الجمعة، 29 مايو 2015

رواية فئران أمي حصة - سعود السنعوسي ‫ ...


رواية فئران أمي حصة 



سعود السنعوسي



   تدور أحداث رواية "فئران أمي حِصة" في إطار اجتماعي سياسي منذ أواخر السبعينيات حتى زمن افتراضي مقبل، حاول المؤلف أن يرصد التحولات في المجتمع الكويتي والخليج بصفة عامة خلال الثورات والحروب منذ ثورة إيران مرورًا بحرب الخليج الأولى "العراق وإيران"، ثم حرب الخليج الثانية "العراق والكويت" ثم إسقاط بغداد وصولا إلى ما بعد الثورات العربية... وذلك من خلال ثلاثة أولاد، تجمعهم الصداقة والجيرة بانتماءات مختلفة تتشكل علاقتهم بصورة مختلفة وفقا للمرحلة، تقدم الرواية أربعة أجيال المتمثل في "جيل الجدات البسيط المنتمين إلى عروبتهم"، ثم "جيل الأبناء وتشظيهم زمن الحرب العراقية الإيرانية" وفقا لمذاهبهم الدينية، ثم "جيل الأحفاد" حيث التحول العظيم ما بعد حرب تحرير الكويت عام 90 وصولا إلى "زمن جيل جديد أبناء الأحفاد" التي تكشف عنه الرواية في آخرها. الأهرام - بوابة الأهرام .

   يتناول السنعوسي في "فئران أمي حصة" آفة الفتنة الطائفية البغيضة التي لا تخلف إلا الدمار والتشرذم، مركزا على ما يدور في المجتمع من خلال رؤية أدبية مرصعة بأحداث مستمدة من الواقع الأليم عبر استرجاع زمني يحدد فيه الكاتب أوجه التباين وما آلت إليه الأمور حاليا.

  ما عادت الفئران تحومُ حول قفص الدجاجاتِ أسفل السِّدرة وحسب، تسلَّلت إلى البيوت.

   كنتُ أشمُّ رائحةً ترابية حامضة، لا أعرف مصدرها، إذا ما استلقيتُ على أرائك غرفة الجلوس. ورغم أني لم أشاهد فأرا داخل البيت قط، فإن أمي حِصَّه تؤكد، كلما أزاحت مساند الأرائك تكشف عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة تقارب حبَّات الرُّز حجما، تقول إنها الفئران.. ليس ضروريا أن تراها لكي تعرف أنها بيننا! أتذكَّر وعدها. أُذكِّرها: "متى تقولين لي قصة الفيران الأربعة؟". تفتعل انشغالا بتنظيف المكان. تجيب: "في الليل". يأتي الليل، مثل كلِّ ليل. تنزع طقم أسنانها. تتحدث في ظلام غرفتها. تُمهِّد للقصة: "زور ابن الزرزور، إللي عمره ما كذب ولا حلف زور..".

“فئران أمي حصة”.. أيامنا السوداء البديعة!

التقرير - الأربعاء 15 أبريل 2015 - إبراهيم عادل :


“الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون“.

سعود في حفل توقيع
سعود في حفل توقيع
     قد يبدو لقارئ رواية سعود السنعوسي الجديدة الصادرة مؤخرًا عن “الدار العربية للعلوم، ومنشورات ضفاف” أن الرواية تدور حول مسألة “الطائفية” المقيتة، وتحذّر من “الفتنة” بين “الشيعة” و”السنة” التي ربما نسمع آثارًا لها اليوم على الأرض (حيث تدور رحى حربٍ على خلفيات طائفية واضحة).


  إلا أن “سعود” وهو يتناول تلك القضية الشائكة بطبيعتها، والتي يحاول الجميع التبرؤ من “وجودها” وحدوثها حتى تأتي الأحداث الكبار التي تزلزل العالم كله لتصدق هذا أو تكذبه، يحرص على أن يستعرض في روايته تاريخ “الكويت” بتفاصيله الحميمة، متناولًا علاقات الناس من مختلف الجنسيات ببعضهم، منطلقًا من عين صغيره الذي تسميه جارته (كتكوت)، حتى يكبر هذا المراقب ليرصد حالة التشرذم والتشتت التي تعاني منها “الكويت”، ويعاني منها العالم العربي كله بالتبعية!

   “ينضج واحدنا كحبة التمر، ظاهرها لين ونواتها أقسى من أن تلين، نواصل إخفاء ما بداخلنا بعد عجزنا عن إصلاحه، بأغنياتٍ لفظت أنفاسها الأخيرة منذ سنوات، وكأننا اجتمعنا في هذه الشقة انتقامًا من ماضٍ كاذب بخداع حاضرٍ أحمق، نعيد بث أغنياتٍ منتهية الصلاحية، نسعى لخداع جيلٍ مقبل كي لا نشعر أننا وحدنا من انطلت عليه الخدعة!“.

  يبني “سعود” روايته على خطين سرديين متوازيين، يبدأ الأول الذي جعله بعنوان جانبي (يحدث الآن) محددًا له لحظته الزمنية التي تستغرق يومًا واحدًا، بوصف أحداث تبدو للقارئ غريبة وغير مفهومة لأول وهلة؛ فثمة حادثة وثمة أشخاص غائبون، نتعرَّف عليهم فيما بعد من خلال الخط السردي الثاني الذي عنونه برواية أسماها (إرث النار) وقسَّمها أربعة أجزاء/فئران ( شرر، لظى، جمر، رماد) والتي يحكي فيها الكاتب/ البطل ذكرياته منذ طفولته حتى اللحظة الراهنة (التي نكتشف أنها لحظة مستقبلية 2020)، تلك الذكريات التي ترتبط باكتشاف العلاقات بينه وبين الناس من حوله، والتي يبدأ فيها “الطفل” بالتعرف على عالم الكبار وما فيه من مشكلات وفروق قد لا تبدو للصغير الذي لا يحمل همًا ولا ضغائن تفرقه عن الآخرين!

  “ما بال سدودك اليوم واهية تقرضها الفئران، تكشف عن قومٍ يقتاتون على كل شيءٍ فيك، حتى إذا فرغوا منك صار واحدهم يقتات على الآخر. حالك اليوم تشبه ما قالته لي أمي حصَّة صغيرًا، يخرج من بطنك دودٌ يأكلك، هي قيامتك اليوم أزف أوانها، وها أنا اليوم أكتبك خوفًا منك عليك، لا أجيد بكتابتي إلا فرارًا منك إليك، ولأنني رغم كل الخيبات فيك، لا أنوي إلا أن أموت .. فيك“.

   منذ الطفولة المبكرة يكتشف البطل/الراوي من خلال مراقبته لعلاقة أصدقائه ببعضهم أن ثمّة “هم” يختلفون عن “نحن”، وثمة “شيعة” يختلفون عن “السنة”، رغم أنهم يجتمعون معًا ويلعبون سويًا؛ إلا أن ذلك التفريق كان غريبًا عليه وشاذًا، وكلما حاول استنطاق الكبار لم يكن يصل إلى إجابة شافية، عاش قريبًا من صديقه السني “فهد” وعائلته في “بيت أمه حصة” كواحدٍ منهم، وكان جارهم “صادق” “الشيعي” صديقهم من تلك العائلة الأخرى، يكتشف الصغير أن الأحداث السياسية الكبرى تغيّر وجهات نظرهم في الأمور، فيكون أول تغير يطرأ على العائلات أثناء حرب العراق مع إيران، حينما كانت “الكويت” حليفًا رئيسًا للدولة الشقيقة “السنية” “العراق” ضد “الخميني” الإيراني، ولكن الأيام تتغيَّر وينقلب الحال وتصل جنود العراق لاحتلال الدولة التي كانت شقيقة “الكويت” فتتزعزع كل المفاهيم والمبادئ وتتغيَّر النظرة إلى الصديق والأخ؛ بل والعدو أيضًا.

   ببراعة شديدة استطاع “سعود” أن يعرض وصفًا تفصيليًا لحال الأسر الكويتية أثناء الغزو العراقي على الكويت (1991)؛ وذلك من خلال جزء/ فأر كامل مركز (باسم لظى) لم يتم اقتطاعه كما فعل في بقية الرواية بأجزاء من (يحدث الآن)، ولكن أتت فصوله متتابعة، وكانت صيغة الحكي فيه بصيغة “المخاطب”؛ وكأن البطل يود أن يهرب من تلك الحالة التي أصبحت “الكويت” فيها أثناء الاحتلال، فيعرض يوميات الاحتلال وتطورات الموقف شيئًا فشيئًا، وتلك الحالة من القلق والخوف التي انتابت الناس:

    (وطنك الذي تعرفه باسم: الكويت استحال خلال أيام المحافظة التاسعة عشرة من محافظات العراق العظيم، صفتك مواطنًا كويتيًا ما عادت، كما يزعم التلفاز والمذياع، أنت منذ انقضاء الأسبوع الأول للاحتلال مواطن عراقي من سكان محافظة “النداء” السليبة، محافظة اقتطعها الاستعمار ظلمًا عادت بفضل الله وعزم جنود المجد والسؤدد إلى حضن الوطن الأكبر…).

   ويستمر رصد الحالة حتى يجيء ذكر قوات التحالف والمحاولات العربية الأمريكية لتحرير الكويت، وتغيَّر العالم بعد تلك الحرب المشؤومة، والموقف من الدول العربية (لاسيما فلسطين بعد موقفها المؤيد لصدام آنذاك) حتى إن شعار “تحيا الأمة العربية” أصبح مثارًا للشك والتساؤل بعد ذلك!

    لم يتوقف الأمر عند تحرير الكويت؛ إذ سرعان ما أصبحت “الحرب على العراق” مهددة للجيران في “الكويت”، وبعد حرب العراق جاءت أحداث حرب لبنان عام 2006 بقيادة حسن نصر الله “الشيعي”، لتنكأ جراح “الطائفية” مرة أخرى.

    لم تقتصر الرواية على حكاية الجوانب السياسية من الأحداث في الكويت؛ بل حرص “السنعوسي” على تضفير حكايته بقصص العائلات من لحم ودم، كانت أبرزهم الجدة “حصة” التي تأتي في الرواية شبيهة بالكثير من الجدات العربيات، وما يحملنه من عادات وتقاليد ينقلونها لأبنائهم من خلال تعليقاتهم على المواقف أو آرائهم فيما يحدث من حولهم؛ بل حتى في أمور بسيطة (مثل ضرورة قلب الحذاء إذا كان على وجهه) والإيمان بأثر الجن والأساطير، ثم الحكايات الأثيرة لدى الأحفاد والتي أخذ منها البطل فكرة تقسيم حكايته إلى الفئران الأربعة، واستمد منها قصصًا كان ينشرها دوريًا في المجلات.

لذلك؛ أتى رحيلها مؤثرًا وفارقًا:

   “أنتم لاتبكون موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم، تبكون ما أخذوه برحيلهم، يخلفونكم بلا جدارٍ تتكئون عليه، وأمك حصة جدار رغم تصدعاته كان متكأكم الآمن، ترك غيابها غصة في حلوقكم، لا أنتم قادرون على لفظها ولا ابتلاعها، رحلت، شعرت وكأن بيت آل بن يعقوب بلا سقف يحميه، أخذت معها أجمل ما في بيتها صوتها الأخضر، رائحتها.. هدير مكنة خياطتها، بكى من حولك كثيرًا، كلما تمالكت نفسك انفجر من أمامك باكيًا يستدر دموعك“.

a   اعتمدت الرواية على مقولة وردت في مسلسل (على الدنيا السلام) الذي شكَّل وجدان الكثير من شباب الكويت والذي أذيع عام 1987، ومثلت فيه إحدى البطلات شخصية (فؤادة) التي تحذر الناس من الفئران التي تجلب الطاعون بتلك المقولة التي تصدرت الرواية: (أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!)، والتي كان صوتها أحد أربعة أصوات مرعبة في طفولة البطل/الراوي.

   فيما بعد عندما يكبر الأصدقاء الأربعة، يجمعهم الراوي على فكرة إنشاء جماعة وطنية حقيقية تجمع كل أطياف الشعب، يدقون بها ناقوس الخطر ويحذرون الناس من خطورة الفتنة التي تلحق بالمجتمع ويسعون إلى جمعهم على كلمة سواء، وذلك من خلال برنامج إذاعي وصفحة على الإنترنت وحاولوا أن يقتربوا من الناس باستثارة حنينهم إلى الماضي الذي يعتبرونه أفضل بكثير مما وصلوا إليه! واتفقوا على أن يكون اسم هذه الجمعية (أولاد فؤادة) وبدؤوا نشاطهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتطور بهم الأمر لتكون لهم قناة إذاعية خاصة بهم، ويبدأ حلمهم بالتشكل في إمكانية التغلب على انتشار هذه الفتنة وذلك الطاعون، ولكن أحداث البلاد لا تمهلهم!

   “كان الجو ملوثًا، نتنشق الهواء الفاسد دونما انتباه، صار لهواتفنا المحمولة دور جديد ابتدعناه بأنفسنا، يكفي واحدنا فتح البلوتوث في هاتفه ليعي إلى أي حدٍ نعيش في مكانٍ موبوء، صورٌ ولقطات فيديو يتبادلها الناس لرجال دين وخطب دينية وفتاوى ومعجزات مفتعلة، اضحك مع المعممين مناظرة بين الشيخ والسيد، شاهد جهل النواصب، مؤامرات الروافض. كنّا نتنشق كراهيتنا كما الهواء، لا مفرّ منها، صار كل شيءٍ بين الـ هُـم والـ نحن صراحة… وأنا في كل مرة أغلق التليفزيون، أطبق شاشة الكمبيوتر المحمول، أو الهاتف لاعنًا عبّاسًا وصالحًا وكأنهما يقفان وراء ذلك كله، لا أدري أن في كل بيتٍ صورة من أحدهما، أتخيَّل الغد، ولا غد يجمعنا في أرضٍ مضطربة، مثل حوش أمي “حصة” يجمعنا تارة يفرقنا أخرى!“.

   هكذا، يرصد “السنعوسي” ذلك المأزق الكبير، الذي يبدو “عربيًا” بامتياز ويوغل في المحلية بذكر حكايات وتفاصيل حياة الكويتيين، عارضًا أجزاءً هامة من تاريخهم الذي تأثرت به المنطقة العربية بالكامل، وهو بين هذا وذاك يسرد حكاية “أولاد فؤادة” الذين سعوا لأن يصلحوا في مجتمعهم بكل ما استطاعوا، وتأتي نهاية الرواية الدرامية بامتياز بمشهد وفاة أحد أبناء فؤادة متأثرًا بجراحه من زميله، وكأنها إشارة أن تلك النيران الطائفية لابد وأن تحرق أصحابها مهما حاولوا الابتعاد عنها؛ بل ومحاربتها، ثم مشهد الراوي وصديقه “أيوب” وهما يركضان هاربين من مجموعة يحاربون بعضهم لاختلافهم عنهم في التوجه، لتبدو الرواية في النهاية صرخة في وجه العالم كله أنه لا فائدة ولا خلاص للإنسانية إلا بالاتحاد وأن كل تلك الاختلافات و الحروب لا تورث إلا الرماد!


فئران سعود السنعوسي بلا عمود فقري…

تسبح في زمن سائل!

القدس العربي - 11 - 3 - 2015- محمد العباس - كاتب سعودي :

   إذا زاد منسوب الفكرة عن الحد في العمل الإبداعي، كما يقرر هيغل، استحال الفعل إلى خطاب. وهذا هو ما حدث في رواية «فئران أمي حصّة»، الصادرة حديثاً عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات ضفاف، إذ يبدو أن سعود السنعوسي أسس روايته على الفكرة. وانجرف بقوة ناحية الموضوع، ولم يفكر في حبكة المادة الخام التي يختزنها في وعيه ووجدانه، حيث استجلب أزمة حياتية صاخبة من خارج النص، وفرضها على مجمل عناصر السرد، بعد أن حولها إلى كتلة من الأحداث الضاغطة، أو ما يُعرف نقدياً بالقيمة المهيمنة. 

  ويبدو أنه أراد، من خلال قوة الطرق على الموضوع، أن يدق جرس الإنذار للمجتمع الكويتي، الذي يعاني من احترابات طائفية وعنصرية، على إيقاع أحداث سياسية عاصفة تلقي ظلالها على وجدان ومعتقدات الفرد الكويتي وتفسّخ نسيجه الاجتماعي، أو هكذا تبدو الرواية تصريحاً وتضميناً، بمعنى أنها تستجيب للنقد الموضوعاتي أو ما يُصطلح عليه في الحقل الثقافي بالنقد الثيمي، حيث يتكرر الظهور المتعدد لذات الموضوع عالي الحساسية، وكأنه يمارس الحفر في النقطة ذاتها بدون التقدم خطوة إلى الأمام.

  متوالية من الأحداث المزلزلة التي مرت بها الكويت خلال العقود الماضية يستدعيها السنعوسي ليرصد أثرها على الذات الكويتية المسالمة المحبّة للحياة، حيث يتطرق للحرب العراقية الإيرانية واحتلال العراق للكويت وتفجير الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وغيرها من الأحداث التي أدت إلى مضاعفات وتأثيرات حادة في عمق البُنى الفكرية والوجدانية للإنسان الكويتي، من خلال مجموعة من الأطفال (فهد وضاوي وصادق) الذين ينتمون إلى مذاهب مختلفة ومتعايشة، وإلى بيئات قبلية وحضرية قادرة على التجانس والسلم الاجتماعي، حيث يكبرون في ظل نوبات من الكره الاجتماعي بسبب تلك الأحداث الكبرى التي تستفز المكوّن العقائدي لكل فئة، وتدفعهم للتمترس في خطوط دفاعهم العقائدية في التماثلات المادية الشكلية الهشة لـ(العمامة واللحية والبشت)، إذ لا يبرئ أحدا من هدم معبد العائلة الكويتية الواحدة.

   تلك هي البنية الكبرى للنص. فالفئران التي يلوّح بها، ويحذر من أنها آتية، كما يكرر، تأخذ أحياناً شكل الملاحدة وأحياناً شكل المتمذهبين. وهكذا حسب السياق واللحظة والذات التي تترقبها، وهذه هي أرضية الأفكار والوقائع والأحاسيس المتسلطة على سعود السنعوسي، التي يفرشها ليقيم عليها دعائم سرده، إلا أنه لا يحرك أبطاله بأي اتجاه، فهم على درجة من السلبية والخنوع وكأنهم من الوجهة الفنية مادة ذائبة في مجرى الأحداث واللغة، أو المعادل الموضوعي لحجم الكويت السياسي قبالة ثلاث دوائر كبرى هي، العراق والسعودية وإيران ومن فوقها أمريكا بكل جبروتها، بمعنى أنه ينقل بأمانة بانورامية كل ما مرت به الكويت من موقع المتفرج، حيث يختصر ما بعد تحرير الكويت وطبيعة الولاء والحسّ الكويتي العام بعبارات دالّة «ما عاد للـ»ريِّس» حضور في بيت آل يعقوب، والمحبة العراقية صارت سعودية، صار صوت أبي سامح الفلسطيني صوتاً آخر لشاب سوري».

    كل حدث يتم ادخاله في السرد يكون بمثابة الدليل على تعمُّق الهوة ما بين الأسرة الكويتية الواحدة واتساعها، كقضية إعدام الكويتيين بعد حادثة الحرم، وإشكالية تأبين عماد مغنية، وبروز تنظيمات موالية لـ»القاعدة» في الكويت ومحاولة قتل جنود المارينز وغيرها من العلامات التي يراقبها الطفل الذي ينمو السرد على إيقاع نموه، ويسجلها بعينيه، سواء ككتابات شاحبة على الجدران، أو كأفلام مصورة في الأخبار، أو كمشاهدة واقعية، فيما يبدو محاولة لنقل السرد من مستواه التأمّلي المباشر إلى تعقيدات السوسيو- ثقافي، والسوسيو- تاريخي. وهنا مفارقة كبرى. فهو كروائي يبدو على درجة من الامتلاء الإرشيفي والوعي الإخباري الاختزالي للحدث الكويتي، فيما تعاني شخصياته من الخواء المعرفي والعجز الأدائي.

   والغريب أن سعود كروائي يقف على مسافة بعيدة جداً من كل ما يحدث، حيث يتخفف سرده من العاطفة، وتنسلخ مفرداته وعباراته من الدفقة الشعورية، لدرجة أن النص كله يفتقر إلى دفء وحميمية السرد، عدا مفاصل قليلة جداً مقارنة بحجم الرواية. ربما لأنه بالغ كثيراً في الاتكاء على الموضوع، ولم يجد لسرده من غطاء وجداني إلا صوت الفنان عبدالكريم عبدالقادر، الذي يحايث كل ذلك التاريخ الممتد من ثمانينيات القرن الماضي إلى اللحظة الراهنة، فكل مناسبة رياضية أو قومية أو سياسية تكون له أغنية تلخص الحدث وتمدد مساحة المجد، حيث تتحرك الرواية بكل وقائعها تحت هذه المظلة الوارفة. فهو (يغنينا كلنا) بتعبير سعود. وبالتالي جاء صوته كقيمة توحيدية لإرادة ومزاج الإنسان الكويتي. كما جاء طيف المعلق الرياضي خالد الحربان واللاعب مؤيد الحدّاد في هذا السياق، وكذلك الجدل حول اسم الفنان عبدالحسين عبدالرضا.
لا انفعالات ولا مفاجآت في «فئران أمي حصّة»، وكأنها قد خرجت من مختبر الموضوعية البارد، فالسرد أفقي واقعي متجرد من الخبرة الحواسية، وتحت سجادة العرض البانورامي تلك يمكن التقاط نبرة وعظية تضاعف سكونية السرد. كما يمكن استشفاف ذلك من عدة دلائل أهمها انعدام وجود شخصيات على درجة من الاستواء أو الانبناء، مقابل حضور أصوات لا تلبس لحم وأحاسيس الشخصية الروائية. 

   الزمن أيضاً على درجة من الهلامية، وإن كان سعود السنعوسي قد لجأ هنا إلى تقنية سردية لا تجعل من أي لحظة زمنية مرتكزاً لما قبلها أو بعدها، حيث صار يسرد الوقائع المنقضية والأحداث الآفلة بصيغة المضارع «يحدث الآن»، وكأنه يعتمد على فن الحدوث، بمعنى أنه لم يفصل الزمن الكويتي إلى حاضر وماض ومستقبل، بل تعامل مع الزمن ككتلة واحدة متصلة بالمفهوم البرجسوني، وهذا التسييل للزمن، هو الذي أوحى بأن الخراب الذي يحاول التحذير من ويلاته، لم يترسّب في الماضي، بل هو قيد الحدوث، وما زالت مضاعفاته حاضرة.

   هنا يكمن السر ربما، في عدم لجوئه إلى السرد الميلودرامي، الذي تقتضيه مثل هذه الأحداث، وعدم تفخيخ روايته بعبارات شاعرية مدّوخة تعادل الشعاراتية، لأنه جعل من الرواية بمجملها كتلة من الخراب الآيل للسقوط على الجميع. كما يتمثل ذلك في صوت الأم حصّة، الباقي رنينه في الدار بعد رحيلها، كإحالة ضمنية للأصالة والرحابة والتسامح. وانطفاء الرومانسية من خلال عَمى فوزية وهي تقرأ إحسان عبدالقدوس، واختفاء البلاي ستيشن التي كانت لعبتهم في الديوانية لتحل محلها سجالات وأخبار ضاوي الذي صار له ملف أمني في وزارة الداخلية، واقتتال الكويتيين على إيقاع التناحر الطائفي في العراق المجاور. كما يؤرخ لكل ذلك التيه والدمار في الفضاء الاجتماعي الكويتي بتفجيرات المقاهي الشعبية عام 1985، أي قبل شهر واحد من حصوله على دراجته الهوائية، حيث صارت والدته تمنعه من الخروج بها إلى الشارع لأن الهلع والخوف استبد بها.
بالصوت الجريح، صوت عبدالكريم عبدالقادر يحاول سعود السنعوسي تشخيص الذات الكويتية المرعوبة، المنفصمة، المرتبكة، التي تغير ولاءاتها وتحالفاتها وتجدد مخاوفها بتجدّد الأحداث. يكاشفها بهواجسها، بأمراضها، بهامشيتها واستلحاقها الآلي بمواطن القوة ومنازع الشرور الطائفية والقبلية. فالمعاني العميقة لا تقال في سطح النص، وذلك هو المركز الحيوي الذي يُفترض أن تنهض عليه ثيمة الرواية، حيث تتحشد محاوره في كتلة دالة، ومنه يمكن استخلاص منظوراتها، فالروائح المتعفنة الحامضة للفئران اللامرئية هي النسيج التحتي للنص، وسعود هنا في جدليته التي يقيمها كمؤلف، لا يلمّح بقدر ما يؤسس لبؤر متوترة وحساسة، حيث يحاول أن يحرك البنية الدلالية الغائرة في النص ليؤرجح بنيته الشكلية، ولكن كل ذلك يبدو مطموراً تحت وطأة الموضوع وتتالي الحوادث.

   من هذا المنظور يمكن مقاربة «فئران أمي حصّة» كأحداث تحاول أن تُروى، حيث يستجمع كل ما يثار في الحيز الاجتماعي ويفصّحه، بمعنى أن يحوّله إلى لسان أو منظومة من التداعيات القابلة للانتظام في سياق روائي، إلا أن الحسّ الإخباري الطاغي يعزز خمول البنية الداخلية للنص، ويمنع حضور الأبطال، ويعطل المفهوم البنائي التركيبي للنص. فالرواية تفتقر إلى عمودها الفقري المتمثل في الحبكة، وبالتالي يتضاءل وجود التوتر الدرامي في كل مفاصلها، بل ينعدم حضوره، وهو أمر طبيعي ومتوقع بناء على تأسيس فرشة الرواية، لأن الموضوعاتي يقع خارج النص وليس داخله، وهذا هو ما يوحي أحياناً بارتجال الوقائع، وعدم تمريرها في مختبر التجربة ومعمل الخبرة الذاتية لسعود، لكأنه يراهن وبقوة على حساسية المضامين التي يدفع بها في سياق النص.

   كمن يرسم لوحة محتشدة بالعناصر والوحدات بنى سعود نصه، إلا أن نظام العلاقات في لوحته/روايته يعاني من اختلال في إعادة تركيب الموضوع وفي مفاعلة الزمان مع الفضاء المعاش، حيث تبدو الخلفية مشغولة بعناية أكبر من الوحدة الرئيسة في العمل. والسبب كما يبدو ناتج عن دخول سعود إلى روايته بكامل وعيه، والوعي من الوجهة الموضوعاتية، يتحول بشكل آلي إلى موضوع، وهذا هو ما يفسر التوسع الشبكي لنصه في الاتجاه التحذيري من الفتنة ذاته، والتمدُّد الخيطي بهذا المنحى، المستند في جوهره إلى سطوة المنطق، وهو أمر يبدو على درجة من الوضوح عند رصد ملفوظات النص واستنطاق مدلولاته، فهو صادر عن ذات تحاول تثبيت مبدأ، وعليه تراكم مفاهيمها وتلهث وراء الحدث.

    ربما جاء صوت عبدالكريم عبدالقادر كمقترح روحي لتذكير الذات الكويتية بمنابع الخير والحب والجمال فيها، وهو كذلك تحت كل الاعتبارات الحياتية، إلا أنه بموجب المقاربة النقدية يمثل في سياق النص بنية إشعاعية لا حد لتأثيراتها، حيث يستدعي صوته في «وطن النهار» ليستحضر الوطن من خلاله، وبالتالي فهو بصدد تشييد بنية شبكية تلامس اللحظة الكويتية بكل تفاصيلها وتعقيداتها، كما يمارس الحنين بارتدادات ذات مغزى «كانت معي، طول العمر، عين وهدب .. كانت معي، من الصغر، حبّ انكتب». ليواصل رسم الخط البياني لتلك الذات المتعبة بصوت المطرب المحبوب الشائخ (نبي نعيش). 

  هكذا يترنح على صوته ويتأمل تحولاته التصورية، من المنطلق البارتي، التي يظهر فيها شاباً كويتياً متأنقاً، وفي لحظة من لحظات العتمة يظهر على غلاف كاسيت بلحية مرسلة. وكأنه يرصد التبدّل القسري لذات مستلبة. وفي ما يبدو محاولة لتفجير النص من خلال حساسية الموضوع أيضاً، يعود إلى ذات المكمن، أي بحة الصوت الجريح الذي يغني أغنية المجد «غصباً على الآلام، ترجع وطن من جديد» ليسأل نفسه بحرقة «إزاء وطن رجع، أو أرجعوه، بعد احتلال، ترفض الفكرة بأنهم ما أرجعوه ولكن شبّه لهم». 

    بالمفهوم البروستي، تبدأ العبقرية الروائية مع انهيار الأكاذيب التي ترتكز على الأنا، وهذا هو الخيط الذي التقطه سعود وأراد نسج روايته بأول طرفه، إلا أنه وهو يجادل في «فئران أمي حصّة» فكرة الزمن المستعاد، بكل عفته وطمأنينته، لم يستنفد المادة الخام للأربعة عقود الماضية من خلال ثورة روحية أخلاقية، كما يتطلب فعل الاستعادة، بقدر ما قدم عرضاً بانورامياً ممتداً في زمن سائل، أشبه ما يكون بنشرة أخبارية طويلة.

رواية «فئران أمي حصة» 

كل الطرق تؤدي إلى صراع الهُويّات 

القدس العربي - 4 - 5 - 2015 - علي كاظم داود - كاتب عراقي :

   يبدو جليّاً للمتابع أن الرواية العربية اليوم تعيش هواجس العنف الفئوي وصراع الهُويّات والواقع المضطرب والمستقبل المجهول، وتعمل على تمثيل هذه الهواجس التي هي بالأساس انعكاس لما يدور على أرض الواقع، بطرائق تمثيل مختلفة. والملاحظ أيضاً، في هذا الصدد، أن الرواية، بذلك، لا تعاين بلداً بعينه، بل تنظر إلى منطقة بأسرها وهي تشتعل، ولا يراد لها الانطفاء في المدى القريب.

    تأتي رواية «فئران أمي حصة» للروائي الكويتي سعود السنعوسي ضمن موجة الرواية العربية الجديدة، لتحذر من حرب طائفية مقبلة، تدمر الكويت، وتحيلها إلى أرض خراب. حرب تشعلها الاختلافات والخلافات الفئوية بين مكونات الشعب الكويتي.

مستقبل مظلم:

   تتوقع الرواية مستقبلاً ظلامياً مشبعاً برائحة الكراهية، فكل شيء في هذه الرواية يتحدث بلغة فئوية، وأغلب شخصياتها، حتى بعض الأطفال، نجدهم منقسمين إلى فئات وهويات فرعية، ولا يمكن لهوية وطنية عليا أن تذيب الفوارق الراسخة في طرائق تفكيرهم. وحده بطل الرواية وساردها من يتعإلى على الفئويات، ويسير في منطقة وسطى محايدة، حتى أنه لا يفصح عن اسمه الحقيقي، مقابل أسماء الشخصيات التي تشير بشكل مباشر إلى انتماءاتها وهوياتها الفرعية.

   الرواية مُعبّأة بكم كبير من المتخيل المُفكَّر فيه، من دون أن تفسح المجال إلا للقليل من اللامفكر فيه، أو العادي واليومي والمنثور على صفحة الحياة، لأن يرى النور، ويجد له تمثيلاً في متنها الحكائي. لكن مع ذلك نلاحظ حضوراً للموروث الاجتماعي والمحكيات الشفاهية ومخزونات الذاكرة الجمعية، وهي تؤثث بعض فضاءات التذكر في الرواية، إذ يستغل سارد الرواية، الذي يناديه الآخرون باسم «كتكوت»، أغلب الفرص التي تسنح، للتداعي؛ لاستدعاء أي موقف قد يخدم قضيته، أو هدفه الروائي.

السرد بين زمنين:

  تنقسم أحداث الرواية التي تجري «في بلاد تمسخ كل شيء باستبدال اسمه فور اكتسابه ذاكرة وهوية»، إلى مستويين أساسيين يسيران بالتوازي، يباعد بينهما الزمن:

الأول: مجريات تروى من وجهة نظر آنية، «يحدث الآن» محايثة لفعل السرد زمانياً، خلال يوم واحد فقط من عام 2020، أي أن هذا المستوى قائم على التنبؤ بأحداث ستجري في المستقبل.

الثاني: استرجاع الذكريات الطفولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهذا المستوى يأتي على شكل رواية داخل الرواية، يقول السارد، مؤلفها، أنه قال كل شيء فيها بصراحة. وتنقسم إلى أربعة أقسام، كل قسم باسم فأر «شَرَرْ، لظى، جمر، رماد» في إشارة إلى مراحل تطور الفتنة والكراهية ومن ثم الاحتراب والخراب.

  يتناوب هذان المستويان لربط النتائج المستقبلية بأسبابها التي وقعت في الماضي. يحضر الماضي بوصفه زمن الطيبة والنقاء والتعايش، والسؤال الطائفي الممنوع، لكنه يتضمن بعض بوادر الاختلاف التي تفاقمت بشكل تدريجي، فالخلافات الطائفية الصغيرة، هي التي صنعت الحرب الطائفية الكبرى التي التهمت الكويت في المستقبل. المستقبل الذي يكيل السارد له الشتائم، فهو مستقبل «مسخ غير واضح المعالم». زمن ميؤوس منه، يسوده العداء والتباغض والاحتراب، وفيه «نتنشق كراهيتنا كما الهواء».

   التوازي في مسار مستويي الحكي في الرواية كان فاعلاً إيجابياً في التقليل من تركيز جرعة الظلامية والسوداوية والتشاؤم التي تشبع بها مستوى السرد المستقبلي، بخلاف مستوى استعادة الذكريات والأحداث الغابرة الذي كان الأغلب فيه، وإن لم يكن جميعه، ميالاً نحو حب الحياة والجمال والتفاؤل بالنظر إلى الزمن الماضي «زمان أول أو زمان الطيبين».

واقع عربي لمستقبل الكويت:

  تُذكّر الرواية بمشاهد الحرب الأهلية اللبنانية، بوصفها صوراً متخيّلة لمستقبل الكويت، إذا ما استمر في الانحدار نحو مستنقع الخلافات الفئوية. كما تستعير، لتمثيل مستقبلها العنيف، كثيراً من الواقائع اليومية المعيشة في العراق، على امتداد سنوات احتقانه الطائفي، بسبب تشابه أجوائه وبيئته الاجتماعية من الواقع الذي تسعى الرواية لاستشرافه في الكويت. «ما ألفتُ مشاهدته على شاشات التلفزيون من مشاهد وأصوات تدور في دول المنطقة، بتُّ أشاهده حياً حولي». كما يحضر العراق بتأثيراته السياسية وامتداداته الاجتماعية في مواضع عديدة من الرواية، خصوصاً في انعكاس الحرب العراقية الإيرانية على الواقع الكويتي، وبعد ذلك احتلال العراق للكويت، حتى أن بعض أحداثها تجري في العراق، في بعض أماكن البصرة تحديداً.
الرواية تتنبأ أيضاً بحرب بين السعودية واليمن، وقد تحققت بالفعل قبل أيام، وبين السعودية والعراق، في صعيدين منفصلين، في إشارة إلى اندلاع الاحتراب الطائفي على نحو أوسع، ليس في داخل البلد الواحد، بل بين البلدان المختلفة مذهبياً.

تعدد الأصوات:

   مع الفأر الثاني «لظى» ينتقل السرد من ضمير المتكلم بصوت الراوي المشارك، إلى ضمير المُخاطَب بصوت راوٍ عليم، من دون ضرورة فنية أو مبرر واضح لذلك، إذ لو استمر السرد بضمير المتكلم لما اختلف أي شيء في البناء الحكائي لهذا القسم من الرواية، حيث بقيت شخصية الراوي الأول هي نقطة التبئير والمحور الذي تدور حوله الأحداث، بل ربما كان هذا الانتقال مدعاة ضعف في بناء الرواية، إذ ظهر الراوي العليم كما لو أنه يُحدّث البطل بأحداث عاشها، ويعرف تفاصيلها جيداً، ولم يُضف له شيئاً جديداً لا يعرفه، وقد ابتدأت أحداث هذا القسم من حيث انتهى القسم الأول، الذي تكفل البطل بسرد مجرياته بشكل جيد، وقد تم إسكاته عنوة. أرى أن هذا الانتقال كان محاولة، غير موفقة، لخلق تعدد للأصوات داخل الرواية، أو لإبعاد شبح الرتابة عن صوت السارد، وهي خشية غير مبررة، لأن تناوب السرد بين زمنين كان كفيلاً بإبعاد هذا الشبح تماماً.
في هذا القسم تستعيد الرواية أحداث احتلال العراق للكويت، وتحوّله بين ليلة وضحاها إلى المحافظة العراقية التاسعة عشرة. في تلك الأيام الصعبة، فقط، اتفقت كلمة المواطنين، بعدما ذاقوا مرارتها معاً؛ لأن الخطر كان محدقاً بهم جميعاً، ولم يميز بين فئة وأخرى.

التحذير دائماً:

  قارئ هذه الرواية سيكون عرضة لمشاعر عديدة تتفاوت بين التشويق والترقب والحزن والدهشة، وحتى الملل أحياناً، بسبب تفاوت مستويات بناء هذه الرواية واختلاف فضاءاتها وكثرة أحداثها وتركيزها الشديد على بعض الموضوعات وأحيانا مبالغتها في مواضع أخرى. كما هو الحال مع المبالغة في السوداوية والتطيّر واليأس من المستقبل، والتأكيد على ذلك بأساليب كثيرة جداً. لكن ذلك بدا مقصوداً أيضاً؛ من أجل أن تبقى هذه الرواية، وثيقةً سردية محذّرة، على مدى مستقبلي غير محدود، من مغبة الوقوع في براثن العنف الطائفي والفئوي. إنها رواية وطن مهدد، يسير به بعض أبنائه، بخطىً حثيثة، نحو مستقبل مظلم، أو نحو «وقتٍ لا مجدَ فيهِ إلا للظلام».
تتخذ الرواية من مقولة «الفئران آتية» التي ترد على لسان «فؤادة» وهي شخصية مستدعاة من إحدى المسلسلات الكويتية، موتيفاً يتكرر، محذراً من الخطر المقبل. كما توظف قصائد بعض الشعراء، ذات النبرة السياسية، وتمنحها مكانة مركزية في البنية الحكائية، لما تمتلكه من دلالات رمزية.
تتحول البلد إلى ركام مليء بالجثث، لا أحد يمكنه انتشالها، لكنه يوكل هذا الدور إلى كائن خرافي يطلق عليه اسم «تبّاعة الجيف» وهي على شكل طير أسود، ينقض على أي جثة مهملة، لم تجد طريقها إلى «نهر البين» الذي تلقى فيه جثث المغدورين.
الرواية، إذن، تكشف جميع أوراق أزمة الهوية في الكويت، أو في كثير من البلدان العربية، وتناقش كل شيء بصراحة ووضوح، ولا تدسُّ رأسها في الرمال في مواجهة هذا الخطر الداهم.
«فئران أمي حصّة» رواية لسعود السنعوسي، صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات ضفاف في بيروت، عام 2015.

«فئران أمّي حصة».. الإبداع متهم حتى تثبت براءته

البديل - الاثنين - 9 - 3 - 2015 | ياسمين الغمري :


  «فئران أمّي حصة رواية مكتوبة بقسوة، لكنها قسوة المحب، قسوة كلها حنو، رواية تحذيرية بامتياز، وسؤال “وين رايحين” لم يعد سؤالاً ترفيًا، الرواية تضعك في مواجهةٍ صريحة ومباشرة مع نفسك، ولأنّها حقيقية جدًا، تشبهنا جدًا، فهي رواية لا تحتمل».

  هذه الكلمات النقدية البناءة التي وصفت بها الكاتبة الكويتية بثينة العيسي، «فئران أمي حصة» ثالث أعمال الروائي الكويتي سعود السنعوسي ، لم تشفع للرواية عند الرقيب الذي أمر بمنع تداولها داخل دولة الكويت في أول أيام صدورها.

  الرواية تضم وفقًا لرؤية «العيسي» النقدية، مخزونًا بصريًا وسمعيًا هائلاً لتاريخ وطن؛ عن الكويت منذ 1985 وحتى الزمن الافتراضي الذي تتحرّك فيه الرواية في 2020، مشيرة إلى أن جزء كبير من القيمة الموضوعية لهذا العمل يجيء من خصوصية البيئة المكانية، الرواية تتلمس بوادر خطابات الكراهية في بيوت العرب التي كانت، للأسف الشديد، محاضن راعية لها منذ أكثر من عشرين عامًا.

  أيضًا تتطرق الرواية لذاكرة الاحتلال سنة الـ 90 وكيف تحول الإنسان الكويتي من إنسان عروبي إلى إنسان مستغرب، وكيف صار السوبرمان الأمريكي هو بطله المحرر الوحيد، بصرت «العيسي» أيضًا في الرواية الخوف من تحوّل الدين من تجربة روحية تنظم علاقة الإنسان بالإله، إلى أيديولوجيا سياسية تستخدم لتفتيت الأوطان إلى دويلات طائفية دموية.

   من هذه الرؤية التحليلية البسيطة التي قدمتها «العيسي»، أصبح يتراءى للبعض سبب منع السلطات الكويتية تداول ثالث أعمال الكاتب سعود السنعوسي «فئران أمي حصة»، الصادرة مؤخرًا عن الدار العربية للعلوم (ناشرون).

  كل ما نعرفه أن الرواية مُنع تداولها داخل دولة الكويت، لكن لماذا؟، لا أحد يعلم السبب الرسمي الصادر عن الرقابة، حتى مؤلفها، سعود السنعوسي، الذي قال لـ«البديل»: أنه لا شىء مؤكد حتى هذه اللحظة، إذ تم تحويل الرواية إلى لجنة لفحصها لإجازة تداولها بالكويت من عدمه.

   بعد هذه الواقعة –التي اعتادنا عليها داخل مجتمعنا العربي- يعيد الكاتب المسرحي بدر محارب، السؤال الذي لا إجابة له حتى اليوم، «هل أصبحت كتبنا ممنوعة حتى تثبت براءتها؟»، أسئلة أخرى كثيرها آثارها منع تداول «فئران أمي حصة»، فنجد الكاتب العراقي على كاظم داود متسائلًا: في أي عصر يعيش الرقيب العربي؟، هل يعلم هذا الرقيب أن هذا الكاتب هو الذي وصل بالرواية الكويتية إلى التداول العالمي، من خلال فوزه بجائزة البوكر، عن روايته ‫‏ساق البامبووترجمت إلى عدة لغات، وإعادة طبعها بالعربية بحدود عشرين طبعة؟

   يتابع مؤلف «شعرية الحدث السردي»: بغض النظر عن كل ما قد يقال، وبغض النظر عما تحتويه هذه الرواية الجديدة ـ لم أقرأها بعد ـ إلا أن المفترض هو تقديم الدعم غير المحدود لكاتب كهذا، وليس منع روايته في أول أيام صدورها!،العقل العربي ميؤوس منه تماماً.

   رغم كل الاحتجاجات التي صاحبت منع الرواية، إلا إن الدار العربية للعلوم، الصادر عنها الرواية، احترمت هذا القرار، مؤكدة أنها لن نتتخذ أي إجراءات حيال قرار المنع لأن لكل دولة قوانينها وهي تحترم القوانين، فمثلما تم منع الرواية في الكويت تم سماحها في السعودية ولكل دولة معايرها.

   لم تكن «فئران أمي حصة» الرواية الأخيرة التي تقع تحت رحمة الرقيب، وربما لن تكون الأخيرة، لكن إلى متى ستظل كتابنا متهمة إلى أن ثتبت براءتها في واقعنا العربي؟.

سعود السنعوسي يروي «الطاعون» العربي

الحياة - الاثنين، ١٦ مارس/ آذار ٢٠١٥ - منى الشرافي تيم :

    انتزع الروائي ســعود السنعوسي في روايته «فئران أمي حصة» (الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات ضفاف) من صميم الحياة نصّاً واقعياً، وهندسه على هيئة أحجية تناثرت في أروقة الماضي. وحين قفز منه، قرأ المستقبل فوصل إلى عام 2020م، منطلقاً من الكلّي العائم المـــتمثل في دقائق التاريخ الذي يعيد نفسه «أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن»، إلى الجزئي الذي كشــف المغزى وراء شعار الرواية «الفئران آتية… احموا الناس من الطاعون»، مشيراً بذلك إلى آفة الطائفية، التي تمددت في شرايين أهلها ونفوسهم، فطاولت نقمتها كل شيء.

   قسّم الكاتب روايته إلى نوعين من السرد، النوع الأول ما رواه تحت عنوان: «يحدث الآن» من خلال تحديد الزمن بالساعة والدقيقة، والنوع الثاني ما رواه تحـــت عـــنوان: «إرث النـــار»، مقــسم إلى أربعة فئران، وكل فأر يتألف من عدة فصول. في الفأر الأول، استخدم الكاتب في سرده ضمير المتكلم، أما في الفأر الثاني فاستخدم ضمير المخاطِب لنفسه وللآخرين. وعاد في الفأرين الثالث والرابع إلى السرد بضمير المتكلم.

   شاء الكاتب أن يُبقي اسم راويه مجهولاً، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الراوي -على الرغم من أنه كان شاهداً على الحدث- لم يتجرّع كأس الفتنة الطائفية، إلا أنه اكتوى بنارها كما الآخرين. لكنّ الكاتب أفصح عن أسماء الشخصيات الرئيسة الأخرى المتمثلة في «الشيعي» صادق وأخته التوأم حوراء، والسني فهد وعمته فوزية وجدّته حصّة، وضاوي ابن خال الراوي، وأيوب. أما الشخصيات الثانوية المؤثرة فتمثلت في أهل الأولاد. ورصد الكاتب حركة شخصياته التي كان يجمعها الحي الواحد، وصوّر تفاعلها مع ازدواجية زمان الرواية. وسمّى الأماكن بأسمائها الحقيقية.

    بدت الرواية كأنها لوحة عن الحياة، وأحداثها محصلة ثقافية عقدية، بشخصيات محاصرة بقدرها، وكلّ ذلك من خلال تقنية كتابية جديدة، اعتمد فيها الكاتب على تراص الحكايات، متبعاً نظام الاستطراد السردي حين غاص في التفاصيل: «حطّت حمامة رمادية على سور البيت. انصرفت إليها أمي حصّة. نثرت حبّات الرز بين الحشائش تحثّها على الاقتراب: «تع تع»، استجابت الحمامة فحطّت على الأرض. نبهتني: لا تفزعها». هذا إضافة إلى التوسع الوصفي الذي شمل الشكل واللون والرائحة والصوت: «تسمّرنا أمام شاشة التلفزيون في غرفة جلوس بيت آل يعقوب. أفراد البيت وتمثال أمي حصّة وصادق وأنا… صوت التلفزيون المرتفع وصمت هدير الكنديشة. رائحة الشاي بالزعفران. الحليب بالزنجبيل. صوت قشور المكسرات تنفلق بين الأصابع والأفواه من حولي»، فضلاً عن التفريغ النفسي الذي ظهر على شكل شحنات نفسية تماهى فيها الدال بمدلوله: «أجلس على ركبتي قرب النقالة داخل سيارة الإسعاف. أمسك بطرف اللحاف أزيله ببطء. إن كان اللثام، ذات يوم، قد كشف عمّن كنت أظنه يُشبه خالي حسن، فإن اللحاف في سيارة الإسعاف يكشف عما لا يشبه ابنه. شيء يشبه الجسد ينث رائحة شواء».

    وازَن السنعوسي بين ما سرده الراوي من أحداث يوم واحد، بدأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً وانتهى عند الساعة الثانية عشرة صباحاً، على شكل حاضر ارتدى عباءة المستقبل، وبين ماضٍ استعاده من رواية له تُعدُّ للنشر أطلق عليها: «إرث النار»، التي استرجع من خلالها الأحداث التاريخية التي أسست لأحداث لاحقة، وضمّنها العديد من الرسائل التحذيرية الكامنة وراء التأليف، من خلال تصاعد بعض القيم وتراجع أخرى، وأعطى صورة مظلمة لمستقبل الأمة التي توشّح بموروثها الجديد الفتّاك.

   استعاد الكاتب أحداث غزو العراق للكويت، سنة 1990م ووصف هول الصدمة على أهلها: «كنتم تنامون على أصوات القذائف ورائحة الشموع المنطفئة. تهتز الأرض من تحتكم. يتصدع من شدة القصف زجاج النوافذ»، وهذه الصورة التي استعادها الراوي من الماضي، تنبأ بعودتها بعد ثلاثين عاماً ولكن في حلّة مختلفة. وأشار إلى التغيير الكبير الذي يطرأ على ثقافة الأمم، فوصف كيف أصبحت أميركا بين ليلة وضحاها أمل الشعب الكويتي: «أميركا التي ما رأيتموها، أطفالاً، إلا بصورة تظهر في أفلام الآكشن وبرامج المصارعة الحرّة باتت خلاصكم»، فاندلعت حرب «عاصفة الصحراء»، وتحرّرت الكويت في 26 من فبراير 1991م، وسرد الراوي باستنكار واقعة طرد الفلسطينيين من الكويت بعد التحرير.

   لم يغفل الكاتب إضاءة البعد الاجتماعي من خلال فوزية، التي بدت الحلقة الأضعف والعينة التي تشير إلى وضع «البنت» في المجتمع الكويتي، فقد حرمها أخوها صالح من إتمام تعليمها الجامعي، كي يجنبها مخالطة الذكور. وهو الذي حلق شعرها بعدما سمع باقتياد بعض الفتيات إلى المراكز الأمنية أثناء الغزو العراقي، وقد كانت والدتها حصّة تردد: «صالح رجل البيت، رجل على شقيقته»، وإصابتها بالعمى جرّاء مرض السكر لم تشفع لها عنده، فمنع عنها صديقها الراوي الذي كان يقرأ لها الروايات بحجة أنه وصل سن البلوغ. والعلاقة العاطفية الوحيدة في الرواية هي تلك التي نشأت بين فهد السنّي وحوراء الشيعية، وحين تزوجا لم يُعلِما أحداً على أي مذهب عقدا زواجهما بسبب الخلاف الذي نشب بين والديهما بهذا الشأن.

    لعبت الجدة حصّة دوراً كبيراً في مسار أحداث الرواية، بكل ما كانت تؤمن به، ومن خلال القصص التي كانت ترويها، وأهمها قصة سهيل وصاحبه مع الفئران. فلم يكن للفئران من وسيلة للحصول على خيرات أرضهما إلا أن يدب الخلاف بينهما، والوسيلة الوحيدة لذلك كانت الحبيبة المشتركة «عاقبة»، التي هاجمتها الفئران، وحين صرخت مستنجدة… هبّ سهيل وصاحبه من أجل نجدتها ونيل ودّها: «تشاجر سهيل وصاحبه.. حمل سهيل حجراً شجّ رأس صاحبه» وحين ظن سهيل أن صديقه قد مات، اعتزل العالم ولجأ إلى جنوب السماء. وحين استفاق صاحبه ضاع وهو يبحث عنه، فأحالت الفئران الأرض خراباً. وماتت الجدّة حصّة، ولم ينس الراوي كلامها عن الفئران: «ليس ضرورياً أن تراها لكي تعرف أنها بيننا».
وبعد مرور أعوام على الحرب، بدأت الصراعات الطائفية تنحت آثارها في البشر والحجر، لذلك أسس الراوي وأصدقاؤه مجموعة أطلقوا عليها اسم «أبناء فؤادة»، وهدفهم التوعية من الفتنة، إلا أن المجموعة قوبلت بالرفض: «الموالون للحكومة أسمونا معارضين. المعارضون اتهمونا بالموالاة. الجماعات الدينية لم تر فينا عدا جماعة خارجة».

   بقي ما كان يرويه الكاتب تحت عنوان يحدث الآن يشوبه الغموض، ولكن عند منتصف الرواية، بدأ القارئ بالشعور أن ما يحدث الآن يسير بالتوازي مع ما حدث بالماضي، والرابط المشترك بينهما هو هدير مولدات الكهرباء وأصوات التفجيرات المدوّية وسيارات الإسعاف ورائحة الدخان والموت، والفارق الوحيد هو نوع الغزو، الذي كان في الماضي خارجياً، أما الآن فداخلي بين أبناء الوطن الواحد.

   احترق مركز أبناء فؤادة واحترق في داخله ضاري، فوصف الراوي وضع الكويت في ذلك النهار من عام 2020م: «إن البلاد تشتعل. لا رجال إسعاف… ولا متطوعون قادرون على انتشال آلاف الجثث». وقصة سهيل وصاحبه اللذان فرقتهما الفئران، تكررت بين الأصدقاء فقتل أحدهما الآخر بسبب ذلك السم الذي تجرعوه في بيوتهم صغاراً، وكان مفعوله أقوى من الأخوّة والصداقة والنسب والوطن!

   وأخيراً، لا بدّ من الإشارة أن الرواية على الرغم من براعة كاتبها في هندسة نصها، إلا أنه قد شابها الحشو، والإطالة غير المبررة، التي وصلت في كثير من الأحيان إلى حد الملل.







أو




أو





أو





http://alefbookstores.com/shop/arabic-books/%D9%81%D8%A6%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%8A-%D8%AD%D8%B5%D8%A9/








سعود السنعوسي :

  سعود السنعوسي (مواليد 1981) كاتب وروائي كويتي عضو رابطة الأدباء في الكويت ورابطة الصحفيين الكويتيين. فاز عام 2013 بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته ساق البامبو.وهي رواية تتناول موضوع العمالة الأجنبية في دول الخليج. وقد اختيرت من بين 133 رواية مقدمة لنيل الجائزة.ويكتب في جريدة القبس الكويتية. وقد سبق أن نشر قصة "البونساي والرجل العجوز" التي حصلت على المركز الأول في مسابقة القصص القصيرة التي تجريها مجلة العربي الكويتية بالتعاون مع بي بي سي العربية. وقد سبق أن نشر رواية "سجين المرايا" التي فازت بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة.

ليست هناك تعليقات:

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة