رواية امرأة عند حافة الأربعين
فرانسواز ساغان Françoise Sagan
ترجمة : معن عاقل
* رواية تجسد صراعة المرأة مع عمرها قبل أي شيء.
مقتطفات من الرواية :
كانت بول تتأمل وجهها في المرآة و تتفحص الإخفاقات المتراكمة عليه طوال تسعة و ثلاثين عاما إخفاقا إثر إخفاق دون أن يخالجها أي اثر للخوف أو النكد المألوفين في هذه الحال إنما بهدوء يكاد لا يلحظ كما لو أن البشرة الباردة التي تشدها بين إصبعيها أحيانا لتستوضح تغضنا و تبرز ظلا إنما هي لشخص آخر ، لبول أخرى منشغلة بشغف بجمالها و هي تعبر بصعوبة من طور الصبية اليانعة إلى طور المرأة الناضجة : امرأة تتعرف عليها بمشقة . لقد جلست أمام هذه المرآة لتقتل الوقت ، جعلتها هذه الفكرة تبتسم لتكتشف أن الوقت هو الذي يقتلها على نار هادئة و برفق و هو يهاجم هذا المحيا الذي تعلم بأنه كان محبوبا .
الساعة هي السابعة الآن و لا بد روجيه أن يأتي في التاسعة ، أمامها متسع كبير من الوقت . وقت لتستلقي على سريرها بعينين مغمضتين ، و لا تشغل بالها بشيء . وقت للاسترخاء و الراحة . و لكن لماذا كانت تفكر بانشداد و إجهاد ؟ و بماذا يجب عليها أن تفكر حتى يتعين عليها أن ترتاح في المساء ؟ و هذه اللامبالاة القلقة التي تقودها من حجرة إلى أخرى و من نافذة إلى أخرى ، سبق لها أن خبرتها جيدا . إنها لا مبالاة الطفولة لا مبالاة الأيام الماطرة .
دخلت الحمام ، انحنت لتلمس الماء في المغطس فذكرتها هذه الحركة فجأة بأخرى حدثت قبل خمسة عشر عاما . كانت بصحبة مارك يقضيان عطلتها سوية للسنة الثانية فساورها إحساس حينئذ بأن كل ذلك لا يمكن أن يدوم . كانا على متن مركب مارك الشراعي و الشراع يخفق في الريح كقلب متوجس و هي في الخامسة و العشرين من عمرها . فجأة أحست بالغبطة تغمرها و أنها راضية عن كل ما في حياتها و كل الناس مدركة بومضة خاطفة أن كل شيء على ما يرام . و كيما تخفي وجهها انحنت على حافة المركب محاولة غمس أصابعها في المياه الهاربة . مال المركب الصغير على جنبه فرمقها مارك بواحدة من نظراته الفاترة التي ينفذ بها إلى سريرتها و على الفور كانت السخرية قد حلت في أعماقها محل الغبطة .
مؤكد إنها شعرت بالسعادة فيما بعد ، مع أو بواسطة الآخرين لكنها لم تكن قط بتلك الطريقة الفريدة و الكلية . في النهاية باتت هذه الذكرى أشبه بذكرى وعد لم نف به .
لقد اوشك روجيه على المجيء . سوف تشرح له ستحاول أن تشرح له . سيقول : ( أجل ، بالتأكيد ) بنوع من الرضى الذي يعتريه كلما امتشف خدع الحياة ، و بحماس جدي للتعليق على سخافة الوجود و اصرارهم على إطالته . الا انه يستعيض عن كل هذا بحيويته التي لا تهدأ و شهواته الجامحة و في الواقع برضى عميق لكائن لا يتوقف الا في رقاده . و هكذا فهو يغرق في النوم من فوره و يده على قلبه حريص على حياته في نومه كما في يقظته . لا لن يكون بوسعها أن تشرح لروجيه انها متعبة و انها ضاقت ذرعا بهذه الحرية المنتصبة بينهما مثل قانون هذه الحرية التي يستفيد منها وحده و التي لا تمثل بالنسبة لها سوى الوحدة . لن يكون بوسعها أن تقول له انها تشعر احيانا كأنها واحدة من أولئك النسوة الشرسات و المتملكات اللواتي يمقتهن . فجأة تبدت لها شقتها المقفرة مخيفة و عديمة النفع .
* فرنسواز ساغان في «إمرأة عند حافة الأربعين»: تدرج تعبيري مع نقطة البداية
تتغير الهرمونات وتتقلب مزاجية المرأة في سن نضوج يجعلها ترى الماضي وفق قياسات زمنية محكوم عليها قدرياً، فالصبا مرحلة لا يتم فيها النضوج الفكري، وغالبا هي فترة سلبية أو ايجابية، ولكنها تحدد مسيرة عمر مقبل على كهولة لا مفر منها، لهذا تعيش المرأة صراعاً نفسياً وهي على مشارف الأربعين، فخوفها يزداد من التغييرات الفسيولوجية التي تبدأ بالظهور مع قوة تفكيرها واتزانه، ومع إدراكها قيمة الحياة وهي في قمة النضج التكويني الذي بدأ بالتراجع.
ترجم «معن عاقل» رواية «إمرأة عند حافة الأربعين» وعاش أحداث ما كتبته «فرنسواز ساغان» في معاني اخترقت عمق أحاسيس المرأة، في عمر جعلها تقترب من الإنهيار بعد قلق جعلها تخوض غمار الماضي، لتناقش مع نفسها أخطاء حب عاشته «وهي تعبر بصعوبة من طور الصبية اليانعة إلى طور المرأة الناضجة» لكن الفراغ يجعلنا نشعر كأننا لا نمتلك جاذبية الصبا بينما عكس ذلك هو الصحيح. إنما هي خطأ السلوكيات الإجتماعية المكتسبة التي تجعلنا نخسر المعادلة الحقيقة للحياة.
استطاعت «فرنسواز» ابراز خوف المرأة في تعبير متماسك، وتصوير يدل على فهم دقيق لواقع المرأة في هذا العمر الذي يمثل اليأس أو بالأصح بداية عقلانية المرأة، ومعرفة عميقة بنفسها وبالآخرين، لنبدأ الرواية مع بول وهي «تتأمل وجهها في المرآة، وتتفحص الإخفاقات المتراكمة عليه طوال تسعة وثلاثين عاما، إخفاقاً إثر إخفاق، دون أن يخالجها أي أثر للخوف أو النكد المألوفين في هذه الحال، إنما بهدوء يكاد لا يلحظ كما لو أن البشرة الباردة التي تشدها بين إصبعيها إحيانا، لتستوضح تغضناً وتبرز ظلا «وكأنها تتفقد جمالها وهي تصارع أفكارها فتتساءل» اية صورة عن الشباب يضعها الناس في الأربعين من عمرهم؟..»
تركت «فرنسواز» المساحة الذهنية عند القارىء مفتوحة كما وضعت الفكرة الرئيسية في لغة سردية متماسكة، ونقطة متحركة هي بول لنتحرك معها في مشاهد حسية مترابطة أخرجتها فنياً بجاذبية امرأة أربعينية ناضجة تحاور نفسها عن علاقتها مع شاب يصغرها، لتنفي المكان وتكرر الزمان في كل تفاصيله من فصول وأيام ، وسنين وساعات وحتى ثواني « وكأن الزمن حيوان رخو ينبغي ضغطه».
لم أستطع تتبع الشخصيات الرئيسية كما تتبعت بول لأنها جعلتني أشعر بالفهم العميق لأحاسيس امرأة تشعر بضآلة عمر بدأ ينكمش ويضيق عليها، كأنها في قلب معركة تحدد مصيرها، وفي كل لحظة تشعر بالسقوط صريعة في تحديد أهداف المستقبل، فالجوانب الفنية في الرواية تتنوع مع الوصف تاركة بصمة أنثوية ما زالت الحياة تنضح من أعماقها.
بول أغرقتنا بتفاصيل علاقة تسترجع ماضيها، وتعيش حاضرها، وتخاف من مستقبلها لتتلاشى احتياجاتها خارج الزمن الذي تجمعه في المكان عند الخيانة فقط، وكأن الخيانة لها زمانها ومكانها، والحب لا مكان له إنما زمن مفتوح نحو كل الأمكنة، وربما يكون المكان هو الذكريات «لكن ينبغي لهذه الخيانات ألا تنحصر في الزمان والمكان».
فعل وقول في لغة سردية ذات تعابير زمنية تطرقت فيها إلى الماضي وعدد السنين، والساعات والثواني، حتى شكل بول ولباسها، وكل تفاصيلها الدقيقة التي تجعل العمل الفني ذا أخراج سينمائي قادر على جعلنا رؤية المشاهد الحسية التي تربط كل شخصية مع الأخرى من خلال تناقضات أمسكت بول بها «دخلت الحمام، انحنت لتلمس الماء في المغطس، فذكرتها هذه الحركة فجأة بأخرى حدثت قبل خمسة عشر. كانت بصحبة مارك يقضيان عطلتهما سوية للسنة الثانية» فساورها إحساس حينئذ بأن كل ذلك لا يمكن أن يدوم. هي بدأت بملامح الذكريات لتنتقل بمراحل ذكرياتها كلها عبر الزمن قبل أن تبدأ بالتحضير للإنتقال إلى علاقة آمنة تجعلها تنتصر على اليأس من الإنتظارالمحزن كل ليلة، فتتعلق بشاب يصغرها أعواماً حين التقته، فسألها عن عمر تضعه في دائرة محصورة بألف علامة تعجب. «إنه نوع من الأسئلة التي دأب الفتية على طرحها عليها عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها». استطاعت فرنسواز تجسيد ما تشعر به المرأة فعلا في عمر يفصلها عن الأزمنة، ويجعل من تفكيرها يتجه نحو المنطق رغم أحاسيسها الناضجة التي تجعلها بقيمة جمالية عالية من أحاسيس زكية، وعقل، وفهم، وتحليل ، وحنان تحتاج أن ترتوي منه كلما احست بالوحدة والفراغ..
وصف حواري، ودلالات معنوية وايحائية قدمتها بتفاعل اثرى الوجدان عند القراء، فجعله يعالج معها شخصية بول التي تعاني من تذبذب يحزنها، ويجعلها في قصة حب ترفض أن تغادرها كما ترفض البقاء فيها، فعالم بول الداخلي هو عالم كل امرأة تعاني من صراع الذات في انعكاس روائي تحليلي يقنعنا بأن وضع المرأة لا يختلف عن وضع الرجل لكنه يتجاوز كل ذلك بالكبرياء بينما هي تخضع للمتغيرات الحسية والفيزيولوجية للزمن.
يقول ابن كثير في تفسير آية قرآنية «ابن الأربعين لا يتغير غالبا عما يكون عليه، يتناهى العقل، ويكمل الفهم والحلم، وتقوى الحجة وليس أدل على ذلك من أن الأنبياء بعثوا إلى أقوامهم بالرسالة بعد بلوغهم الأربعين».
استطاعت ساغان خلق تدرج تعبيري في روايتها مع نقطة بداية انطلقت منها، وعادت إلى بداية نهاية كأنها في دورة العمر وقفت عند سن الأربعين لترضى بالواقع من خلال فهم المستوى النفسي لاحتياجات المرأة حين «اعترتها للحظة رغبة في أن تهتم بأمره. لأنه بالضبط فتى من النوع الذي يستثير مشاعر الأمومة لدى امرأة في سنها».
يحمل العنوان ايحاءات بالمخاوف المنتظرة عند حافة أو طرف، وكأن العنوان ينقسم إلى قسمين أو مرحلة انتقالية من إلى… يتخللها نقطة هي حافة الأربعين التي تخيف الكثير من النساء أو بالأصح الكثير من الشابات اللواتي يتساءلن «اية صورة عن الشباب يصنعها الناس في الأربعين من عمرهم؟». فالعنوان رمزي لكنه تعبير اخترق معاني الرواية واستطاع ايصال مفهوم المحتوى قبل القراءة لكن تبقى قوة السرد التي استطاعت جذب القارىء ليكملها حتى آخر حرف بعد التخلي عن سيمون لأسباب نفسية جعلتها ترفض الحب لشاب يصغرها أعوامًا لتصرخ مستسلمة سيمون، إنني عجوز الآن، عجوز..عجوز…عجوز.. المصدر:اللواء
أو
أو
أو



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق