراير 1641م بتلك الصفة، وهى بخصوص تصديقه على ما صرفه أحد الأشخاص على تعمير إحدى جهات وقف من الأوقاف التي كان هو ناظرًا عليها.
وقال الدكتور عماد: جاء بعده محمد بن زين العابدين البكري (توفى 1087ه/ 1676م) والذي نشأ بمصر وحفظ القرآن، واشتغل بطلب العلوم فأتقنها، وبرع في كثير من الفنون لاسيما علمي التفسير والحديث، وتعلَّم التصوف وكانت له فيه قدم راسخة. وأقبل على التدريس حتى صار رئيس البيت البكري فدرَّس كسائر أسلافه في الجامع الأزهر في الليالي المشهورة، كليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان، فلما كبر ترك ذلك كله واستقل بالإفادة في بيت آل البكري. ولا نستطيع إلا أن نقول إن محمدًا لم يتلق من العلم ما يكفيه للقيام بمهمة التدريس، ولم يستطع الصمود في هذا الميدان فاكتفى بالجلوس في بيته المشهور، والاعتماد على نسبه الكريم، والاستناد إلى ما يحصل عليه من مناصب بحق المكانة والوجاهة لا بحق العلم والنبوغ. ومن تلك المناصب بالطبع منصب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»، وليس أدل على ذلك من قول المحبي عنه: «ولو لم يكن له من عموم الشرف إلا خصوص هذه النسبة لكفاه ذلك في الفخر وعلو الرتبة، وناهيك فخرًا بأنه من ذرية من اختاره الرسول للصحبة والمصاهرة، واصطفاه للخلافة على ملته وشريعته الطاهرة، فيحق لأهل السنة والجماعة أن يطوفوا ويسعوا إلى هذا البيت في كل وقت وساعة». وكان محمد بن زين العابدين البكري هو آخر من حمل لقب «مفتى السلطنة الشريفة بمصر»؛ حيث لم نعثر في أي مصدر من المصادر على من حمل ذلك اللقب بعده.
ويحكى الدكتور عماد هلال قائلا إنه يبدو أن نجاح الدولة في تعيين مفت مالكي سنة 1004ه/ 1596م، ثم مفت شافعي سنة 1006ه/ 1597م شجعها على تعيين مفت حنفي، ولكنها كانت في هذه المرة أكثر تطرفًا، فلم تكتف بتعيين فقيه من الصف الثاني فحسب، بل عيَّنت مفتيا حنفيا روميًّا، متجاوزة بذلك أعلام الفقهاء الحنفية المصريين من أمثال: شهاب الدين الغنيمي، وعبد الله النحريري، وعبد القادر الطوري، وشهاب الدين أحمد الشوبري، وغيرهم من كبار الأئمة الذين كانت أسماؤهم تملأ الساحة الفقهية في ذلك الوقت. ولعل هذا كان أحد العوامل التي أدت إلى فشل تلك المحاولة، وكان استمراره مع الشافعية راجعًا إلى توارث أسرة البكري العريقة له، فكان بالنسبة لأعضائها نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، وبلا أية صلاحيات أو اختصاصات.
وأشار عماد في دراسته إلى أن المفتى الحنفي الوحيد الذي أمدتنا به المصادر فهو أبو يوسف محمد بن على الرومي الحنفي، ولا توجد تراجم له في كتب التراجم الخاصة بالقرن الحادي عشر. وكل ما لدينا من معلومات عنه مصدره وثيقة مؤرخة في 26 صفر سنة 1022ه/ 17 إبريل 1613م، وصفته بأنه «مفتى السلطنة العثمانية الشريفة».
ويرى هلال أن الدولة العثمانية عند سيطرتها على مقاليد الأمور في مصر، لم تهتم بإحداث تغييرات في مناصب الإفتاء أو السيطرة عليها، ثم حدث تحول مهم في نظرة الدولة إلى الإفتاء في مطلع القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي؛ حيث أوجدت منصب «مفتى السلطنة الشريفة بالديار المصرية»، مستغلة وفاة الفقيه المجتهد شمس الدين محمد الرملي. ولا توجد أية معلومات عن الحدود الوظيفية لهذا المنصب، وما إذا كان شاغله يقدم فتاواه لمن يطلبها من عامة الناس أم للقضاة والولاة وحكام الأقاليم في مصر. وأضاف الظاهر أن هذا المنصب لم يكن له من دور في الحياة القضائية أو الفقهية أو حتى الإدارية، وأنه لم يكن يزيد على كَوْنِه نوعًا من الوجاهة الاجتماعية التي اكتسبتها أسرة البكري في تلك الفترة. ومع مرور الوقت اختفى هذا المنصب ليحل محله مناصب غير رسمية للإفتاء في المذاهب الأربعة، وعاد الإفتاء تطوعيًّا من جديد، واستمر على ذلك الحال في القرن الثاني نشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، إلى أن أوجد محمد بك أبو الذهب مناصب رسمية للإفتاء في أواخر ذلك القرن، عندما أنشأ مدرسته الشهيرة تجاه الجامع الأزهر وخصَّص فيها أماكن لجلوس ثلاثة مفتين، وعين لهم المرتبات الكافية.
انتهى النقل عن الدراسة لكن بقى مقعد الإفتاء تاريخيا منصب مثير للجدل خاصة وأن هناك كلاما قيل بعد الإعادة الرسمية لمنصب المفتى بداية القرن العشرين، عندما اختير الشيخ محمد عبده مفتيا لمصر وقيل إن الإنجليز ساعدوا على ذلك لقرب منصب شيخ الأزهر (!!) وهذا موضوع لدراسة أخرى.
المصدر : من هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق