الاغتراب والحلم في أدب أحمد إبراهيم الفقيه القصصي
د . شعبان عبد الحكيم محمد
الفصل الثالث
تقنيات السرد فى قصص وروايات الاغتراب والحلم عند الكاتب
1-السرد والوصف
1-السرد والوصف
2-مسرح الاحداث (المكان والزمان)
3-ملامح شخصية البطل
4-جماليا التشكيل اللغوى
1- السرد والوصف
من الملاحظ فى دراستنا لقصص الفقيه ورواياته التى تعكس لنا ملمحى الاغتراب والحلم وإنها تعكس لنا مرحلة فنية جديدة فى حياة الكاتب الفنية متجاوزة المرحلة الواقعية فى مستهل حياته الفنية خاصة فى قصصه القصيرة التى عبر فيها الكاتب عن كثير من الاحداث فى قريته (مزودة) مثل قصة الطاحونة وقصة وفاة بائعة الخبز وقصة الكوشة وقصة القمر الاحمر وقصة هموم صغيرة الخ وهذه القصص جاءت فى مجموعاته الثلاث الأولى البحر لا ماء فيها عام 1965 اربطوا الاحزمة المقاعد عام 1968 واختلفت النجوم فاين انت ؟ عام 1974 اضافة إلى روايته حقول الرماد عام 1985 التى تصور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الليبى قبل ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 متخذة ( هذه الرواية) من قرية قرن الغزال مسرحا للاحداث .
تمثل من مجموعة (امرأة من ضوء عام 1987) بداية هذه المرحلة تلتها مجموعة مرايا فينسيا عام 1997 والثلاثية عام 1992م هذه الاعمال الفنية يتجلى فيها الاغتراب والحلم وقد افاد (الفقيه) من المنجزات الادبية الحديثة فى التكنيك الفنى وفى استخدام تكنيك تيار الوعى والمناجاة النفسية وتشكيل المكان وبناء الزمن وننبه هنا فى دراستنا لتقنيات السرد اننا لا نفصل بين الشكل والمضمون وأن تقسيم الدراسة لفصول جاء بهذه الصورة حتى يتسنى لنا دراسة هذين الملمحين وكثيرا ما أشرنا إلى الاداء الفنى والفكرة المعبر عنها فى تناولنا لهذين الملمحين انطلاقا من رؤية باختين الذى هدف من دراسته للشكل دراسة " شكل المضمون كما يتحقق عبر ما يسميه بمادة التأليف وهو ينظر اليه من خلال مجموعة الادوات التى تدخل فى تركيب العمل الروائى أى عبر دراسة تقنية الشكل (1) وفى دراستنا لادوات الكاتب الفنية نبحث عن أدبيه النص ذلك لان الادب ومنه القصة لا ينظر فيه المضمون فقط ولكن ايضا بالشكل أو الطريقة التى يقدم بها ذلك المضمون وهذا معنى قول كيزر wolfgang kayser ان الرواية لا تكون مميزة فقط بمادتها ولكن ايضا بواسطة هذه الخاصية الاساسية المتمثلة فى ان يكون لها شكل ما والشكل هنا معنى الطريقة التى تقدم بها القصة المحكية فى الرواية انه مجموع ما يختاره الراوى من وسائل وحيل لكى يقدم القصة للمروى له(2).
تروى أحداث قصص الفقيه ورواياته التى تعكس ملمحى الاغتراب والحلم بضمير المتكلم سواء أكان الراوى شخصية معروفة الاسم كخليل الامام فى الثلاثة أو حامد فى قصته القصيرة (العقاب) الخ أو كان الراوى شخصية مجهولة الاسم كما فى قصصه القصيرة مرايا فينيسيا وموعد تحت برج الساعة وليلة الاقنعة امرأة من ضوء والجنون الخ وهنا نتوهم أن البطل هو المؤلف نفسه وان كان اختيار ضمير السرد كما يقول د. عبد الملك مرتاض "مسألة جمالية أو شكلية قبل كل شيء (3) إلا ان الالتزام بضمير المتكلم يحاط باشكاليات فى تأطير تناول المؤلف وتحديد زاوية الرؤية يعدم تجاوز حدود الشخصية الرواية للأحداث للتوغل فى اعماق الشخصية الاخرى وسيطرة هذه الشخصية على مجرى الاحداث وترسيخ الظن فى المتلقى أن هذه الشخصية تتطابق مع شخصية المؤلف بعينه كما مر بنا عن خليل الامام بطل الثلاثة وهذه الرؤية من السرد يطلق عليها تودوروف (الرؤية مع) والرؤية مع أو العلاقة المتساوية بين الراوى والشخصية هى التى جعلها توماتشفكس تحت عنوان "السرد الذاتي" والواقع ان الراوى يكون هنا مصاحبا لشخصيات يتبادل معها المعرفة بمسار الوقائع وقد تكون الشخصية نفسها تقوم برواية الاحداث ويتجلى هذا بشكل واضح فى روايات الشخصية(4).
تنطبق الصفات السابقة ( السرد الذاتى – رواية الشخصية) على اعمال الفقيه التى تتخذ هذا النهج من السرد وان استخدام الكاتب نادرا ضمير المخاطب (أنت) إلا ان هذا الاستعمال لا يمثل نسبة امام ضمير (أنا) وهذا النمط من السرد الذاتى مقابل السرد الموضوعى كما يطلق عليها توماتشفسكى فيه " نتتبع الحكى من خلال عينى الراوى (أو طرف مستمع) متوفرين على تفسير لكل خبر متى وكيف عرفه الراوى أو المستمع نفسه (9) فخليل الامام هو الحاكى الديكتاتور يروى كل شئ عن نفسه وعن الشخصيات الاخرى يستشرف اغوار الشخصيات الاخرى ليصف لنا رد فعل الحدث عليها فيؤول ما يؤول كما يترآى له دون ترك اى مجال لمخيلة المتلقى لتوقع رد الفعل على الشخصية من انفعالات ناهيك عن المناجاة النفسية الطويلة سواء فى ندب سلوك برفضه أو فى المقارنة بينه وبين غيره .
أن الباحث لا ينكر جماليات ضمير المتكلم فى الحكى فى اتاحة الفرص لتوحد المؤلف فى الشخصية حتى أنه يخيل الينا صحة مقولة رولان بارت (موت المؤلف) فنلتقى مباشرة وبدون حجاب مع المؤلف فى شخصية البطل لياخذنا إلى عالمة النفسى الدفين معبرا عن آلامه وطموحاته وانفعالاته امالة الخ ويعرى لنا النفس الإنسانية فى أفرحها وأتراحها فى قوتها وضعفها مما يعمل على توحد القارئ بالنص وهنا تنشأ سلطة النص فهيمن (النص") على القارئ لينساق القارئ وراء المؤلف خاصة ان الفقيه يمتلك أسلوبا شاعريا اخاذا يعمل عمل السحر فى اندماج القارئ بالنص الأدبى وتمثل المواقف ومعايشتها ونستشهد بمنولوج داخلى من رواية (سأهبك مدينة أخري) يعكس لنا تمزق النفس بين شعورين عدم التخلص من علائق الماضى الذى شكلته بيئة قاسية وفى الوقت نفسه افتقاد الانسجام مع واقع معيش فى البيئة التى يعيش فيها مما يعكس لنا التوتر والقلق وما عمل على تفاقم عربته يقول " هاربا من إنسان لا أعرف كيف اهرب منه لانه يقيم فى دمى ويحتل جانبا مظلما فى نفسى هذا الكائن المجبول من طين السنين العجاف ورماد أزمنة الجفاف والقحط وبقايا الجحيم المتفجر فى حقول الألغام وبكاء النساء النائحات فى مأتم الموت الفجائى هذا الذى يستيقظ بغتة وسط أدغال الروح ويفتك بالانسان الآخر المصنوع من كتب الادب وأساطير الليل الذى يبقى دائما ضعيفا وهشا لا يقوى على الوقوف مدافعا عن نفسه فى مواجهة الرجل البدائى الذى يطل برأسه ليدمر مل علاقة مبهجة يراها تنمو كشجرة ورد فى بيداء العمر(6) إن هذا المنولوج يعمق لنا شعور الاغتراب عند البطل لعدم انسجامه فى نفسيته حيث قسوة الاب وفساد الامكنة لزراعتها بالألغام وما أدى اليه من موت ودار ومأتم وأحزان الخ مساحة الماضى بهذه الضراوة كفيلة بقتل كل المباهج التى يمكن أن تأنس لها النفس وهذا يعكس لنما ان الاغتراب البطل لم يكن اغترابا مفاجئا بل له جذور ضاربة فى الاعماق منذ عها الطفولة البريئة وجاءت رحلته فازدادت غربته تأصلا وعمقا ان الكاتب يسحرنا سحرنا بتتبع ازمة البطل ليلجأ إلى الانحراف الجنسى قتلا للسأم والملل واطفاء للجوع الذى يحرقه من الداخل ليقول على لسانه " إننى سعيت إلى المرأة تلبية احتياج الانسانى متجاوزا أى موقف فكرى أو فلسفى أو أخلاقى منها احتياج الانسان تصبح معه المرأة شرطا أساسيا لتحقيق العافية النفسية وتميمة لطرد أمراض الوحدة والكآبة (7) هذا عن الجانب الايجابى لاستخدام ضمير المتكلم (أنا) فى السرد كما ذكرنا يتجلى فى توحد المؤلف فى الشخصية الروائية والاندماج بين القارئ والنص وحسن معايشة المتلقى للنص الأدبى ولكن الجانب السلبى كما ذكرنا تأطيرا زاوية الرؤية فى سرد الاحداث ورسم ملامح الشخصيات .
فلو أن الكاتب استخدام ضمير الغائب فى مساحة ارحب من المساحة المحدودة التى استخدمها فى رواياته وكذلك فى قصصه القصيرة لاعطى لنفسه من الحرية ما تساعده على تصوير الاحداث بعيدا عم شرنقة (الأنا) ذلك لان فى ضمير(هو) حيادية وادعاء الموضوعية ولاتاح الفقيه فى روايته سأهبك مدينة أخرى مثلا أن يبرز لنا هذا التناقض فى شخصية خليلا بدلا من لجوئه إلى التقريرية كالتى نراها على لسان ساندرا مخاطبة خليل " انك دائما تريد أن تكون ما هو ليست انت تريد أن تكون فاسقا واخلاقيا متدينا ومتحررا من الدين تريد أن تعيش فى العصور الوسطى والعصر الحديث تنتمى إلى الشرق وتنتمى إلى الغرب تضع قدما فى الواقع وقدما فى الاسطورة وتكون النتيجة انك ليت فاسقا ولست اخلاقيا (8) لو استخدم الكاتب ضمير الغائب لاتيح له ايضا ابراز عدم تكيف البطل مع بيئة غير بيئته فى صورة مجسدة أفضل من لجوئه إلى المنولونج الداخلى ( فى مقارنته بينه وبين عدنان) فى قوله " بعيدة هى المسافة بينى وبين عدنان بعيدة هى المسافة بين روحى وروحه من أين ياتى أمثاله من الرجال بهذه الطاقة الهائلة الخ (9) وما ينطبق على الرواية السابقة ينطبق على رواية (نفق تضيئه امرأة واحدة) فقد كان يمكن لضمير الغائب ان يبرز لنا المفارقة الشاسعة بين عالم الواقع والعالم الذى يتمناه (فى الزمن الذى لا يأتي) لقد تحدث عن أدران الواقع وارتداء مجتمعه لثوب الحضارة وهى غير مهيأة له لذا تشبثت بالقشور وناءت عن الجوهر لم يلجأ الكاتب إلى عرض هذه الفكرة بكم من الاحداث ولكن تشبثا بضمير (أنا) حاء هذا العرض فى مناجاة نفسية طويلة من البطل فى تقريرية صارخة يقول خليل الامام ركام هائل من الحديد الذى يقذف به البحر على شواطئها كل يوم فى شكل سيارات ومصاعد ومطابخ ومدافع واسياخ تصنع منها منصات الخطابة وماعدا فقد ظل هذا الجديد شيئا لا تقوى على الاقتراب منه حتى لو ادركت أن بعضه ضرورى لاستكمال شكلها الحضارى فان قلبها يرتعب عندما يأتى ذكر الاندية الخ(10) وفى قصصه القصيرة التى تبلور هذين الملمحين (الاغتراب والحلم) يحول ضمير (الأنا) القصة إلى قصة الشخصية مما أوقعه فى المزالق السابق حيث استخدام المناجاة الداخلية وتهميش دور الشخصيات الأخرى وجمود الحدث والاستعاضة عنه بتعليق الشخصية الساردة فى صورة مجملة على ما حدث وهذا يحول القصة إلى تقرير نفسى من انسان صادق فى التعبير عن مشاعره اضافة إلى تدخله بتعليقات على الحدث مما يعمل على جموده وتصدع البناء الفنى ففى قصته (الجنون) التى تبدأ أشبه باعتراف مريض أمام طبيبه النفسى " صارت ذاكرتى تهرب أحيانا منى ولذلك فإننى لا أذكر منذ متى بالضبط اكتشف اننى (وبدون وعي) أسير فى الشارع وانا اعلم نفسى افتح فمى واقفله (11) ويظل ماضيا فى اعترافاته بزواجه من عروس الجن ثم يتحدث عن مصادفته (أو ما أملاه عليه الهلاوس) لامرأة جميلة رأى فيها (امرأة الحلم) فيهيم بها ويقيم لها فرحا فى حلم اليقظة وتتحول القصة بعد ذلك إلى كم من شعارات الحكم ويدين فيها المجتمع لقمعه العواطف النبيلة تارة ويتغنى بالحب تارة أخرى فى قولة " انه اللقاء الذى يمنح وجودنا معنى لولاه لبدا الكون كله مجردا اضحوكة والحياة سوى أكذوبة ولجاء طائر الموت يطبق على الارض ويطليها تحت جناحه كالبيضة الخ (12) وتنتهى القصة باستمرار جنونه وتغنيه بالحب بعروس الجن فضمير الأنا يلقى ظلاله فى عناصر القصة الفنية وتقنياتها بحثى لا يترك المجال لتنوع الأحدث أو الشخصيات اللهم إلا كم من المناجاة والتقريرية والوعظ المخل بالبناء وبفنية عامة ،وما ينطبق على هذه القصة من مثالب لاستخدام ضمير (الأنا) ينطبق على كثير من قصصه القصيرة من هذه القصص قصة (المرأة والكلب)" نجد التقريرية من البداية " قررت فى تلك اللحظة أن كل هؤلاء الناس كلهم يحبون الخير ويسعون جميعا إلى كسب لقمة شريفة الخ (13) وكقوله ليس لدى خبرة بالكلاب ولا بأعمارهم ولا بالمدى الذى يمكن أن تعيش (14) وكقولة قررت أننى فى حالة حب مع هذه الانثى الرائعة (15) ولو أن الكاتب افلح فى الولوج إلى اعماق نفسية البطل أو البطلة من خلال الحدث لكان للقصة مذاق أخر ولكن تشبثه بضمير (الأنا) حال دون اتاحة المجال للتنوع فى الأحداث والشخصيات والصراع وهذا يؤثر سليبا على فنية القصة.
يصعب الفصل بين الواقع بين الوصف والسرد وإن افترق الوصف عن السرد فى كون السرد يقوم برصد مجرى الاحداث فى صورة نامية أما الوصف فيصف ملامح الشخصيات وعالمها الداخلى ومسرح الاحداث (الزمان والمكان ) ولذا قد يتعارض الوصف عند الاطالة ونمو حركة الأحداث وسرعتها ولكن رغم ذلك "قد يكون الوصف أكثر ضرورة للنص السردى عن السرد إذا ما أيسر أن نصف دون أن نسرد ولكن ما أعسر أن نحكى دون أن نصف (16) وإن كانت هناك رؤية غير موضوعية للوصف يراها رولان بارت فالوصف عنده يشغل تلك الصفحات التى يمكن للقارئ أن يقفز عليها دون أن يسيء ذلك إلى الرواية فلانه إذا صح القول زخرف مجانى أو مستودع معرفة موسوعية لا تفيد مباشرة فى فهم الرواية (17) فهذه الرؤية تتجاهل البعد الايجابى للوصف وتقيم الوصف فى بعده السلبى عندما يصبح حلية وزخرفا ليس إلا ويتضح لنا البعد الايجابى للوصف فى وظائفه التى حصرها أحدهما فى وظيفتين جمالية وفقه يقوم الوصف بعمل تزيينى وهو يشكل استراحة فى وسط الاحداث السردية ويكون وصفا خالصا لا ضرورة له بالنسبة لدلالة الحكى والثانية توضيحية أو تفسيرية أى أن يكون للوصف وظيفة رمزية دالة على معنى معين فى اطار سياق الحكى (18) وترجع فنية الوصف إلى مقدرته على ملء النسيج الروائى بما يخدم فنية القصة فى وصف المكان والزمان والشخصيات والأحداث دون أن يؤدى ذلك إلى توقف حركة الأحداث أو بطئها أو التدخل بالوصف بما لا يخدم الحدث العام فى القصة كالوصف المسهب للأمكنة والشخصيات أو ردود الفعل من بعض الشخصيات اتجاه بعض الاحداث .
يحمد للفقيه فى استخدامه للوصف امتلاكه لغة شاعرية راقية تضفى جمالا وبهاء على النص الأدبى وتعلو من قيمته الفنية اضافة إلى قدرته على استجلاء الاماكن واستقطاب والرؤية ليشمل الوصف ما يتضمنه المنظر أو المشهد من تناسق وتناغم وبنيه النص وخلفية مشرقة للأحداث وإن كان يؤخذ عليه الاطالة بدون داع فى بعض المشاهد ويحمد للوصف أيضا عند الفقيه قدرته على استبطان المشاعر الدفينة للشخصيات من الداخل.
يتجلى جمال الوصف فى ثلاثية الفقيه وظيفتيه اللتين ذكرناهما (الجمالية والتفسيرية) فى نقل صورة مقنعة لمسرح الأحداث ففى رواية (سأهبك مدينة أخري)" ينقلنا بالوصف إلى جو لندن وأدنبرة ومجريات كثير من الأحداث التى تعكس لنا رؤى وفكر هذا المجتمع فى رؤيته للحرية الجنسية والإباحية المتوفرة فى الملاهى والمسارح والنظرة المادية للحياة والكون تعيش من خلال الوصف مع الكاتب فى لندن لنجد بهاءها وعراقتها وخاصة ميادينها وشوارعها وحدائقها ونذهب معه إلى أدنبره وهى ترتدى الحلل الجميلة فى المهرجانات أو احتفالها بعيد الكريسماس الشوارع والحانات وكثرة الزائرين لها الخلاعة والجنس والشراب واللهو حتى الصباح الخ وقد وظف الكاتب كل هذه المشاهد لتعكس لنا جو لندن وايقاع الحياة بها لنجد حرية بلا حدود وهذا يؤدى بدوره إلى فوضى بلا حدود هذا كل له رد فعل على مجرى الاحداث التى يمثل قطبها خليل الامام فنجده انسانا ضائعا مشتتا غريبا يقتل السأم والملل والفورة الجنسية بممارسة البغاء مع نساء عدة دون أى يروى ظمأه أو يعمل على استقراره وجاء الوصف متسقا مع السرد فى كثير من المشاهد من هذه المشاهد مشهد وداع خليل لليندا وابنه غير الشرعى (أدم) جاء موعد ذهابنا وخرجت لينا أمام البيت لوداعنا حاملة أدم بين ذراعيها وكان الجو صحوا والسهول تمتد فسيحة أمام البيت يغسلها الضوء وتحف بها أشجار السنديان ويشق الأفق عدة خطوات إلى الامام ورفعته إلى أعلى كأننى اريد الشمس أن تراه ولكائنات السماء أن تباركه (19).
وفى رواية (هذه تخوم مملكتي) يعلب الوصف دورا فاعلا فى نقل المتلقى إلى أجواء ألف ليله وليله هذا العالم السحرى الذى يتماشى وجو الحلم لنرى مدينة عقد المرجان مدينة الحلم مدينة مثالية سواء فى مظهرها العام من حيث التنسيق وحسن البناء والتخطيط والحدائق والاسوار التى تحيط بها أو من حيث ايقاع الحياة وسلوك أهلها وتصرفاتهم الحياتية حياة البذخ والنعيم ويتجلى هذا فى الموائد والشراب والملبس وأنواع الفاكهة على موائدهم واحتفالاتهم بالأعياد (كعيد الماء والعيد الألفى لانشاء المدينة بعدما أعيد بناؤها) ونرى أخلاقيات اهلها وتعاملهم مع لا كذلك ولا ضجر ولا ملل لا حقد ولا أثره ولا سيد ومسود نبل المشاعر التى يهذبها التمارين الروحية كل هذا الجو من خلال الوصف انعكس على شخصية البطل فاحب هذا العالم وافتقد الشوق إلى عالمه الذى عاش فيه بما فيه من أمراض النفس والأمها لذا يقول بعد عودته (ها قد عدت إلى مدينة العصر وما ندمت لحظة على فارقها أو شعرت يوما بأننى أنتمى اليها) .
وما ينطبق على رواياته فى كون الوصف أداة فنية تشكل جماليات النص ينطبق أيضا على قصصه القصيرة ففى مرايا فينسيا مثلا نعيش من خلال الوصف فى جو جميل أجمل مدينة فى العالم فى مبانيها وقنواتها التى تمخر فيها السفن مدينة بلا سيارات بلا تلوث بيئى من أثر الدخان الذى تنفثه السيارات من مداخنها فنجد وصفا لاشهر ميادينها (ميدان سان مارك) وبالقرب منه كنسية سان مارك ومقهى فلوريان الذى كان منتدى لأشهر الادباء العالميين ايقاع الحياة فى هذا المكان المبهج يؤثر على مجرى الاحداث فنجد نشوة البطل وتحفزه لقضاء وقت جميل لولا استبداد القلق من جراء تربص أحد الرجال وتتبعه له ليظهر لنا من خلال الوصف المشاعر القلقة التى تغلى فى أعماقه مما بدد عليه السعادة وقد يكون هذا الرجل رمزا لمشاعر الكابة والحزن التى تعتمل فى نفسه ولذا لم يستطيع جمال المكان أن يغير مشاعره وفى قصته القصيرة ( الرجل الذى لم يشاهد فى حياته نهرا) يقوم الوصف بتجسيد موقف الحلم فى صورته الرومانسية فى تحول الشارع إلى نهر وتحول أرتال السيارات إلى قوارب ومجيء كل عاشق وعاشقة فى رحلة جميلة تحفهم الخمائل والعصافير الخ ويقوم الوصف أيضا بدرة فاعل فى تصوير الواقع بصورة فانتازية حين صور الرجل الذى شرب القهوة قد تحول إلى جمل والفتاة التى أحبت تحولت إلى شاه وربطوها فى وتد ويسمع ثغاؤها فى الليل هذا الوصف كان له قيمة فى مجرى الاحداث بإبراز المفارقة بين عالمى (الواقع والحلم)" مما دفع البطل فى النهاية إلى أن يخلع نعليه ويجرى دون توقف بحثا عن النهر بحثا عن حياة الحب والمشاعر الندية بعيدا عم تيبس الواقع وجفافه ونكتفى بهذه الأمثلة من رواياته وقصصه للتمثيل على دور الوصف فى ملأ النسيج الروائى وتأثيره فى مجرى الأحداث .
للوصف دور فاعل فى رسم ملامح الشخصية سواء سماتها الظاهرة أو فى استبطان مشاعرها الداخلية هذا الدور لا يقل أهمية عن دور الوصف فى تصوير الأماكن وعلاقاتها بالأحداث فلا أحداث بلا شخصية ولا شخصية بدون أن يكون لها بمعالم خاصة بها لنستشعر الحياة نابضة فى التميز والاختلاف بين الناس سواء فى صورهم أو فى مشاعرهم الداخلية وتبلغ مقدرة الكاتب فى هذا الملمح قدرته على رسم صورة متميزة لكل شخصية عن غيرها وفى تصوير ما يمور فى اعماق النفوس من مشاعر وأحاسيس تؤثر فى الأحداث وتعمل على ملء النسيج الروائى ونكتفى بضرب أمثلة فى تصوير ملامح الشخصية من الخارج أو فى تصوير مشاعرها وانفعالاتها الداخلية يسف ليندا بقوله " جمال هادئ دون اثارة ووجه خلال من التزويق ومستحضرات التجميل وعينان عسليتان يوحى اتساعها وغزارة أهدابهما بالألفة والأمان(20) وصفها أيضا بأنها امرأة اللحظات الحميمة التى تجيد لغة القلب وتدخر فى جسمها فاكهة كل المواسم (21) أما ساندرا فهى " امرأة مصنوعة من جمر مواقد الفكر قادرة على اطلاق الشرارات التى تضئ الذاكرة والوجدان(22) وهى أيضا امرأة تشتعل فضولا وحيوية ورغبة فى الحوار والمجادلة (23).
فجمال ليندا جمال هادئ عميق الغور الجمال الذى فتن بدون اثارة غير جمال ساندار جمال مشع أخاذ ولهذا الوصف علاقة بالأحداث فى تبريره جمع (خليل الامام) لامرأتين فى قلبه ليقف على ملمح نفسى وهو متطلبات المرء منا لسمات جمالية معينة إذا افتقد احداهما فى امراه بحث فى ايجادها عند الأخريات ولنقف على وصف أخر لشخصية الرجل الذى يطادر البطل الذى تروى على لسانه الأحداث فى (مرايا فينسيا) وبدهى أننا نجد فيه من الصفات ما يوحى بالقبح عندما رآه فى المرأة " غائر الخدين ذو سحنه ترابية تبرز عظام وجهه وجبينه بروزا منفرا وقد صنعت له أوانى الزجاج ندوبا تغطى وجهه الذى تشظى وتكسر فوق المربعات فبدأ كأنه عشرات الرجال الذين يحاصروننى بملامح شائعة ممسوحة(24) وضع الصورة فى عدسة مناسبة للرؤية (من خلال المرآة) ليوحى بالقبح دون ذكره ففى المرأة تتعدد الصورة القبيحة لهذا الرجل كل هذا يزيد من قبح الرجل ولا نريد ان نحصى ولكن ما ذكرناه للتدليل ليس إلا وقد مر بنا وصفه للمرأة (المثال) فى عالم الحلم فى صورة تتدفق وطبيعة الحلم لنراها الهة من الهات الجمال تشير على الأرض .
أما عن وصف المشاعر والأحاسيس الداخلية التى تعتمل داخل النفس حيث استبطان المشاعر الداخلية والغور فى عالم الشعور واللاشعور مستخدما المناجاة النفسية والمنولوج الداخلى ( أو الباطنى كما يسميه أحدهم) ففى هذا التكنيك يضفى عليه الأسلوب الشاعرى بعدا جماليا لأنه بطبيعته قريب من عالم الشعر لارتباطهما بعالم الوجدان والشعر تعبير وجدانى فقالب مناجاة النفس كما يقرر همفرى " قريب من الشعر فى خصائصه المكثفة وفى اعتماده على الايقاع وفى معجمه الدقيق(25) أو كما يقرر غيره " المونولوج الباطنى فى مرتبة الشعر وهو خطاب بدون سامع غير ملفوظ تعبر بواسطته الشخصية عن أكثر مقاصدها حميمية وأقربها إلى اللاشعور هى أفكار سابقة على كل تنظيم منطقى وذلك بوساطة جمل مباشرة مختزلة إلى الحد الأدنى من ناحية النمو وبصورة توحى بانطباع أنها لأى شخص كان(26) ولنقف على بعض الأمثلة للمناجاة النفسية وللمونولوج الباطنى من رواياته ومن قصصه القصيرة فى رواية (سأهبك مدينة أخرى) يتحدث عن العطب الذى اصابة فدمر كيانه ونفسيته فى قولة " قلبى متيبس أفسده دخان الحانات ودخان الأساطير رآنى مستقيلا من القضايا العامة زاهدا فى الدخول إلى ميادين الصراع أرفع راياتى البيضاء وأعلنت الحياد فأهملنى (عدنان صاحبه لعدم الاتفاق معه)" كعرف شجرة مقطوع يعبث به الرياح والأهواء كانت كلماته حول أهمية أن يكون للإنسان هدف يمنح حياته معنى ويجعل من وجوده اضافة جديدة للوجود الانسانى تسقط تحت قدمى أوراق الشجر الميتة (27) وعندما يستشعر مرارة السقوط فى نهاية الرواية ليعود إلى بلاده ممزق النفس ظمآن رغم ظنه امتلاء الكأس التى ترويه يقول " كم هو ضعيف هذا الكائن الذى اسمه الانسان هذه الكتلة من الأعصاب والمشاعر والأوعية الدموية التى تبدو أحيانا قوية تمتلك مفاتيح الكون ما أسهل ما يصيبها العطب وتتحول فجأة وبرغم ما فيها من نبض وحياة إلى حزمة من الأحطاب الجافة (28).
وفى قصته القصيرة امرأة من ضوء يرثى لهذه العلاقة العاطفية مع عائشة وإن كان يحنو اليها ويجد لذة فى تذكرها تلك العلاقة التى نمت وهو طفل صغير وحاول ايجادها بنفس البراءة والطهر ولكنه افتقدها مع نساء أخريات لأنه يطلب المحال يقول " ويعذبنى الشعور بأن تلك العلاقة الطفولية البريئة الساذجة العابرة قد منعنى من إقامة علاقة حب سوية مع امرأة أخرى وأن الطفل الذى كنته منذ ثلاثين عاما مضت قد يأبى الاستجابة إلى ندائى ويرفض أن يمنعنى وهج قلبه الأخضر فهما الاثنان يعيشان فى دمى وهما الاثنان يطالبان بكل الحاح وعنف بأن أجعلهما يجتمعان ويتعانفان مرة أخرى(29).
وإن كان يؤخذ على الفقيه أنه كثيرا ما يطول عنده الوصف ويتجاوز القدر المطلوب فنيا ليصبح الوصف عبارة عن لوحات مستقلة عن وحدة الحدث مما يؤدى خلخلة البناء وبطء حركة الأحداث فى النمو بل وتوقفها أحيانا وخاصة فى رواياته ففى رواية (نفق تضيئه امرأة واحدة) مثلا يطول الوصف فى قورينا طولا زائدا من ص 17: 29 ووصفه لسناء ص 105 : 106 ووصف لقاءاته الجنسية معها ص 130 : 141 : 154 : 180 وفى رواية (سأهبك مدينة أخرى ) نجد الوصف مسهبا بعيدا عن حلقات الأحداث كوصفه للقاءات جنسية بينه وبين ليندا وساندرا ص 26، 87، 88،91، 104، 155، 162، 163،183، 187 ووصفه لاستعداد الجامعة للاحتفال ببدء العام الدراسى ص 177 ووصف أدنبرة واستعدادها لمهرجانات السنوى للفن الشعبى ص 160 وما بعدها ووصفه لسوء حالة ساندرا بعد اختطافها ص 226: 227 الخ وفى رواية ( هذه تخوم مملكتى ) نجد الوصف المسهب البعيد عن مجرى الأحداث فى حديثه عن بنيان هذه المدينة (عقد المرجان) تخطيطها وسورها (44: 46) واحتفال المدينة بعيد الماء ص 80 وبالعيد الألفى لإعادة بنائها ص 113: 114 وفى قصصه القصيرة تتحول كثير من القصص إلى مجرد اجترار المشاعر مما يقتل الحديد ويذهب بالفكرة التى يريدها الكاتب فى ( مرايا فينيسيا) الخ ...
____________
الهوامش
1-حسن بحرواى : بنية الشكل الروائى المركز الثقافى العربى ط1 1990 ص 10 نقلا عن
M Bakhine : Esthetique et theorie du roman , trad Daria oliver Ed Gallimard 1978 p 69
2-د. حميد الحمدانى : بنية النص السردى من منظور النقد الأدبى طبعة المركز الثقافى العربى للطباعة والنشر والتوزيع ط2 1993 ص46 نقلا عن
Wlofgang kayser : Quitracente le roman inpoetiaue de recit points seuil 1977 p66
3-د. عبد الملك مرتاض : فى نظرية الرواية : بحث فى تقنيات السرد سلسلة عالم المعرفة الكويت عدد 240 ص94
4-د. حميد الحمدانى : المرجع السابق ص 48
5-المرجع نفسه ص 46 نقلا عن نصوص الشكلانيين الروس ترجمة إبراهيم الخطيب ط مؤسسة الأبحاث العربية ط1 1982 ص189
6-أحمد إبراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 131
7-المصدر نفسه ص41
8-المصدر نفسه ص 168
9-المصدر نفسه ص202
10-أحمد ابراهيم الفقيه : نفق تضئيه امرأة واحدة ص 136
11-احمد ابراهيم الفقيه : مجموعات امرأة من ضوء قصة المجنون ص 93
12-المصدر نفسه ص100
13-المصدر نفسه قصة المرأة والكلب ص73
14-المصدر نفسه ص35
15-المصدر نفسه ص33
16-د. عبد الملك مرتاض : المرجع السابق ص 291
17-بيرنار فاليط : النص الروائى تقنيات ومناهج ترجمة د.رشيد بنحدو المشروع القومى للترجمة المجلس الأعلى للثقافة ط الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1999 ص39
18-انظر د. حميد لحمدانى المرجع السابق ص79
19-أحمد إبراهيم الفقيه : سأهبك مدينة أخرى ص 240
20-المصدر نفسه ص13
21-المصدر نفسه ص108
22-المصدر نفسه ص107
23-المصدر نفسه ص98
24-أحمد ابراهيم الفقيه : مجموعة مرايا فينيسيا قصة مرايا فينسيا ص27
25-روبرت همفرى : تيار الوعى فى الرواية الحديثة ترجمة د. محمود الربيعى ط مكتبة الشباب د. ت ص 33
26-دولان بورنوف وريال أوئيلية : عالم الرواية ترجمة نهاد التكرلى مراجعة فؤاد التكطرلى و د. محسن الموسوى ط دار الشئون الثقافية العامة بغداد 1991 ص 163
27-أحمد ابراهيم الفقيه : سبأهبك مدينة أخرى ص 202 وما بين القوسين كلام الباحث
28-المصدر نفسه ص 227
29-أحمد ابراهيم الفقيه : مجموعة امرأة من ضوء قصة امرأة من ضوء ص 19.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق