الخميس، 13 أغسطس 2015

تحميل كتاب عصر الإسلاميين الجدد رؤية لأبعاد المعركة الفكرية والسياسة في حقبة الثورات العربية - وليد بن عبد الله الهويريني ...


كتاب عصر الإسلاميين الجدد 


رؤية لأبعاد المعركة الفكرية والسياسة في حقبة الثورات العربية



وليد بن عبد الله الهويريني 


الناشر: مجلة البيان 1434 - 2013


يحتوي الكتاب على ثلاثة فصول :

1- الإسلاميون الجدد .. قراءة في الظروف المهيئة لتسيدهم المشهد الفكري والسياسي.

2- الإسلاميون الجدد .. بين مجهر الراصدين وطموح الثائرين.

3- أبعاد المعركة الفكرية في حقبة الثورات العربية .

ثم الورقة الأخيرة : لئلا تسرق أحلامنا.

    عن الكتاب : " ... من الكتب التي أثارت نقاشاً واسعاً وقت صدوره كتاب ( عصر الإسلاميين الجدد ) للباحث / وليد الهويرني , وعليه فالكتاب أحوج ما يستدعي للنقاش الهادئ والمتعمق . 

ملاحظات أولية على الكتاب : 

1) اكتسب الكتاب أهمية خاصة نظراً لأهمية موضوع الكتاب ولخطورة وحساسية النتائج الصادمة التي توصل إليها وكشف عنها . 

2) كذلك ظهرت قيمة الكتاب في مواكبة طرحه للحراك الثوري والزخم التغييري في الواقع العربي وطرحه لرؤية مغايرة للتفاؤل السائد .

  فهناك نقطة محورية في كتاب عصر الإسلاميين الجدد تستحق الوقوف عندها والنقاش حولها :

   وهي أن القضيتين الأساسيتين اللتين ارتكز عليهما الكتاب هما : 

- بيان خطورة "نموذج" الإسلاميين الجدد في سعي القوى الكبرى بتحريكهم للثورات العربية ليصلوا إلى تمكينهم من الحكم امتداداً للسياسات الراندية قبل الثورات .

- بيان خطورة "نمذجة" أحزاب الحكم بعد الثورات من خلال تصدير نموذج حزب العدالة التركي .. الذي خلص الكاتب إلى صورة العلمانية المبطنة في سياسة الحزب ومنهجه . 

   وهاتان النتيجتان مخالفتان لرأي شائع سائد في العقل السياسي الإسلامي حتى أن بعض المتابعين يقول بأن الروح الموجودة في ثناياه ذات طابع سوداوي، فهناك مؤامرة تحيكها قوى الغرب وخصوم الإسلام، وتم توظيف هذا الفريق الإسلامي (الإسلاميون الجدد) في تنفيذ المهمة .

3) ظهرت براعة الكاتب في دمجه لنطاقات مختلفة من الأطروحات والأبحاث المتباينة : من الأبحاث والدراسات الغربية / إلى رؤى الاستراتيجيين العرب / إلى كتابات الإسلاميين الجدد أنفسهم .. والتي لم يكن بينها سابقاً أي مجالات التقاء ؛ شيء منها في السياسية الدولية ، وآخر في تغيير الأفكار وتحولات وتراجعات المناهج ، وثالث في الحراك الميداني الثوري .. كل ذلك جمعه الكاتب واستخلص منه رؤيته .

4) ومن امتيازاته : إبرازه للمفكرين والاستراتيجيين العرب "الحقيقيين" واتكاؤه على نظرياتهم ، وإظهاره لسبقهم وريادتهم ، بعد أن كانوا يغمطون ظهورهم المكافئ لريادتهم أعني بهم : الدكتور / عبد الله النفيسي في حديثه عن تغيير الأمريكان لخارطة الدول العربية والأصدقاء العرب ، والشيخ سفر الحوالي في استشرافه المبكر لــ( العلمانية في طورها الجديد) ووصول "نمط" الإسلاميين الجدد للحكم وذلك قبل أكثر من عشرين عاماً .".

الدرر السنية - التعريف بموضوع الكتاب:

   أتى هذا الكتاب؛ ليوضِّح الرؤية بين أبعاد المعركة الفكريَّة والسياسيَّة في هذه الآونة، المسمَّاة (حِقبة الثورات العربية)، وقد تألَّف الكتاب من مقدِّمة وثلاثة فصول، تحت كلِّ فصل منها عِدَّة مباحث؛ تحدَّث في المقدِّمة عن الأحداث الكبرى التي تمرُّ بها الأمَّة، وأنَّ التحليل الأصوب لهذا الواقع لا يُحسنه إلَّا الباحث المسلم الذي يمتلك الحصيلة الشرعيَّة المنبثقة من الكتاب والسُّنة، مع الفَهم الجيِّد للواقع وأحداثه، ودراسة الدَّوافع والمنطلقات والمآلات. وأشار المؤلِّف إلى مستويينِ مهمَّينِ في تحليل أسباب الثورات غفَل عن التفريق بينهما الكثيرون:

المستوى الأوَّل: وجود المبرِّرات لوقوع الثورات.

والمستوى الثاني: مدى أثَر هذه المبرِّرات في إشعال الثورات في هذه الفترة بالذات.

    وقسَّم الإسلاميين من حيث تعاطيهم للواقع الذي تُهيمن عليه الحضارةُ الغربية ثلاثةَ مسارات، وأنَّ الغرب أيقن بعدم جدوى قيام القوى العلمانية المتطرِّفة والمستبِدَّة في تأمين مصالحه السياسيَّة والاقتصاديَّة وبقاء هيمنته. وأنَّ استدامة هذه الهيمنة يمكن تحقيقها عن طريق نُخَب فِكرية متصالحة مع الحالة الإسلاميَّة، أو نُخب فكرية إسلاميَّة تبنَّت القِيم الليبراليَّة عبْر تأويلات محدَثة، وأنَّ هذا ممَّا لم يتمكَّن البعض من رؤيته؛ بسبب وهج الثورات العربيَّة ونسائم الحريَّة التي تنفَّستها الشعوب بعد الظلم والاستبداد.

   وأمَّا الفصل الأوَّل: فتحدَّث فيه عن الإسلاميِّين الُجدد، وقدَّم قراءة في الظروف التي هيَّأت لتسيُّدهم المشهد الفِكري والسِّياسي، ممهِّدًا له بلمحة عن التاريخ المعاصر، والذي حرَص فيه الاستعمار الأجنبي (فرنسا وبريطانيا، ثم روسيا وأمريكا) على تقسيم العالم الإسلامي والحِرص على تفرُّقه إلى دويلات صغيرة، ثم عرَض لما سمِّي بالشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلَّاقة، متسائلًا: هل حان وقتها؟ ملخِّصًا أفكار هنتجتون أشهر المفكِّرين الإستراتيجيِّين الأمريكيِّين، في كتابه ((صدام الحضارات: إعادة بناء النظام العالمي))، وألمح إلى خُطورة فكرة الشرق الأوسط الكبير (الجديد) بديلًا عن العربي والإسلامي لإدراج دولة الصهاينة في المنطقة، وإلى أسباب اختيار الغرب للإسلاميِّين الجدد (الإسلام المعتدل) لنشر قِيمهم الليبراليَّة عبْر الديمقراطيَّة الغربيَّة، و(وثيقة اسطنبول)، ثم تحدَّث عن الدَّور الترُّكي بين واقعية التشخيص وآمال المستضعفين، وعن دور تركيا في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنَّها تُعَدُّ الحليف النموذجيَّ المرشَّح؛ ليؤدِّي الدور الرائد في مشروع أمريكا لترويض المنطقة، مفصِّلًا الحديث عن حزب العدالة والتنمية وحقيقة نشأته، وبُعده عن المشروع الإسلامي الصحيح، وعن زيارة أوردغان لمصر بعد الثورة ودعوته الصريحة للعلمانيَّة. كما تحدَّث عن تقرير مؤسَّسة راند الشهير (بناء شبكات إسلاميَّة معتدلة)، وعمَّا جاء فيه من خوفهم الكبير من دَور المسجد، وسعيهم لتقليص دَوره واقتصاره على أداء الشعائر التعبديَّة فقط، وعن ملامح المسلمين المعتدلين التي حدَّدتها الدراسة، وأنَّ الدراسة أخذت بالرأي المؤيِّد لدمج الإسلاميِّين في العملية السياسيَّة..إلخ. كما تحدَّث عن الثورات العربية بين نظرية المؤامرة وتوظيف الأعداء، ذاكرًا الآراء المتباينة في الثورات؛ بين قائلٍ بعفوية تلك الثورات، مستبعِدٍ لوجود أيَّة مؤامرة، وبين مَن يرى أنَّ هذه الثورات هي نتيجة للفوضى الخلَّاقة، عارضًا حُجج كلِّ فريق.

وأمَّا الفصل الثاني: فخصَّه للحديث عن الإسلاميِّين الجُدد بيْن مجهر الراصدين وطموح الثائرين، موضِّحًا فيه صورة الإسلاميِّين الجُدد بعيون غربية، ومتحدِّثًا عن أبرز الدِّراسات التي صدَرت في تلك الفترة، وهي (إسلام بلا خوف، مصر والإسلاميون الجدد)، وما ورد فيها من أفكار وأطروحات. كما تناول بالحديث أسبابَ نشأة الإسلاميِّين الجدد، وما حقيقة المعركة؛ وبأنَّ الإنجليز بمكرهم الخبيث استخدموا بعض الفقهاء والشيوخ كجِسرِ عبورٍ للوصول إلى هدفهم الذي هو إلغاء تحكيم الشريعة الإسلاميَّة ونشْر العلمانية في بلاد المسلمين، كما حدَث مع الشيخ محمد عبده. مع ذكر مقتطفات من أقوال أخيار العلماء وفتاويهم في هذه مسألة (إلغاء الشريعة، وفصل الدين عن الدولة). وكذلك عرَض لرؤيةِ عامَّةِ الإسلاميِّين لجانبي الديمقراطيَّة: الجانب الفلسفي النظري وأنه غير مقبول لديهم كافَّة، والجانب الإجرائي والمراد به الآليات، وهذا مباح عند الفريق الذي دخل العملية السياسية. وأفرد مبحثًا للحديث عن بداية فقدان البوصلة بين (الممكن)، و(المنشود) مستعرضًا وضوح هذه الفكرة بين جيل الصحوة الأوَّل، وانمحائها شيئًا فشيئًا عند الأجيال التالية لها. ثم أفرد الإخوان المسلمين بالحديث متسائلًا: هل جماعة الإخوان المسلمين من الإسلاميين الجدد؟ وأجاب عن هذا التساؤل بأنَّ الإجابة بالنفي أو الإثبات لا تصحُّ، وأنه لا بدَّ من التفصيل، ثم عرَض تفصيل ذلك. ثم أفرد مبحثًا لتوضيح الأسباب التي أدَّت إلى وقوع الإسلاميِّين الجُدد في التوظيف؛ ومنها: قلَّة الخبرة السياسيَّة، وتضخُّم الهدف الدُّنيوي على حساب الهدف الدِّيني، وغير ذلك. كما أفرد مبحثًا بيَّن فيه كيفية التعامل مع الإسلاميِّين الجدد. ومبحثًا تحدَّث عن عصر الإسلاميِّين الجدد واللوازم الباطلة؛ والتي منها: التزهيد بالعمل السياسي، وحتمية الخيار القتالي، وتخوين الإسلاميِّين الجدد.

وفي الفصل الثالث: تحدَّث عن أبعاد المعركة الفكرية في حِقبة الثورات العربية، فذكَر أنَّ معركة المفاهيم الثالثة تدقُّ طبولها، وهي معركة الثورات العربية، بعدَ معركة الحملة الفرنسيَّة، ومعركة خروج الاستعمار وقيام الدولة العلمانيَّة الاستبداديَّة، مُعدِّدًا أبعاد المعركة الفكريَّة في بلدان الثورات العربيَّة وآثارها الإيجابيَّة في إطلاق حريَّة الدَّعوة الإسلاميَّة. كما عدَّد أبعاد تلك المعركة الفكريَّة في البلدان العربية الأخرى. ثم ختَم كتابه بعنوان (لئلَّا تُسرق أحلامنا) ذكر فيها أنَّ ما قام به من سردٍ وتحليل لهذه الأحداث لا يدعو إلى اليأس والقُنوط، ولكن هذا داعٍ إلى العمل على النُّهوض، وأنَّ هذه الأحداث فيها فوائد كثيرة؛ منها: التمحيص وتمييز الخبيث من الطيِّب، ومنها: شهود جريان سُنَّة الله تعالى في الطغاة والمستبِدِّين، وغير ذلك من الفوائد لمن تأمَّلها بعين البصيرة. مؤمِّلًا أن يستغلَّ الإسلاميون هذا الانفتاحَ في دعوة الناس إلى دين الإسلام بقِيَمه وأخلاقه الرفيعة، مشيرًا إلى أنَّ المستيقنين بوعد الله تعالى لا يخافون على الدِّين؛ لأنَّه محفوظ بحِفظ الله عز وجل له، ولكن الخوف هو على هذا الجيل، الذي يُضغط عليه ماديًّا ومعنويًّا؛ لمسْخ هُويته ودِينه.

والكتاب جيد يفتح آفاقًا للتفكر ننصح بقراءته.


قراءة في كتاب عصر الإسلاميين الجدد- رؤية لأبعاد المعركة الفكرية والسياسية في حقبة الثورات العربية

مجلة الفرقان - عبدالقادر علي ورسمه :

  يعد هذا الكتاب من المؤلفات القليلة التي تناولت في تحليل الأبعاد الفكرية والسياسية التي صاحبت مرحلة الثورات العربية، وهو محاولة جادة لإلقاء الضوء على المتغيرات الفكرية والبحث عن المكاسب والخسائر من الأحداث الجارية في المنطقة العربية، وهو من تأليف د. وليد بن عبد الله الهويريني، وقد كانت للدكتور الهويريني إسهامات في هذا المجال ولاسيما مؤلفه عن تحولات الإسلاميين التي كانت سمة بارزة لبعض الدعاة في المنطقة العربية ولاسيما في الخليج العربي، وكان له ملاحظات نقدية وتحليلات واسعة في هذا المجال الذي له علاقة موضوعية مع هذا البحث.

   وينقسم الكتاب إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، وتندرج تحت هذه الفصول مباحث عدة، وفي البداية يشير إلى التقسيمات الموجودة في الساحة وكيفية تعاملها مع الواقع قائلا: إن المتأمل في تعاطي الإسلاميين مع الواقع يجد أنهم ينقسمون إلى ثلاث مسارات، الأول: إسلاميون تعاملوا مع واقع الاستضعاف بفقه التمكين، وأحسنوا عندما استدعوا العهد النبوي والخلافة الراشدة في بناء تصوراتهم ومفاهيمهم الشرعية، ولكنهم لم يوفقوا عندما تعاملوا على الصعيد الدعوي والجهادي بما كان متوفرا لأجيال التمكين في عهد السلف ولم يتوفر بين أيديهم، وهذا أنتج تعاملا متعاليا على معطيات الواقع بأبعاده الاجتماعية والفكرية والسياسية، وهو ما جعل مشاريعهم تتحطم على صخرة الواقع، وعادت بالكثير من الأضرار على الأمة الإسلامية.

المسار الثاني: إسلاميون انطلقوا في مسيرة نابعة من رؤية إسلامية أصيلة اندفعوا للتعامل مع الواقع بحماس، فكانت لهم جهود مشكورة وإسهامات مميزة، ولكن كان تعاطيهم مع الواقع بتقلباته وتداعياته يأخذ المساحة الأكبر من عقولهم وتحصيلهم واطلاعهم بما يفوق التحصيل العلمي مما أفرز تضاؤلا وذبولا في منظومتهم الفكرية والشرعية.

المسار الثالث: إسلاميون حرصوا على إبراز المفاهيم الشرعية وصيانتها من مصادرها الأصيلة المتمثلة بالكتاب والسنة، واستوعبوا معطيات الواقع وسبروا أغواره وأدركوا أهمية التعامل معه بمنهجية علمية رصينة، وقد يقعون في حالات قليلة فيما وقع فيه أصحاب المسار الأول والثاني من أخطاء وعثرات، ولكنهم في جملة أدائهم وعملهم جمعوا بين منهجية منضبطة واطلاع واسع على واقع الأمة.

الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة هل حان وقتها؟

يورد الكاتب بعض المقولات التي تدل على الاستراتيجية الغربية لإحداث الفوضى في العالم الإسلامي ليسهل تقسيمه مرة أخرى، ولاسيما أن العديد من المفكرين الغربيين ما زالوا يوصون مراكز القرار عندهم بإعادة تقسيم المنطقة إلى أكثر من تسعين دولة عرقية وطائفية، ويقول المستشرق اليهودي الأمريكي (برنارد لويس): إن غالبية دول الشرق الأوسط مصطنعة وحديثة التكوين، وإذا ما تم إضعاف السلطة المركزية إلى الحد الكافي فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة ولا شعور حقيقي بالهوية الوطنية المشتركة أو ولاء للدولة الأمة، وفي هذه الحالة تتفكك الدولة مثلما حصل في لبنان إلى فوضى من القبائل والطوائف والمناطق والأحزاب المتصارعة.

   وقد وضع (لويس) في الثمانينيات مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعات من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والطائفية، وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية والإسلامية، وفي عام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي في جلسة سرية على مشروع (برنارد لويس)، وبذلك تم تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية لسنوات مقبلة، ويؤكد المؤلف كون هذا المستشرق من أقرب المقربين لإدارة (بوش) الابن التي كانت تعتمد على استشاراته.

الدور التركي بين واقعية التشخيص وآمال المستضعفين:

   ورغم المكاسب الجيدة التي شهدتها فترة تسلم حزب العدالة والتنمية إلا أن محاولة بعضهم لاستنساخ تجربة الحزب غير موفقة بسبب أن توجهات الحزب بعيدة كل البعد عن توجهات الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، ويؤكد الكتاب أن حزب العدالة والتنمية يختلف اختلافا كليا حتى عن المشروع الإسلامي الذي قاده نجم الدين أربكان في تركيا، وهذا ما يؤكده قادة حزب العدالة والتنمية منذ انطلاقهم أنهم خلعوا عباءة الحركة الإسلامية وأن حزبهم حزب يميني محافظ لا صلة له بالحركة الإسلامية؛ حيث إن الحزب اتبع سياسة مخالفة تماما لأي حزب إسلامي، وفي سابقة خطيرة صوت الحزب في البرلمان التركي على إسقاط العقوبات القانونية في حق الزناة بناء على مطالب الاتحاد الأوربي مع أن الزنى كان مجرما في القانون التركي قبل ذلك، وقد بين الرئيس الحالي في تصريح له منهجية الحزب في التنازلات قائلا: «لقد انهارت حضاراتنا الإسلامية، ولا بد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد!»، مع أن القيم هي من الثوابت التي لا تتغير اختيارا، وإنما التكتيكات السياسية هي التي تتغير.

   وقد قاد حزب العدالة والتنمية دورا تأجيجيا في الثورات العربية ولقي هذا الدور تأييدا من قبل الثوار في جميع البلدان التي ثارت على حكامها، ولكن تصريحات أحمد داود أغلو وزير الخارجية التركي تؤكد أن سياسة تركيا في دعمها للثورات العربية ليست بالضرورة متفقة مع توجهات الجماهير العربية، ولكنها تتماشى مع السياسات الأمريكية في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بتغير جغرافية المنطقة حيث يقول أحمد داود أغلو في أوج الثورة السورية: المنطقة تشهد تغيرا كبيرا، فإما القبول بشرق أوسط جديد أو القبول بالفوضى!، وأضاف قائلا: إن التغيير الذي تشهده المنطقة يعد التغيير الأهم والأكبر في المئة عام الأخيرة.

   ويؤكد المؤلف وجود أهداف وأجندات للحكومة التركية في المنطقة العربية لا علاقة لها بما تأمله الشعوب العربية إلا بالقدر الذي يتوافق مع المصلحة التركية القومية التي تنتظم في نهاية المطاف ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير والمصالح الغربية مشيرا إلى أنه ينبغي الاستفادة من الدور التركي وتثمين إيجابياته، ولكن مع الحذر ووعي كاملين بما يدور حولنا، وفهم دقيق لحقيقة الدور التركي في المنطقة العربية.

عندما يريد الغرب (بناء شبكات إسلامية معتدلة).

   ويوضح المؤلف تحت هذا العنوان أن الغرب يريد صناعة إسلام معتدل بمواصفات فكرية محددة يمكن من خلاله نشر القيم الغربية في العالم الإسلامي كما تؤكده التقارير الصادرة عن مراكز البحث الأمريكية، وتشير الدراسات أن الهدف الأمريكي لصناعة ما يسمى بالإسلام المعتدل هو دمج الإسلاميين في العملية السياسية والتعامل معهم بوصفهم شركاء، لأنهم يمثلون البديل المحتمل للنظم الشمولية العربية، وهم أكثر قدرة على مواجهة الخطر الراديكالي الذي يمارس العنف، وأقدر على ذلك من رجال الدين التقليديين على حد وصف تقرير مؤسسة (راند) الأمريكية المعنون (بناء شبكات إسلامية معتدلة)، وفي نهاية المطاف تؤكد التقارير الأمريكية أن تسلم الأصوليين السنيين السلطة سيدفعهم للمشكلات اليومية لشعوبهم ويحد من فتنة شعارهم «الإسلام هو الحل» كما أن نجاحهم سيقوض جاذبية التطرف السني العنيف، وفي هذا الصدد يشير المؤلف أن مراكز التفكير الغربية ترى أن العالم الإسلامي «السني هو مركز تحد، ومن ثم فالقوة التي يمكن أن تكون موالية للغرب مستقبلا هي الأقلية الشيعية في إيران والعراق والخليج» حسب ما جاء في التقرير، والتوجه الأمريكي تجاه التصالح مع إيران والدور الغربي في سوريا خير دليل على هذا التفكير.

الثورات العربية بين نظرية المؤامرة وتوظيف الأعداء.

    رغم اختلاف الآراء في المنطقة إلى فريق يرفض وجود المؤامرة ويؤكد عفوية هذه الثورات فضلا عن أن فوز الإسلاميين وتسلمهم السلطة يعد دليلا واضحا لعدم وجود من يحرك هذه الثورات، بينما الفريق الآخر يرى أن هذه الثورات ما هي إلا نتيجة للفوضى الخلاقة التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس، التي أكدت على ضرورة التخلص من حلفاء الغرب في المنطقة واستبدالهم بحلفاء جدد، ويؤكد هذا الرأي ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية عبر مؤسسات أهلية بتدريب الآلاف من الشباب العربي على كيفية التظاهر السلمي ومواجهة قوى الأمن.

   وهناك تساؤلات يطرحها الكتاب حسب أقوال المحللين، وهو هل جهزت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المجموعات التي دربتها بانتظار تغيير كوني قدري لا دخل لها فيه؟ وهل يمكن لدولة كبرى أن تنفق هذه الأموال الطائلة وتدرب الأعداد الكبيرة من غير أفق مستقبلي منظور قريب يمكن أن يؤتي هذا التدريب والتجهيز أهدافه؟ هذه الأسئلة ومثيلاتها لا تجد لها أجوبة في ظل هدير الأحداث المتلاحقة والعواصف الجارفة!.

    ويشير المؤلف إلى وجود رأي ثالث يقف أصحابه في نقطة الوسط؛ حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن انطلاق الثورات العربية جاء عفويا، ولكن الغرب توقع حدوث تغير في العالم العربي في أي وقت ولهذا أعد عدته ومخططاته، وبمجرد اندلاع الثورات سعى في محاولة استثمارها وتوظيفها بما يحقق أهدافه وأطماعه، وفي خلاصة الأمر يرى المؤلف أن ترجيح هذا الرأي يعمق وعي المسلمين بما يجري في العالم الإسلامي في هذه الحقبة المفصلية من تاريخه المعاصر، ولاسيما وأن الأحداث الأخيرة وتغير مسار الثورة المصرية بعدما خاف الغرب من توجهات قادتها ضد إسرائيل، ووضع العراقيل في الثورة السورية يؤكد صحة هذا التحليل.

الإسلاميون الجدد بين مجهر الراصدين وطموح الثائرين:

   وفي فصل الإسلاميون الجدد يقول المؤلف: إنه في حقبة ما بعد 11سبتمبر 2001م بدأت مجموعات شبابية وشخصيات محسوبة على الصحوة الإسلامية في الخليج بتقديم أطروحات متسقة ومتناغمة إلى حد كبير مع هذا الاتجاه التنويري، وبدأت تحزم حقائبها لمغادرة مرابعها الأولى باتجاه محطة التنوير الإسلامي (الإسلاميون الجدد)، وفي خضم الهجمة الفكرية والإعلامية الشرسة التي طالت الخطاب السلفي في العشرية السبتمبرية، انضم لهذا الاتجاه شرائح من الإسلاميين التي ظنت - وهي واهمة- أن الخطاب النقدي التنويري بعد سبتمبر كان عبارة عن محاولة تصحيحية لأخطاء موجودة في الخطاب السلفي تجاه بعض القضايا، لم يستوعب حجم (التحول الفكري) لدى هؤلاء، فانساقت له وتم توظيفها بشكل أو بآخر في دعم هذا الاتجاه، وبدأ المراقب يرصد على الصعيد الإقليمي والعربي مؤسسات فقهية وفكرية وإعلامية بدأت تصهر هذا المزيج من الإسلاميين الجدد في قالب مميز له سماته وملامحه.

   ويضيف قائلا: وإن كنا نعتقد أن المنهجية الاستيعابية الفضفاضة التي انتهجتها الحركة الإسلامية في زمن مضى أدت إلى تسلل الأطروحات التنويرية لجسد الحركة الإسلامية، فإن الإسلاميين الجدد أو تيار التنوير يمتلك فضاء لا تكاد ترى ضوابطه وكوابحه، وهو ما يجعله يستوعب في مناشطه وخطابه طوائف عدة من المفكرين والناشطين من خارج دائرة الإسلاميين، ويقول أيضا: إن هذا الخطاب يقدم رؤية تعطي المشروعية القانونية لنشر عامة آراء العلمانيين والزنادقة والملاحدة بحجة حرية الفكر والرأي.

    وعن اللوازم الباطلة في عصر الثورات العربية يؤكد المؤلف أن اعتزال الإسلاميين كلهم للعمل السياسي يقتضي انفراد النخب العلمانية والليبرالية والتنويرية بتشكيل دساتير الدول ومستقبلها السياسي لعقود قادمة، ولكنه يؤكد على أن أهمية العمل السياسي لا يعني استهلاك الطاقات فيه، ورصد مسيرة الدعوة الإسلامية بأحداثه ومحطاته ونتائجه بلا طائل، ولكن يظل المسار السياسي أحد مسارات التغيير والإصلاح التي متى ما نفرت طائفة له وحصلت بها الكفاية نفر غيرهم لسائر المسارات الإصلاحية الأخرى.

اللوازم الباطلة:

   ويؤكد المؤلف أيضا أن من اللوازم الباطلة في هذا العصر المضطرب الخلط بين شعيرة الجهاد وبين تطبيقاته المعاصرة، ومن هذا المنطلق يقول: إن أي تيار فكري أو قتالي يستهدف تحويل بلاد المسلمين الآمنة إلى أرض حرب مفتوحة تدمر مقدراته وتعبث بأمنه؛ قد يكون إحدى الأدوات التي يتم توظيفها لتفجير المكونات الاجتماعية والطائفية في كل بلد لينفذ منها الأعداء، مشيرا في الوقت نفسه إلى تصاعد هذا الفكر بين الشباب ولأسباب منها كثرة الإضرابات والفراغ الأمني، وظن هذه التيارات أنها قادرة على استثمار أجواء الثورات العربية، وردة فعل المعاكسة من بعض الشباب المسلمين الذين يظنون أن تطبيق الشريعة الإسلامية أصبح قاب قوسين أو أدنى بعد الثورات العربية، وكذلك خيبة أملهم من نتائج المشاركة السياسية للإسلاميين.

   ويخلص المؤلف إلى أن غياب فقه واقع الاستضعاف الذي تعيشه الأمة الإسلامية يدفع الكثيرين لسياسة حرق مراحل التدرج في التغيير والإصلاح، مؤكدا أن إقامة كيان سياسي مستقل عن هيمنة الأعداء لا يحققها التعاطف الشعبي الوقتي، ولا توجدها انتصارات عسكرية محدودة، وأن هؤلاء يغيب عنهم أن أمة لا تصنع سلاحها ولا تزرع غذاءها لا تملك قرارها.

    ويؤكد المؤلف أن انفتاح مناخ الحريات الذي أعقب سقوط بعض النظم أثناء الثورات العربية يستلزم استثمار الدعاة والمفكرين والمصلحين على اختلاف مواهبهم وتوجهاتهم لهذا المناخ في مضاعفة الجهود للدعوة والإصلاح، ولن يجد المصلحون أكثر بركة وأعظم أثرا وأرسخ ركنا من دعوة الناس إلى الإسلام بقيمه وشرائعه وأحكامه فكلما كان المجتمع المسلم أكثر تدينا واستقامة ورشدا؛ كان أكثر قوة وإقداما في مواطن النزال والإقدام، وكان أشد تآلفا وتماسكا بين أفراده عند الاضطراب والاختلاف، وكلما ضعف التدين وخفتت أنواره وتراجعت آثاره، كلما نجح الأعداء في اختراق المجتمع المسلم والتلاعب بمكوناته وتدمير مكتسباته.

   الكتاب يعد من المؤلفات القليلة التي حاولت كشف المعركة الفكرية والسياسية في حقبة ما بعد الثورات ما سمي بالربيع العربي بعيدا عن المواقف الارتجالية والعاطفية التي صاحبت هذه المرحلة الدقيقة التي تحتاج إلى تكثيف الدراسات وتشخيصها، ولاسيما أن الأمة تعاني عدم وجود مراكز بحثية يمكن لها تقديم رؤى استراتيجية لأصحاب القرار السياسي فضلا عن أبناء الحركة الإسلامية الذين هم بأمس الحاجة إلى دراسة ارتدادات هذا الزلزال الفكري والسياسي الذي أحدثا شرخا كبيرا في داخل فصائل المجتمعات العربية فضلا عن الخلافات الفكرية التي بدأت تظهر في داخل المكونات الدعوية بسبب الاستعجال وردود الأفعال العاطفية البعيدة كل البعد عن الرؤى العلمية المنهجية التي كان ينبغي أن تؤصل للشباب المتحمس منهجهم بدلا من نشر الفوضى الفكرية وتأجيج العاطفة الفارغة، وفي الختام أعتقد أن العديد من أبناء الحركات الإسلامية ينبغي عليهم قراءة مثل هذه الأبحاث الرصينة ليستبينوا سبيلهم، علهم ينجون من الوقوع في العجلة والتسابق إلى المكاسب قبل أوانها؛ وعليه فلا بد من إدراك حجم قدرات الأمة حتى تتمكن من التعامل مع هذا الواقع بصورة ايجابية.


قراءة في كتاب عصر الإسلاميين الجدد

شبكة الألوكة : التيارات الإسلامية الآن تتنوع اتجاهاتها ودوافعها الحركية في بعث النهضة الإسلامية من سباتها، فمِن تباين واضح بين تيار إسلامي أصولي يلتزم بالثوابت العقدية والمُدافعة لأدبيات الاستعمار في بلادنا الإسلامية، ويؤمن بفِكرة الصدام الإستراتيجي كحلٍّ أوحد لحالة العلمَنة الغربية، إلى جانب تيار آخر "حداثي جديد" انطلق من فكرة تكييف المفاهيم الشرعية مع مُقتضيات الواقع المعاش، وانساق إلى محاولة تأويل الديمقراطية في صالح المشروع الإسلامي، هذان التياران على اختلافهما وتباينهما يُكيِّفان أدواتهما لصالح هدف واحد هو: محاولة استعادة الصحوة الإسلامية وإيجاد موطئ قدم لها في خريطة الصراع العالمي المتجدد.

   يرى "وليد الهويريني" أن "الإسلاميون الجدد" أو ما يُطلَق عليهم "التنويريون" أو "العقلانيون" هم سلاح "الغرب" القديم الجديد في معركة الأفكار التي تُديرها الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا في العالم الإسلامي؛ فقد أيقنَ الغرب بعد آخر حملة صليبية على بلادنا الإسلامية صعوبة ديمومة مصالِحِهم السياسية والاقتصادية بقوة السلاح، وأن معركته مع العالم الإسلامي لن تَحول دون اختراقه وتركيعه ثقافيًّا، فالقوة العقائدية للإسلام وأهله يشتدُّ أوارها مع وجود المحتل الأجنبي؛ لذا عمد إلى استمالة عملاء له من بني جلدتنا ليُحاربوا عنهم، ومن أجل مصالِحهم وعلوّهم السياسي "حربًا بالوكالة"؛ حيث صارت المعركة مع العالم الإسلامي (معركة أفكار) في المقام الأول؛ ليتفرغ الغرب بعدها لوضع ما يراه من رؤى "شبه إسلامية" مُتصالِحة مع السيادة الغربية والتبعية الدائمة لدائرة العبث والغثائية التي يَسبح في فلكها العالم الإسلامي منذ بداية القرن التاسع عشر.

يقول الكاتب:

" لقد أدرك سدنة الحضارة الغربية للمرة الأولى منذ رحيل الاستعمار أن الاستبداد والنخب العلمانية المتطرِّفة لم تعد جديرةً بتأمين مصالِحه السياسية والاقتصادية وبقاء هيمنته الثقافية والحضارية، وأن الطريق لاستدامة تلك الهيمنة يُمكن تحقيقه عبر نخب فكرية مُتصالِحة - فيما يظنون - مع الحالة الإسلامية أو نخب فكرية إسلامية أنتج شعورها بالانسداد السياسي تبنيًا للقيم الليبرالية عبر تأويلات محدثة، وهذا الأمر لم يتمكَّن البعض من رؤيته بسبب وهج الثورات العربية ونسائم الحرية التي دلفت على أمة عانت لقرن من ظلمة الاستبداد وقيود التبعية".

  جاءت دراسة الكاتب في ثلاثة فصول، قسم كل فصل إلى عدة مباحث داخلية تبحث حول ظاهرة "الإسلاميين الجدد" ومدى تأثيرها في تحويل دفة الصراع الغربي - الإسلامي إلى صراع داخلي تناحُري يهدف في النهاية إلى خدمة "السيد الأبيض"، والاستمرار في تثبيت دعائم الهيمنة الغربية.

الإسلاميون الجدد.. الخيار الأفضل:

    جاء الفصل الأول بعنوان "الإسلاميون الجدد.. قراءة في الظروف المهيئة لتَسيُّدهم المشهد الفكري والسياسي" ليؤكد من خلاله "الهويريني" أن الغرب يدرك جيدًا أن الثقافة الإسلامية تفسِّر - إلى حد كبير - فشل فكرة الديمقراطية والليبرالية وتعارضها مع الأصولية الإسلامية، فبالنسبة للغرب الدولة القومية هي قمة الولاء السياسي، بينما في العالم الإسلامي يرى المسلمون أن فكرة الدولة القومية قد تتعارض في بعض أيديولوجياتها مع فكرة الحاكمية لله، وأولوية تحقيق مصالح الأمة الإسلامية ككل، وهذا ما أكد عليه صمويل هنتجتون وفوكاياما وبرنارد لويس وغيرهم من منظِّري الغرب، بل إن لويس يصرِّح قائلاً: إن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضِع شك، وهو ما حدا بلويس وهنتجتون من منظري الغرب بالإشارة إلى مصطلح "صدام الحضارات" وضرورة ضرب الإسلام في أهمِّ أفكاره وعقر داره عن طريق تفتيت الدول الإسلامية إلى مجموعة من الدويلات المذهبية والعِرقية والطائفية، مع تصدير مشروع "الشرق الأوسط الكبير" (الجديد)؛ ليتمكن من خلاله من إعادة هيكلة المنطقة من خلال إدماج وتطبيع دولة الصهاينة في المنطقة لتكون خَنجرًا مؤرقًا في ظهر الأمة الإسلامية، وكان لا بد لهذا المشروع من منظّرين له ومدافعين عن أهم أدبياته، التي تتضمَّن تقبُّل النموذج الليبرالي في المنطقة عبر الديمقراطية الغربية مع تهيئة المنطقة للعولمة؛ بحيث تتحقَّق للغرب الهيمنة السياسية والفكرية والاقتصادية على العالم الإسلامي، وهو ما يشير إليه الكاتب بقوله: "من هنا تفتَّقت الذهنية الغربية عن خيار جديد وهو خيار (الإسلاميون الجدد) أو (الإسلام المعتدل)، والذي يقدم القيم الليبرالية في وعاء إسلامي، فهؤلاء هم الأقدر على حل إشكالية الاستبداد وتخفيف احتقان الشعوب، وتوجيه مشاعرها واهتماماتها لشؤونهم المعيشية والداخلية (القُطرية)، وفي الوقت نفسه سيَسمح الإسلاميون الجدد بنشر القيم الليبرالية عبر بوابة الديمقراطية الغربية"؛ (ص: 38، 39).

    وقد لمح الكاتب أن مشروع تقسيم المنطقة وإنشاء مشروع (الشرق الأوسط الجديد) قد عاد من جديد بعد ثورات الربيع العربي التي قامت في كثير من الدول العربية منذ عام 2011 وحتى وقتنا الحالي، ورغم أن الكاتب خجل من القول صراحةً بنظرية المؤامرة التي يروِّج لها كثير من القوميين والساسة في الوقت الحالي، فإنه يرى أن الغرب قد استغل الأحداث الحالية ليُعيد ترتيب أوراقه من جديد، وإعادة تبادل الأدوار بين القوميِّين والإسلاميين الجدد لتسيُّدهم المشهد السياسي الحالي كبديل مرحلي مُهم لا بد منه في ظل حالة الاحتقان الشعبي العارمة ضد الدعم الغربي للشمولية الديكتاتورية بالمنطقة.

يقول الكاتب:

" عندما نؤكد أن الإستراتيجية الغربية الجديدة أصبحت تُعوِّل على خيار الإسلاميين الجدد، فهذا لا يعني أنهم خيار غربي نهائي لا رجعة فيه، بل هم أداة وظيفية يُراد من خلالها نشر القيم الديمقراطية الليبرالية في أوساط الشعوب الإسلامية، مع تأمينهم بوصفِهم حلفاء جددًا للمصالح الغربية في ظل حكومات رخوة ضعيفة، وهذا ما يَعتبره الغرب تجفيفًا للمنبع العقائدي للتطرف والإرهاب، وإذا فشل الإسلاميون الجدد سياسيًّا فلا مانع من التخلُّص منهم، وإعادة دفة القيادة للنخبة الليبرالية إذا انتخبتْها الشعوب ديمقراطيًّا، بعد أن تكون ملَّت وسئمت من فشل الإسلاميين في تغيير أوضاعهم الاقتصادية والسياسية"؛ (ص: 41).

   وقد أشار الكاتب في غضون هذا الفصل إلى النموذج التركي الحليف للغرب، والذي ما زال يتمسَّك بكلمة العلمانية في كافة خطاباته رغم المسوح الإسلامي الذي يظهَر عليه على المستوى الشعبي، والذي لاقى تعاطفًا كبيرًا وحماسًا ساذجًا من جانب الجماهير المتعطِّشة لأي تجربة ناجحة لحكومة إسلامية!

   وأشار الكاتب أن صناعة "إسلام مُعتدل" بمواصفات فكرية محددة تم الترويج له من خلال إنشاء عدة مؤسَّسات بحثية ومراكز دراسات غربية تم زرعها في المنطقة العربية، وعلى رأس هذه المؤسسات: مؤسَّسة راند، والتي تعاونت مع شخصيات أمريكية سياسية وفكرية من العيار الثقيل كهنري كيسنجر ودونالد رامسفيلد وكوندليزا رايس وفرانسيس فوكاياما، وتعمد هذه المؤسسات البحثية إلى التعاون مع ثلاثة قطاعات لتنفيذ أفكارها وخطتها العامة:

1- العلمانيون.

2- المسلمون الليبراليون ذوو الخلفية الدينية التي تدعو إلى التعدُّدية والديمقراطية.

3- المعتدلون التقليديون (الصوفية).

   حيث تعمد إلى توفير مصادر تمويل لهذه القطاعات، والتي تُمكِّنهم من نشر أفكارهم وحصد أنصار لهم داخل المجتمعات الإسلامية، وتوفير الدعم السياسي من خلال الضغط على الحكومات السُّلطوية للسماح لهم بالدخول في التجربة السياسية وتنفيذ برامجهم بحُرية دون قيود، وهذا ما يفسِّر الجرأة الاستثنائية التي يَحظى بها إصلاحيُّون ليبراليون وديمقراطيون في انتقادهم السلطات وسط دعم غربي.

    وتؤكِّد تلك المؤسسات الغربية أن "الإسلاميين يُمثِّلون البديل المحتمل للنظم الشمولية في العالم الإسلامي خصوصًا في العالم العربي، كما أن هؤلاء الإسلاميين الأكثر قدرة على مواجهة الخطر الراديكالي الذي يُمارس العنف، وهم أقدر على ذلك من رجال الدين التقليديين"؛ (ص: 64، 65).

لعبة الديمقراطية:

   تناول الفصل الثاني بعنوان: "الإسلاميون الجدد.. بين مجهر الراصدين وطموح الثائرين" رصد لتنامي ظاهرة "الإسلام الليبرالي" وبروز تيار الوسطية الإسلامية خلال ربع القرن الأخير؛ حيث كان من أوائل المنادين بالمدرسة الإصلاحية الإسلامية الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، عندما استغلَّهم المستعمر الإنجليزي كجسر عبور لهدف ضرب الخلافة العثمانية، ويلتمس الكاتب حسْنَ الظن في نية رواد تلك المدرسة الإصلاحية؛ حيث يرى أن هؤلاء الأشياخ لم يتوقَّعوا أبدًا أن تَعاونهم مع المستعمر كان وسيلةً لهدف خبيث؛ بل يدخل في دائرة المباح لتحسين أوضاع البلاد العربية المتخلفة وقتذاك، ولم يكن محمد عبده علمانيًّا بأي حال من الأحوال، ولكن أفكاره كانت تمثِّل - بلا شك - حلقة وصل بين العلمانية والعالم الإسلامي، ومن ثم صارت جسرًا عبر عليه الاستعمار إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي.

   يروي محمد المويلحي في روايته "حديث عيسى بن هشام" على لسان أحد أبطال الرواية الذي يتساءل متعجبًا: "كيف ساغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة؟! فيجيبه آخر بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة!".

   وفي مطلع العالم الحديث استُدرج الإسلاميون إلى نفس الخطة الخبيثة بقبولهم الدخول والتوافُق مع أصول اللعبة الديمقراطية الغربية، وكان دخولهم في البداية دخولاً مصلحيًّا، لا يَصبغ الصبغة الشرعية على القوانين الوضعية المستمدَّة من القوانين الأجنبية، ولكنه يُشارك من باب تقليل المفاسد وتحقيق المصالح.

   ويلاحظ الكاتب في سخرية أن العلمانيين يُكثرون من اتهام الإسلاميين بأنهم سيَنقلبون على الديمقراطية مع أن التاريخ العربي المعاصر حافل بالانقلابات العلمانية على الديمقراطية.

   ويرى الكاتب أن المدرسة التوفيقية التنويرية رغم أخطائها وخللها في المواءمة بين المفاهيم الغربية الليبرالية والمفاهيم الشرعية فإنها تُعذَر لسابق جهودها المشكورة في الدفاع عن الهوية الإسلامية والرد على الملاحِدة والعلمانيين!

  واتخذ الكاتب جماعة الإخوان المسلمين كنموذج (تنويري معتدل) يُمكن من خلاله دراسة ارتباط الإسلام السياسي بالديمقراطية بشكل مُتزايد، ويؤكد الكاتب أنَّ تقدُّم كل من الإسلام السياسي والديمقراطية جنبًا إلى جنب - وإن لم يكن بنفس الوتيرة - والمشهد السياسي الجديد يُحدِث تحوُّلات في الإسلاميين أكثر مما يُحدِث الإسلاميون من تحولات في هذا المشهد؛ (ص: 122).

   وتعاني الحركات الإسلامية بقسمَيها - الأصولي والتنويري - من خطر التوظيف السياسي، ويرى الكاتب أن بعض الحركات الإسلامية تُستدرَج أحيانًا لخطر العمالة والتوظيف السياسي نتيجة قلة الخبرة السياسية، ولتضخُّم المقاصد الدنيوية على حساب التصور الإسلامي، إلى جانب بعض البراجماتية التي يتَّسم بها بعض الإسلاميين من باب التفسير الخاطئ لفقه المصالح والمفاسد، إلى جانب الخلل في منهجية الاستيعاب لباقي التيارات الأخرى لدى بعض الحركات الإسلامية، وفي بعض الأحيان تتقاطَع مصالِحها مع مصالح المشروع الغربي كما حدث في تجربة المُجاهدين العرب بأفغانستان عندما أزاحوا السوفييت ليصطدموا من بعدها بالولايات المتحدة الأمريكية صديق الأمس!

  ويرى الكاتب أن الحركات (التنويرية) الإسلامية يُمكن مُحاربة مردودها السلبي عن طريق فقه الواقع، وإبراز الخطاب الإسلامي الذي يعالج إشكاليات الواقع ويلبّي احتياجات الناس السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا يستلزم التمايز عن بعض الخطابات المحسوبة على الحالة الإسلامية التي غالبًا ما تُوظَّف لترسيخ الاستبداد والفساد؛ (ص: 134).

    ولا يرى الكاتب تعميم الحكم القائل بتخوين الإسلاميين الجدد أو الحركات (التنويرية) الإسلامية لا سيما الجيل القديم، فالقول الجازم بأنهم عملاء جدد للغرب قول ظالم كما يُنبِّه الكاتب، بل يرى أنهم قد وقعوا في مداراة وتفاهُمات خاطئة، سواء كان ذلك مع القوى الدولية أو الإقليمية أو التيارات العلمانية!

   وهنا يصطدم الكاتب بالنتائج، ففي السياسة - كما أشار د. عبدالله النفيسي - لا تهمُّ النوايا بل تهمُّنا النتائج أولاً وأخيرًا.

الإسلاميون الجدد.. في أتون المعركة:

   جاء الفصل الثالث تحت عنوان "أبعاد المعركة الفكرية في حقبة الثورات العربية" للتساؤل حول مستقبل الحركات الإسلامية ككل بعد الربيع العربي، فالحركات الإسلامية في مأزق كبير بالفعل بعد الثورات العربية؛ خاصةً بعد تصدُّرها للمشهد الفكري السياسي في تلك الدول، فواقع الحال الآن أن التيارات الإسلامية مضطرة أن تُطمئن الغرب الراعي الأكبر الذي يراقب عن بعد التزام تلك الحركات بالقوانين الدولية التي وضعتها، وأن تُعطي النخب وباقي الأطياف السياسية العلمانية والأقليات الطائفية ما يُرضيها ويُسكتها من كعكة السلطة، إلى جانب أنها مطالبة بتغيير الواقع للأفضل وإيجاد صورة مادية على أرض الواقع لإرضاء الجماهير التي رضيَتْ بهم عن اقتناع مشوب بالرغبة في التغيير والبناء، ويُخشى من حشر المزيد من المفاهيم العلمانية والتنازلات في المفاهيم الإسلامية الأصولية الباقية لتلك الحركات التنويرية التي ارتضَت بالديمقراطية والانتخابات كوسيلة لهدفها، وليسَت غاية تؤمن بها.

   فهل سيصمد (الإسلاميون الجدد) في هذه المعركة، ويَحتفظون بما تبقى من أصوليتهم والشعارات الدينية التي ما زالوا ينادون بها ولو بتأويل؟ أم سيقودهم هذا إلى مزيد من التنازلات وفقْد ماء الوجه؟!.













































 http://www.heberbooks.com/ArticleDetails.aspx?id=980









ليست هناك تعليقات:

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة