الأحد، 7 فبراير 2016

خطوات نور في العتمة أو حين يقتفي شعراء العراق المعاصرين خطى أسلافهم في أفق المجاز - علاء كعيد حسب ...



خطوات نور في العتمة أو حين يقتفي شعراء العراق المعاصرين  

خطى أسلافهم في أفق المجاز


صحيفة رأي اليوم -علاء كعيد حسب - 15 - 8- 2015 :

  للشعر العراقي ما يميزه على الساحة الشعرية العربية، و قد كان و ما زال، عنصرا من عناصرها الأكثر توهجا و بهاء. و اليوم، يقتفي بعض شعراء العراق المعاصرين خطى أسلافهم في أفق المجاز، محاولين التفرد في أعمالهم و التعاطي مع الوجود من منظور إنساني محض، يتعدى ذواتهم و بيئتهم و ما يرتبط بهما.

  و في هذه المقالة، سنغوص في عوالم خمس شعراء معاصرين، تختلفُ رؤاهم في الأبجدية و تتوحد عند نقطة واحدة اسمها العراق، في محاولة منا لإبراز الصوت الشعري العراقي و خصوصيته المعاصرة، التي و إن تغيرت عناصرها، تبقى مرتبطة في جوهرها بالإنسان العراقي الذي يمثل في شموليته إنسان كل مكان و أي زمان.

  الغرابة في قصيدة “بلاغ في الولع″ للشاعر سلمان داود محمد

نجح الشاعر “سلمان داود محمد” في قصيدته “بلاغ في الولع″ من إماطة اللثام عن أفقٍ شعري لا يبلغه كثيرون، بحيث أضحت الغرابة مفتاحا لاقتران العاطفةِ بتفصيلاتها و ملامحها الخفية، دون تغييبِ عناوين رئيسية و أخرى صغيرة، مما ارتقى بالقصيدة و معها المتلقي إلى مستويات بعيدة عنه و لا يُدركها، تفصح عن وجدان الشاعر و ما يشهده من مخاض و صراعاتٍ بين عدة مكونات شعورية، تتحد و تنفصل و تتوحد و تتجزأ، ليغدو المد جزرا و الجزر مدا في المخيال الشاعري، و تصير تراكمات الذات و المرحلة و المحيط، بكل تناقضاتها، لَبِنَاتٍ متراصة في أفقٍ من نوع أخر، يعيدُ صياغة مفاهيم القارئ الجمالية من جديد، و يَخْلُقُ صلة حسيةً بينه و بين كل ما هو غرائبي.

  لا يتجادل اثنان في أن الشاعر “سلمان داود محمد” بارع في إبداع و خلق ما قد يعتبره البعض مبهما و غير مألوف، فلكل إحساس عنوانه الخاص و سيرته الذاتية. و حيث يتقاطع السؤال و اللاوعي يتجلى البوح صورة و تكمن عاطفةٌ بين أسارير اللغة، و حيث الفرح طفيفٌ هناك وجع متقد يرمي بشرر، ما يتيح سلسلة من الارتدادات في فكر المتلقي، تفرض عليه استحضار النتائج و مراجعة أسبابها، بملامح وجدانية تتفتح على المجاز المطلق، فتتخذ كل بسمة عنوانا و كل دمعة توقيعا و غير ذلك محض افتراء:

كل دمعة
لا تحمل توقيعك
باطلة

  لن نبتعد عن الألم و نحن نغوص في قصيدة “بلاغ في الولع″ و لو قليلا، فهي رحلتك و رحلتي، هي مسيرة الإنسان المثقلة بالأسى إلا من هنيهات يسرقها دون قصد من فكي السبيل. كما أن الطفولة تستوقفك مرات أمام تفاصيل جامدة في الذاكرة، لا تزعزعها الرتابة أو الأيام، فتحضنك أرصفة الوجع بكل قوة و تعتصرك النوافذ المترعة على طوابير الضوء:

و كما القميص المشنوق بحبل الغسيل
أتقاطر بكل نداي على سطح أيامك
و أشتم الغيوم
تلك الواقعة في طابور الضوء

  لقد خط الشاعر “سلمان داود محمد” عواطفه على حقيقتها، مطمئنا لصدق رؤياه، فكان وطن نفسه و كل متاهة كانت له بيتا فيما الخطى عائلة. لذلك تحمل جزاء عناق الزهر و تدمير الحدائق بذنبه، في بيئة انتشرت فيها (باسم الجمال) العقد و الجراثيم:

لأني مشتبه به
في اعتناق أزاهيرك،
اعتقلوا الحدائق كلها
في ثكنات تصنع العطور

  و بين همس و همس، عالم غرائبي نسجه الخيال المفرط، و من الفوضى خلق ما هو بديع التكوين. هذا الأسلوب الفريد الذي اختاره “سلمان داود محمد” يحسب له و يميزه عن الكثير من الأصوات الشعرية، و يضعه في خانة خاصة مع أخريين يساهمون في تجديد الروح الشعرية بعالمنا العربي. و لأن كل شيء غريب، فوحدها الغرابة ينطلق منها الشاعر إلى عاطفة المتلقي، ليترك بصمته في ذائقته و يشعل بذلك شراراتٍ في وجدانه، ربما انطفأت، في واقع غير ثابت، يغير فيه العصفور صوته و تتقمص فيه الفراشة دور الحمار:

على فراش الموت تهذي حدائقي
زئير عصافير
نباح زهور
و نعيق فراشات

  و لحظة تكره من تحب تكره ذاتك مباشرة، لكنه كره مزيف لا يتحقق مع الحب، فالبداية و النهاية هي الأخر، و كل المظاهر التي ترافقها عواطف و انطباعات، تغدو دون معنى في غياب المقصود الذي تشكلت به الحكاية و صار العنوان و المدلول:

لقد كنت البلاد..البلاد..البلاد
و كنت القرابين
و لكنك..يا للأسى..ضائعة
و دليلي ضرير..
سأكرهني كثيرا..

  و رغم الألم الذي يفضح الشاعر و يكشفه لقارئه على امتداد القصيدة، فإن الرضا بالمصير و الطمأنينة واضحان كنجمين سماويين. فهو سبيل العاشق إلى معشوقته، و ما أجمل العشق إذا ارتبط بوطن هو البدايات و النهايات، يستحق التضحية لأجله في لحظة محسومة عند قارعة الغروب، بكل شجاعة و نبل:

فألقيت التحية على بقايا رماد احتراقاتي معك،
ثم افترشت دمي
على قارعة الغروب
و مت..

  قصيدة “بلاغ في الولع″ نقطة مشرقة في شعرنا العربي الحديث، تجعل الشاعر العراقي “سلمان داود محمد” في مكانة خاصة، تخول له الإبلاغ عن كل ما يكتنف الإنسان، من أسى تحفظه المسافات و الجمال، و فرح خفيف بعمر نبضة قلب، و هذه القدرة الفريدة في التعبير، يؤكدها في “بلاغ في الولع″ .

  المأساة و الأمل في قصيدة “مرثية دم على قميص قتيل” للشاعر العراقي “مكي الربيعي”

  يحتل الوطن حيزا كبيرا عند كل الشعراء، هذه المفردة التي تتحدى الإنسان و تعتبر معيارا لإنسانيته، جنة القلة/جحيم أغلبية ينتمي إليها الشاعر العراقي “مكي الربيعي” منشدا من سفري المأساة و الألم آيات للوجود، علها تلملم بعض الفرح القديم أو تنثر أملا على ثريات حلم ضائع، تحمله الطيور المهاجرة إلى الوطن.

  و في قصيدته “مرثية دم على قميص قتيل” يفصح عن وجع بحجم عصور، مرتلا بحزن ناي معاناة الإنسان العراقي الذي لم تمنعه الجثث أو دوي المدافع من التعلق بالأمل الذي تعود معه الحياة إلى سابق عهدها. و من عنوانها، تكشف هذه القصيدة مضمون عوالم يقف عندها القارئ واضحا كأنه يقف أمام مرآة، فيستحضر من بوابة الشعر انكسارات البشرية عند طموحاتها. فترى الغازي يصوب بندقيته إلى أحلام أورقت للتو و دما يفضح خطيئة الإنسان و غواية الأنا، و تحس بألم شعب بكامله يبحث بين الرماد عن منفذ تشرق منه شمس سومرية تبدد هواء الجحيم العكر:

مهلا أيها الظلام
سأصطادك. ما دمت أحيك الشبكة
من ضوء بلادي

  و من حرف إلى كلمة و عبارة فصورة، ينتشر غيم أسود على امتداد الرؤية و تفوح بين مقطع و نفس، رائحة دم أثخن المجاز بوجع شاعر تجسدت فيه قدرة الإنسان. لهذا لا تستأذن القصيدة عاطفة المتلقي، بل تمارس عليه من البداية سلطة الحرف و تلحقه بإيقاع العاطفة.

  و ليس الشاعر رقما بسيطا في معادلة الكون أو متفرجا أبله يشارك في تمثيلية المأساة، هو أثر الحياة في دهاليز كابوس و حرارة الطبيعة أمام برودة التاريخ، لذلك يشحن الشاعر العراقي “مكي الربيعي” اللغة بالمعنى ليبلغ بالقارئ إلى أقصى أقاصي عاطفته، حيث يكمن الإنسان خائفا من ظل صاحبه و محيطه. و على عادة أهله السومريين يرتب أغراضه رغم الدموع التي تحمله إلى قبره، و في قلبه تنبض الحياة و يشرق المستقبل:

بإمكان الشاعـر
ترتيب الحياة بشكل آخــر ،
بإمكانه
إزالة الــلطخة عن
عــين العــدسة ،
الحضور في جواب السؤال ،
الــصعود شــمالاً
عـــبر الــتضاريس وســوء استخدام
الــبوصلة ،
الــنوم في سريــر العائـلةِ ،
والخــروج مبكـراً
من غــرفـة الأخـطاءْ

  أن تكون ضحية يفرض مواكبتك لبعض المجريات و ارتباطك ببعض التفاصيل التي تعبر عن دورك في الحكاية، هذا ما تشرحه قصيدة “مرثية دم على قميص قتيل”، بأدوات رمزية و جمالية نجح “مكي الربيعي” في تطويعها لتناسب ذائقة المتلقي و خياله. و رغم أن العبارة لا تكشف دوما الحقيقة، فقد خلق الشاعر أفقا يلاءم عواطفه و انطباعات قارئيه.

  و من الجميل في هذه الأبجدية المؤثثة بالجراح، ذاك التناغم البديع بين الحياة و الموت، تلك العلاقة الخفية بين وقع الرصاص و شفافية الماء، ما يعمق إحساسنا بذواتنا من زاويتي الحزن و الفرح، و يطرح سؤالا وجوديا أخر عن الحكمة أو اللعنة التي تكمن وراء السعادة، و عن الدور الذي يشغله كل منا في ما يشهده العالم و الموقع الذي اخترنا التخندق فيه:

ضـيـقـةٌ هـذهِ الـعـبـارة عـلـى جـسـدي
لــذلـك أحــاول أن أروض موتــي الـحـامل جــنــازتــي
عــلـى كــتــفــيــه
أن أضـعَ حـداً لـخـطـوتـي الـتي تـدورُ حـول نــفــســهــا
أن لا أتـركَ الألـمَ يـتـمـددُ مـثـل الـهـواء
لـكـي لا تــنـمـو فـي الـظـل شـجـرة طـاعــنـة بـالـسـواد

  يكتب “مكي الربيعي” ليخضر الوطن في خيال المغتربين إما لكلمة حرة أو لقمة عيش، سكان المنفى و المطارات الأصليين. يكتب إليهم و له، ليتأملوا ثانية قبس وجهة لا تدركها البوصلة و يلوحوا من كل جغرافيات المنفى صوب الشرق، فربما ينسجون من ذرات التراب تحت أقدامهم ثوبا يلبسونه كلما راود القلب الحنين:

وطني
التراب العالق في قـدمـيـكَ،
يمكن أن نصنع منه وطناً فـي الـمنافي

   و رغم أن القصيدة تدقق في سلسلة من الجراح و الانكسارات جعلت عوالمها تبدو مفزعة و مفجعة، غير أنها بقيت وفية لنظرة الإنسان المتفائلة بالمستقبل و ما يعنيه الغد بالنسبة للمنهكين وجدانيا و الحالمين. و حالة الحياد أو عدم الانحياز لشعور أو لحظة معينة على حساب أخرى، ارتقت بروح القصيدة إلى مرتبة يتساوى فيها اليوم مع الغد و الأمل مع اليأس و النهاية مع البداية و السواد مع البياض:

منهــمكـون
بابتكار سوادٍ يليق بخطى الراحلين،
بابتكار
بـياضٍ يليق بالخـطوة الــقـادمة

  و من هذا الفضاء الغامض يشرق الشاعر و معه القصيدة ليرشدا الإنسان في سبيله و يلطفا عنه وحشة العتمة، و هذا دورهما الإلهي الذي بعثا لأجله، ليحيا طقوس الحياة و يشحذا بالمطر فتوة الحبر. فبالشعر وحده ينير الإنسان سبيل إنسانيته:

أيتها القصيدة
تعالي نوقد النار في الممر
و نحث الحبر على التزود
بالأناشيد من ثديي المطر

   قصيدة “مرثية دم على قميص قتيل” من القصائد التي نجحت في ترجمة واقع العراق المؤلم حسيا، برمزية و جمالية افتقدتها كثير من الأعمال التي تؤرخ للإنسان العراقي و وطنه، لهذا يعتبر الشاعر “مكي الربيعي” من الشعراء الكبار الذين وفوا بعهودهم، و لا شك أن هذا العمل المميز سيبقى و يخلد بخزانتنا العربية و يدرس و يردد في أكثر من مكان و أي زمان.
العراقي و الاندماج الذي لا يكتمل.. في قصيدة (اندماج اجتماعي) للشاعر العراقي عبد الباقي فرج

  يعيش الإنسان العراقي في غربته فراغا مروعا يتجاوز إحساسه بالأمن الجسدي و الأمان المادي، و شعوره بأنه في منأى عن الرصاص و عيون الوشاة و مكائد الحساد و المتآمرين، فراغ لا تخففه العلاقات العابرة في المقاهي و البارات، أو تلطفه العناوين المتفرقة و المنسوجة بخطى الأقدام المتعبة من المسافة المتبقية من مهد البداية إلى قبر النهاية. و الشاعر العراقي (الأصيل) يتجرع المرارة في كل جرعة هواء أجنبي تضمها رئتاه، و كلُ كلمةٍ غريبةٍ على لسانهِ هي جمرة حارقة يستسيغها بانكسار في تواصله مع الآخر، الذي تتمثل في عينيهِ و لونِ شعرهِ و لمستهِ الباردةِ ملامحُ المنفى القاتل. و لعل ثروة الشاعر الوحيدة في هذا الواقع و غناه، تتجلى في كثرة المواعيد و العهود و الآمال، فقط لتذكره بترحاله العقيم و بحزنه الدفين، و تربطه دون رفيق أو حبيب، بعهد العراق مع المأساة من جلجامش إلى الآن.

  و قد يتعايش الشاعر مع عناصر لا تمت له بأي صلة، لكنه لا يستطيع الاندماج معها أو الذوبان فيها، لأنه ببراءة مشحون بأهازيج الطفولة و نشيد الوطن، و مثقل بالذكريات المفرحة و المؤلمة في آن. هو الهارب من حسرات الغدر و انفصام الإنسان عن طبيعته الخالصة، إلى عودةٍ كما يشتهي و انتصارٍ للإنسان الروح على الإنسان المادة. و في قصيدة (اندماج اجتماعي) من ديوان (قصائد آدم العراقي) الصادر عن اتحاد الأدباء و الكتاب العراقيين بالبصرة للشاعر العراقي (عبد الباقي فرج)، تتجلى قاتمةً معاناةُ الإنسان العراقي مع المتغيرات التي يفرضها المنفى، و التضحيات الفكرية و اللغوية و الاجتماعية التي لا بد منها كضريبة للأرض البديلة عن الوطن.

  و يمكن أن نقسم هذه القصيدة إلى خمسِ نقطٍ حاسمةٍ، كل واحدة منها تعالج إشكالية من الاشكاليات التي تواجه الإنسان العراقي في بيئته المؤقتة البديلة، في رحلة الاندماج التي لا تكتمل أبدا، لطبيعة الانسان العراقي ذاته، و التي لا تنشرح أو تشعر بوجودها إلا ضمن إطارها الجغرافي و وفقا لخصوصياتها الثقافية و الاجتماعية.

   ففي النقطة الأولى يضعنا الشاعر (عبد الباقي فرج) أمام الحواجز التي يحيط بها المجتمع الغربي نفسه، و نزوع أفراده إلى العزلة و الانطواء، و ميلهم إلى التفكر و التدبر مطولا قبل نسج أي علاقة كانت، عكس الانسان العراقي المستعد دوما إلى التفاعل مع كل من مد يده إليه او قصده بكلمة، لأنه ألِفَ في بيئته الأم العيش مع الجميع و ضمن الكل. و يكفي أن تتعرف على شخص في العراق للتو، ليقودك مباشرة إلى بيئته ليحتفي بك و إياك بصداقة جديدة، عكس الإنسان الغربي الذي يجعل الزمن و الهواجس عائقا بينك و بينه:

الأول
دعاني في الصيف القادم
لزيارته

   و النقطة الثانية التي يوضحها الشاعر في قصيدته (اندماج اجتماعي)، هي العصبية و الغرور اللذان يميزان جزءا مهما من العالم الغربي، غير مستعدٍ للاعتراف بفكرة أن الشرق النقيض مصدر طاقات، و أن الانسان الشرقي له من الامكانيات الذاتية ما يجعله في مراتب متميزة و متفوقة حتى على الانسان الغربي إذا ما توفرت له نفس الظروف و ذات العوامل. هو جزء من الغرب لا يتقبل (ببساطة) الحقيقة من فم مشرقي:

و الثاني
لم يتحمل جهله

  و بالنسبة للنقطة الثالثة التي يعرضها (عبد الباقي فرج) في قصيدته، فهي امتداد للنقطة الثانية، يؤكد من خلالها الشاعر أن جهل الانسان الغربي بالشرق لم ينتهِ و أن تلك النظرة النمطية لم تتغير. فما زال يعتبر الشرق واحة جهل و تعصب و بؤرة إرهاب و تزمت، و ليس الشرق بالنسبة إليه سوى منطقة متأخرة حضاريا، يمثل وجودها في صيغتها الحالية خطرا على الفكر و الرفاه في العالم بأسره. و هذه النظرة النمطية التي يرمق بها الإنسان الغربي الشرق، أضحت من المسلمات و في حكم اليقين، لعدة أسباب أبرزها الحملات الاعلامية و الهجمات الدعائية المعادية للشرق و ثوابته:

الثالث
حدثني عن شرق لا أعرفه

   و في النقطة الرابعة يكشف (عبد الباقي فرج) النقاب عن الأحاسيس التي يكنها الانسان الغربي للإنسان العربي، و الظن بأن هذا الانسان مدعاة للكتابة و الإشفاق. و هو (الشاعر) بذلك يسلط الضوء على فئة تسترزق من مآسي الشرق و تبني أمجادها من قصاصاته الدموية، فئة تجيد نقل القبح و تتغاضى كليا عن التفاصيل المتعددة و الأوجه المختلفة للجمال:

أما الرابع
استقبلني باستغراب
و ودعني
ليكتب شعرا في اسطنبول

  و في النقطة الخامسة و الأخيرة، تستعرض قصيدة ( اندماج اجتماعي) علاقة الشاعر بالمرأة الغربية، كأخر محاولة منه للاندماج في البيئة البديلة و الركون للمنفى، غير أن محاولته تفضي إلى فشل ذريع لعمق الهوة بين الرجل العربي و المرأة الغربية، و التناقض الكبير بين رؤية كل منهما لمفهوم العلاقة بين اثنين و ما يترتب عنها. و هذا إن دل فيدل على أن الرجل الشرقي لا يستشعر الحميمية إلا في حضن امرأة شرقية من نفس الطينة و المعدن، تكتمل و إياها مقومات الهوية و تتحقق بوجودها الطمأنينة و البهجة. و في هذه النقطة يختزل الشاعر جميع الاشكاليات التي تطرق إليها سابقا في قصيدته (اندماج اجتماعي)، و يؤكد رفضه الخضوع للضوابط التي يفرضها المنفى. و هو بعدم تعايشه مع المرأة الغربية يحيلنا إلى عدم قدرته العيش في بيئة بديلة و منفى فرض غصبا عليه. فهو ربط هذه المرأة بالمنفى الذي تمثله، و بقبول حضنها يعلن اندماجه في محيط لا يمت له بصلة. المرأة إذن عنوان بارز في تصور الشاعر، و هي و الوطن في وجدانه سيان:

فرصة أن أندمج و قد ضيعتها
دون أسف
كانت مع امرأة
تحسن العد لليلة واحدة بعد الألف
و لم أكن شهريارها

  أحالنا الشاعر (عبد الباقي فرج) في قصيدته (اندماج اجتماعي) إلى حقيقة أن الانتماء إلى وطن يتعدى قطعة قماش و نوتات موسيقية، أو مجموعة عادات نزاولها في مناسبات خاصة، أو عبارات نتداولها فيما بيننا كلما سنحت الفرصة. هو أعمق من ذلك بكثير. لذا، فأي محاولة لتبني هوية أخرى – تحت أي ظرف أو عامل- تبوء بالفشل، و ان الاندماج في مجتمع ليس بالمجتمع الأصل مستحيلة، بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون وجودهم خارج نطاقهم الأصيل مأساة بجميع المقاييس، لا تلطفها اللقاءات العابرة و المناسبات أو العناوين التي تبرز بين الفينة و الأخرى. و بذلك يؤكد صحة المثل المغربي القائل: “قطران بلادي و لا عسل البلدان”.

  رصد الوحشية في قصيدة “قذائف و شناشيل” للشاعر سعد ياسين يوسف ، لم يكن الغزو الأمريكي للعراق ليمر مرور الكرام من عاطفة الشاعر، أي شاعر مرتبط ببلاده ما بين الرافدين، لأنه شكل تحولا من صورة تتخللها الابتسامة و الحياة إلى “كليشيه” من المعاناة و التيه. و حيث أن الشاعر أقدر على الوصف و التوثيق، فقد كان أبرز المنتفضين و أشدهم إرادة و بأسا، لأنه وحده من يلملم الدموع من الأعين و الدبابيس الجارحة من القلوب، ليذكرنا جميعا بمعنى الحياة التي لا تتزعزع في الوجدان العراقي، و بالرثاء حينا و بالرفض أحيانا أخرى، فضح عنصرية الإنسان اتجاه أخيه الإنسان، لا لشيء سوى لرغبته في العيش حرا على طريقته و من منظور يبدأ منه و يمتد إليه.

  و من القصائد التي تؤرخ لهذا العمل الوحشي، قصيدة “قذائف و شناشيل” من ديوان” شجر بعمر الأرض /الصادر عن وزارة الإعلام العراقية دار الشؤون الثقافية” للشاعر العراقي”سعد ياسين يوسف” التي تضعنا، و من عنوانها، أمام عنصريين مختلفين كليا، العنصر الأول:”الشناشيل” و هي بيوت تراثية الطراز أحب العراقيون بناءها و العيش فيها لنقوشها العربية الإسلامية المميزة وزجاجها الملون، و العنصر الثاني: “القذائف” التي تعتبر رمز التقدم التكنولوجي الأمريكي و الأداة التي قُصِفَتْ بها مدن العراق بكل ما فيها كأوضح تعبير على الهمجية و اللاإنسانية التي تتسم بها حضارة العهد الجديد. و هذا العنوان المركب يكشف حضارتين متناقضتين تماما، واضعا إياهما في مواجهة يعزوها البعض لصدام الحضارات، غير أن الشاعر يربطها في قصيدته إلى صراع أعمق مما توصل إليه “هنتنغتون”، صراع بين المادة و الروح. و قد نجح الشاعر من خلال قصيدته في نقل ملامح العمل الإجرامي الذي أقدم عليه الغزاة و رصد نتائجه و مخلفاته على البلاد و العباد، مبرهنا في الآن ذاته عن كينونة الغازي الفاشية الكارهة للحياة و العاشقة للنهايات، الأرض و هي تحترق، المنازل تهوي و الطيور تفر إلى وجهة يوجهها إليها الخوف و الرعب:

الشناشيلُ هوت
وتساقطت فوقَ الركام
حضارة
من دمي ارتوت
الشناشيل هوت
وتدحرجت حتى أناشيدُ العصافيرِ الصغيرة

  هذا الاستعراض المهول للجريمة التي ارتكبها الأمريكان في حق أمة كانت مهد الحضارة و العلم، يرسخ للفعل الإجرامي الذي كانت غايته الوحيدة تغيير مناحي الحياة العراقية التي تسمو فيها النخلة لتغدو إلهة و يتواضع في إثرها الوادي للسنابل الممتدة على ضفافه، تلك الحياة التي ترمز للإنسان العراقي و تميزه عن الباقي:

كان الصراخ
على وقعِ انفجاراتِ القذائفِ
مذ سقطتْ قذائفُهم ،
سقطوا
سقطت لقصفِ بيوتنا ،
سقطوا
وتساقطت فوقَ التراب
قلوبُنا ، دُمى أطفالِنا

  و تحضر الرابطة التي لا تمزقها الحروب أو الخوف، العلاقة الوجودية التي تربط أبا بصغيره/صغيرته في أشد المراحل حلكة و مرارة، بحيث يصبح الضغط دافعا لمزيد من الحب و الرعاية. هو الخوف على الأحبة، على الروابط التي تمنح ذواتنا معنى بطعم خاص:

لي نخلةٌ أودعتها سري وأحلامي
وأسماءَ الذين نحبهم
ودُمى صغاري

  و عبر لغة مباشرة سلسة و ناعمة تعبر القصيدة إلى عاطفة المتلقي و تحمله إلى عوالمها التي تتناقح فيها حضارات العراق أجمعها في بوتقة الحاضر الصادم، فنجد مثلا مفردات توحي بالتنوع الطبيعي و الغنى التراثي الذي يميز بلاد ما بين الرافدين: الشناشيل، النخلة، الوادي، عباءات النساء، الخبز المعمد. ما يمنح فرصة مثالية للتعرف عن بعض مظاهر الحياة، في رحلة أبجدية تؤثث الجغرافيا و الإنسان العراقيين.

  و كان لا بد في القصيدة من نهاية بحجم هذا الألم، نهاية تملأ السماء و تشهدها على مصابها و تمنحه بعدا أزليا يتجاوز الوجع إلى الأمل الراسخ في نهاية كل ظلمة، فكانت اليد التي تشير إلى السماء، أصغر من همسة حب و أكبر من وقع قذيفة عمياء، تأكيدا على شروق الشمس بعد ليل مظلم و طويل، بين القذائف و الشناشيل.

الواقع و الماضي في قصيدة “إشارات بأصابع مطفأة” للشاعر العراقي “طلال الغوار” ، في الشاعر تنضج الإنسانية و ترتقي إلى مستوياتها الطبيعية/الفطرية، و وحده لا غير، من يستطيع تلطيف هفوات البشرية في مسيرها الآثم نحو الكمال. هذا الشاعر المسكنون بذاته و محيطه و وطنه و الأخر، محكوم بمتابعة أنفاسه و توثيقها في كل خطوة يخطوها، موازاةً مع أنفاسٍ و خطواتٍ أخرى. و لعل قصيدة “إشارات بأصابع مطفأة” من ديوان “حرريني من قبضتك” للكاتب و الشاعر العراقي “طلال الغوار”، من القصائد الذي تعبر عن هذا التوجه النبيل، و فيها تتجلى قدرة الشاعر و مسؤوليته في تصحيح وجهة البوصلة و إعادتها إلى مسارها الإنساني الصحيح.

   يعكس عنوان القصيدة (إشارات بأصابع مطفأة) شعور الشاعر “طلال الغوار” بالمعاناة لواقع لا يملك قوة سحرية لتغييره أو سلطة فعلية لتصحيحه، مع ذلك يلوح و يشير من نقطته على وتر الأبجدية، عسى أن تُلتقط إشاراته من وسط الدخان. و هذه القصيدة/المرثية تنبش في الضرر الذي لحق بعباد و بلاد ما بين النهرين بعد الغزو الأمريكي للعراق، كتجسيد حسي في منتهى السمو عن الدور الذي يشغله الشعر في توثيق حياة الأفراد و تاريخ الأوطان.

  هي قصيدة تستعرض كذلك، بعضا من الفصول الجميلة و المشرقة من تاريخ العراق، و تستحضر بحزن دفين الأيام الخوالي التي كان الشجر يحلق فيها بأجنحة الأطفال، في جو من الفرح و الطمأنينة:

بلادي الجميلة
تخرج مع الفجر عارية
و تعزف على أريكة النهر

  و هذا الاستحضار ليس مجانيا، بل هو مقارنة بين عراق ما قبل الغزو و عراق الدمار و الموت و الشتات. و كأن الشاعر من خلال طرح تفاصيلِ أمسٍ مفقودٍ، ينتقدُ صُناع واقعِ العراقِ و مهندسي مأساتهِ:

لا تسمع غير النعيق
النعيق المنتشر هنا وهناك
لان الغزاة
أعدائنا
حينما احكموا قبضتهم حولنا
ادخلوا عليها
الكثير من الغربان

   و قد يستلهم القارئ من المقطع السابق سخط الشاعر على ما يجري و ما تشكل، و اعتباره امتدادا للعنة. و هذا الوضع الممنهج انعكس على الإنسان العراقي الذي ألِف الحياة و أعد العدة دوما لملاقاتها في أجمل حلة مع كل إشراقه شمس:

الشموس التي
أعددنا النوافذ لها
و شرعنا لها الأبواب
خبتْ

  نقترب في القصيدة من حالة الشتات التي أضحت مرادفا للشعب العراقي و ثيمة أساسية في بنيته النفسية و الفكرية. و ليحافظ الشاعر على الشعر كأصدق الحقائق الكونية التي تقترن بالإنسان، يغوص في قصيدته “إشارات بأصابع مطفأة” إلى مكنون الذات العراقية بعد الغزو، و تجلياتها الغريبة بين البوح و البوصلة:

أصبحت نظراتنا مستديرة
و اختلطت في خطانا الجهات

  و في القصيدة كذلك بعض من صور النضال التي ميزت إنسان الرافدين على امتداد العصور، و تساؤلات طبعت وجوده و ساهمت إلى حد بعيد في سموه. فبينما تتعطل الإشارات عن صد سهام الأعداء و تتوقف الوسائل عن مسايرة إرادة التغيير، تطفو من جديد جدلية الحب و الموت، تلك الجدلية التي أخرجت “أنكيدو” من وحشته و دفعت “كلكامش” للبحث عن السر الأزلي في الحياة:

هل انتهى جدل الحبّ والموت فينا
حينما لا نرى السوادَ في السواد
و لا البياض في البياض

   و رغم أن القصيدة تستعرض صورا من مأساة حلت بشعبٍ و أرضٍ و وجعا أكبر من طاقة الشاعر، غير أنها تؤكد قوة الإنسان العراقي و قدرته الفريدة على تحمل لعنته الأبدية مع الحرب و الشتات. و لعل استمرار الشاعر في إرسال إشاراته الوجدانية بأصابع مطفأة، لأفضل تجلٍ للصمود و الإرادة اللذان طبعا تاريخ العراق. و مهما انغرس الرمح في الخاصرة و خرجت الأشجار من أسمائها، يظل الشاعر حاضرا لينير للبشرية مسيرها نحو الإنسانية، موثقا في ذات الآن فصلا من فصول الحكاية، حكاية اختار فيها الشاعر “طلال الغوار” ــ في قصيدته “إشارات بأصابع مطفأة”ــ المكان الطبيعي لكل شاعر حقيقي، حيث تتجسد في أبهى صورها قدرة الإنسان.

ليست هناك تعليقات:

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

الصالون الثقافي : يلا بنا نقرأ

تنبيه

إذا كنت تعتقد أن أي من الكتب المنشورة هنا تنتهك حقوقك الفكرية 


نرجو أن تتواصل معنا  وسنأخذ الأمر بمنتهى الجدية


مرحباً

Subscribe in a reader abaalhasan-read.blogspot.com - estimated value Push 2 Check

مواقيت الصلاة